العدد الثالث والثلاثون - آيار

مليشة السياسة

سركيس أبو زيد
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 
New Page 1

الحالة الميليشيوية لها عدة وأدوات منها المال السياسي، التسلح، التدريب، الشعب الأمنية والتي  تسمى أحيانا انضباط، بالإضافة إلى توسيع دائرة التفرغ أي العمل السياسي والحزبي المأجور فيتحول المناضل والكادر الى موظف لقاء راتب وهذه الطبقة من العاطلين عن العمل تصبح أداة بيد السلطة الحزبية للتحكم بالقرار التنظيمي. وهذه الطبقة الهامشية الطفيلية ، أفرزتها أصلا الازمة الاقتصادية الاجتماعية. وهي مهيأة للانتهازية لأنها تبدل مواقفها السياسية وفق سلم الرواتب، لانها غير ملتزمة عضويا بقضية أو عقيدة أو وعي عقلاني أو مشروع سياسي وقد تعرض هؤلاء الشباب الى الفساد والانحراف عن الانتاج والمعرفة.

 وهذه الحالة الميليشيوية تختلف نوعيا عن حالة المقاومة التي تتميز بالنضال والتعبئة الاستشهادية وردم الهوة بين القيادة والقاعدة. قادة المقاومة هم شهداؤها وقادة المقاومة هم القدوة في النضال والتضحية والتقشف.

 في حالة المقاومة يكون السلاح مشدودا الى مقارعة العدو الاسرائيلي، أو يستخدم للثورة المسلحة ضد نظام تبعي استبدادي فاسد، أما في الحالة الميليشيوية ، فيستخدم السلاح ومشتقاته للقتنة والحرب الأهلية المجانية. والحقيقة ان الحالة الميليشوية تفرز حكما طبقتين : طبقة مستفيدة تدير آلة التنظيم وتتمتع بالوجاهة والمظاهر والنعم (بيت، سيارة،مال، حرس...) وطبقة المتفرغين، وهم من الحرس والمرافقين وقبضايات الشارع والمخبرين.

في الواقع، بعد ان اضطربت الظروف الامنية، وتعثر الحل السياسي ، بدأ التخوف من الفتن الأهلية والأحداث الأمنية المتنقلة واستمرار الانقسام العامودي الحاد بين المعارضة والموالاة والتحضير للأسوأ ، بدأت التنظيمات السياسية والأحزاب والقوى من الجبهتين المتنازعتين الاعتماد على المال السياسي الآتي من مصادر مختلفة سخية بفضل ارتفاع سعر البترول، وتفشت ظاهرة التدريب في لبنان وخارجه والاتجاه الى التسلح.

هذه الظاهرة أعادت لبنان الى اجواء الحرب الأهلية والتبشير بعودة الميليشيات وظهور اللباس الموحد وانتشار أسماء التنظيمات العسكرية في الأحياء والمناطق وتوسيع دائرة المتفرغين وانشاء أجهزة امنية علنية عبر شركات الحراسة أو ضمنية تلجأ اليها الأحزاب والقوى السياسية للرصد والمراقبة والحماية والاختراق، مما يبشر بعودة الروح العسكرية التي غابت الى حد ما عن الحياة السياسية خاصة بعد حل الميليشيات نتيجة اتفاق الطائف.

 وهكذا تتحول الحياة السياسية والحزبية في لبنان من الحوار الديموقراطي والصراع الفكري والمناظرات الاعلامية والبرامج، الى هيمنة المنطق الميليشيوي داخل الاحزاب والقوى السياسية وفيما بينها. لذلك بدأت الصراعات والاحداث الامنية تتفشى كبروفا لتهيئة الأجواء القتالية وصعود نجم قباضايات الأحياء وجنرالات الحرب، كما بدأت تظهر على مسرح الأحزاب القيادات الميليشيوية القابضة على المال السياسي والتدريب والتفريغ والتسليح وأجهزة الأمن والانضباط لتصبح هي صاحبة القرار الحزبي والسياسي لأن الزمن هو زمن المواجهة والحرب.

إن تسريع الحل السياسي والتسوية السلمية هي المدخل لاعادة بناء الدولة وتفعيل المؤسسات الشرعية من أجل وضع حد للفلتان الأمني ومحاولات عسكرة السياسة ومليشت المجتمع حيث يتحول العاطلون عن العمل والمهمشون والطائفيون ورعايا الاقطاعيين الى مرتزقة في الميليشيات يدمرون ذاتهم وينتجون حروبا أهلية متواصلة ويدمرون البلد.

    إذا ما استمرت الحالة الميليشوية في التفشي، هناك خطورة ان تتحول الاحزاب والقوى السياسية الى ميليشيات متصارعة تجدد الحرب الأهلية بدل تجديد الاحزاب ودمقرطتها، كما ان هناك خطرعلى الحياة السياسية من المليشة على حساب نهج المقاومة والمجتمع المدني.