العدد الثالث والثلاثون - آيار

الفصام

نجيب نصير
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

ربما كان الطريق الأقصر للفشل الثقافي والاجتماعي والسياسي هو الفصام أثناء ممارسة الحداثة، فنحن مع كل ما نحن عليه من (مودرن وموضة وماركات )واعتناقنا لها ولمظاهرها وممارساتها لما نزل نعتبر أنفسنا (شطورين) وفهلوية وقادرين على الضحك على الأفكار التي نعتنق والتي نعتقد أن فيها خلاصنا ونعلن ذلك بيقينية تقارب الإيمان ولكننا وفي نفس الوقت واللحظة نمارس عكسها بثقة وواقعية وبداهة ولا ننسى الاعتذار عن هذا الخطأ الاضطراري وكأن الاعتذار سوف يعفينا من نتائج الفصام المميتة. فنحن ديموقراطيون وقبائليون في آن ، وحزبيون وعائليون في آن ، ومؤسساتيون وأصحاب نفوذ في آن معا، وبرلمانيون و ( غلا غلا ) معا، وهكذا دواليك لنكتشف أن رجلا واحدة نضعها في قارب الحداثة لا تكفي كي يبحر بنا إلى عالم الشبع والمنعة إلى عالم الأوطان الواضحة، والمجتمعات الواضحة، والثقافات الواضحة، والمواقف الواضحة، وحتى الوظائف الواضحة.

لا يكفي أن نعلم عن الحداثة أو نقتنيها ، ولا يكفي أن نتبناها وننصح بها فالحداثة هي عيش في الحاضر تلبية لاستحقاقات المستقبل كشرط ووعد لوجودنا فيه،إنها قطيعة عملية مع الماضي (أي ما كنا عليه) لكي نستحق ما نكون وما سنكون عليه قادما .فالحداثة لا تتسامح مع مزدوجي الشخصية الذين لا يتسامحون معنا إذا لم (نلحق ) أنفسنا ونكشفهم ونحاسبهم ،قبل أخذنا إلى الفناء.