العدد الثالث والثلاثون - آيار

التحية الأخيرة — اقتتالنا على السماء جحيم واقتتالنا على الأرض جهنم

منصور عازار
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

انه لأمر مخيف، ان ينتابك شعور تتوقع فيه الكارثة القادمة، اكثر من شعوري بتوقع الموت. انه لأمر يثير فيّ الدهشة والاستغراب. كلما رافقتني الأسئلة القديمة / الجديدة: هل سيبقى وطننا رصيفاً يودع المهاجرين؟ الى اي درجة ستسحقنا آليات العولمة القادمة والمقيمة على انقاض مجتمع متخلف، لا ينتج سلعة؟ ما مصير هذه الشعوب العربية القاطنة بين الثلاثي: النفط، والمقدس، والعنف؟ هل بات التعامل مع النفط على انه لشراء الذمم والاخلاق والسياسة والاعلام، ليتحالف مع المقدس الايماني، ليشهره سلاحاً عنيفاً ضد التقدم؟ ما قيمة الشرعة الدولية لحقوق الانسان، وقد باتت سلعة اغراء وسيفاً مسلطاً مراراً وصيفاً وشتاءً على سطح واحد؟؟

انه لأمر مخيف، ان ينتابك احياناً، عبث الجهود والتعب والنضال، لأن حصيلة جهد انساني ريادي، انتهى الى مجتمع مفكك، وفكر متخلف، ونهضة مهيضة وطموح اغتيال، وثقافة مكسورة الأجنحة، وقضية مهملة. انه لأمر يدعوني، وانا على المطل الأخير لهذه الدنيا، الى الحسرة الدامعة، لأنني شهدت على عصر الأمل والخيبة، على قرن التفاؤل والتشاؤم، على عقود الدم والذبيحة، على وحدة تشققت، وفلسطين انقسمت، شعب يتبادل الخبث كهدايا يومية في العراق.

على انني انهض من مرارتي واقول: لم ننته بعد، الامتحان صعب. التاريخ لن ينتهي، الغد القومي مؤجل، ولكنه لا محالة عائد. لقد انتهى عصر الهزائم. وبدأ وعد المنازلات الكبرى:

الاحتلال الأميركي للعراق ليس بمستقر، والأمثولة لبنان المقاومة، التي نزلت الى الساحة، منذ العام 1969، بعد هزيمة حزيران، واستمرت بوجوه وسواعد وافكار وعقائد مختلفة ومؤتلفة. وانتهت بانتصارين. والامثولة فلسطين التي طردت الاحتلال من غزة، وستطرده من الضفة قريباً، مهما طال الزمن.

يعود الي شبيابي، بجمعية المواطن التشريني، عندما ترتسم امامي صورة المستقبل الجديد، ترسمه مقاومة ثقافية اعلامية سياسية عسكرية، بقيم العطاء والبناء، واخلاق الانتصار.

يعود اليّ اطمئناني، بأننا لم نصل الى النهاية، ولن. فالبدايات رصيدنا. فمن يستطيع البداية دائماً، لا شك سيمسك زمام النهايات السعيدة... يوماً.

بهذا اليقين، اعدت احفادي واصدقاءهم. بهذا الايمان انا ما انا، ونحن ما نحن عليه: امة تتعرض لفتك داخلي وتهديد خارجي، وتقاوم...

بهذا اليقين، اودع الدنيا، ممسكاً قبضة امة وشعب، خضّبت اصابعها عزيمة القتال وارادة البناء، وتفوّق الايمان بالحرية والوطن الحر.

بهذا اليقين اقول: كم كانت متاعبنا الشاقة قليلة ازاء ما ستواجهه الأمة ببسالة وتفوق. فتصوروا يا احفادي. اننا اليوم برغم تردي حالة انظمتنا المتخلفة اننا نقف وحدنا، ضد اميركا واسرائيل، ونسجّل تفوقاً عليهما معاً.

هذه هو يقيني الموضوعي، وليس ايماني التخيلي.

فلنعد الآن الى حيث كنا، في غانا الافريقية، كانت حجرتي الأولى نتيجة ظروف خاصة، ولم تكن قراراً ارادياً، ولقد دخلت الحياة وانا لا اعرف شيئاً عن المال والأعمال وكان علي ان اتكيف مع المحيط. وكانت عقيدتي هي المحور الذي ادور حوله والمقياس الذي اقيس به علاقتي بالناس. وقد تسبب لي ذلك بصدامات فكرية واجتماعية ومواجهات كثيرة، جعلتني متهماً بالتشدد في افكاري ومصادماً للذين ليسوا مثلي، وعلى قناعتي.

كان ذلك مبرراً آنذاك، لأن اثبات الهوية الذاتية في المجتمع كان امراً اساسياً. فطموح الهوية ان تمارس، لا ان تكون سراً من اسرار الذات.

سببت لي تلك المواقف متاعب كثيرة تحملتها لايماني بصحة عقيدتي. ومن سمات تلك المرحلة قرار بناء ناد للمغتربين في اكرا العاصمة. وقمنا بحركة دؤوبة لتنفيذ هذا المشروع وتقدمنا بطلب رسمي الى الحكومة كي تمنحنا قطعة ارض قريبة من الشاطىء. ولما بدأنا بجمع التبرعات، غدا الشغل الشاغل للبنانيين الاسم الذي يجب ان يكون يافطة النادي. اصرينا على تسميته النادي السوري القومي، مما اثار ضدنا كل الذين يصرون على الا يكون النادي باسم الحزب، عليه، يجب ان يكون الاسم "النادي اللبناني". تمسكنا كقوميين بحق التسمية، وهكذا كان في اكرا، كما حصل سابقاً في مدينة كوماسي.

ايقظ هذا النوع من الحراك الحزبي، معارك طائفية، فلجأت الى فتح ابواب الحوار عبر التعاطي العملي مع ابناء الجالية بكل ميولهم وصراعاتهم وقناعاتهم الداخلية، وقد كانت المهمة شاقة جداً.

فيما انا اتذكر ذلك الصراع في افريقيا، اجد رغم التبريرات انني امام نوع آخر من التحديات الجديدة، التي تتصدّر ابناء الجيل الجديد، وهو يخترق الألفية الثالثة: اين وجه الشبه بين تلك الأيام الأولى من تدرجي في هذا الكون، وبين القفزات الهائلة التي يقفزها العالم، غبر صرعات وموديلات سياسية وعلمية وتقنية وحربية وفكرية؟

غريب اننا: عندما كنا اقوياء في انتمائنا وعقيدتنا وعملنا، ةلم يكن العالم يقدم لنا الا كوة صغيرة نطل عبرها على شؤونه. اما اليوم، فان القوى العالمية تدخل الينا من كل الجهات، ولا حصانة لدينا في المنعة والوحدة والقوة.

انه لأمر خطير جداً، فالانسان قد حقق اكتشافات هائلة في حقل المواصلات والاتصالات والعلوم الذرية واخضع لارادته الأجواء والفضاء الخارجي وقويت اقتصادات الشعوب وتواصلهم سلماً وحرباً، الا ان حقول المعرفة الانسانية والمناقب والاخلاق لم تتمكن من ان تتقدم لمجاراة تلك العلوم، فأصبح الانسان خطراً على ذاته، فهو قد انفصم كلياً وفقد توازنه فأصبح يتأرجح في هذا الكون بين حالة الأمس، هذا الأمس الممتد الى آلاف السنين الغابرة وما تحمله معها في اعماقه من عادات وتقاليد ومعتقدات وبين ما يتعقد انه تحرر واصبح قوياً فيما يعرف ويمارس اليوم، انما حقيقة هذا الانسان في نظري انه يتخبط في مطامعه وشهواته وما حققته العلوم والتكنولوجيات ابرز شدة شقائه، فقد تحسنت مظاهر حياته وطرق معيشته وحركة تنقلاته ووسائل تحقيق امور يومه ولكنه تقدم متراجعاً، لأنه اصبح بدون اهداف نفسية ومثل عليا تشد به الى الأحسن والأفضل والأجمل.

أصبح الانسان في حالة ضياع وانقسم الكون بين قوى طاغية تملك الكثير من الوسائل وقوى مستسلمة تلعب فيها نتائج الماضي وتأثيرات المعتقدات البالية فأصبحت بلا ارادة حرة ولا وعي نفسي عميق، واذا بالانسانية جمعاء قد اكتسبت الكثير من العلوم والمعارف وسهل تنقلها في عواصم الدنيا ولكن الأمم المتفوقة بامكاناتها سيطرت على الأمم الضعيفة وبتنا اليوم في عالمين لا ينتميان الى كوكب واحد: عالم الفقراء وعالم الأثرياء.

يواجه الجيل الجديد اليوم، وضعا مأساويا محفوفا بمخاطر غير مسبوقة وعمف غير مستعمل. لقد فقد الانسان توازنه وبات أميل فردية قاتلة، وأميل جماعات أصولية. أصوليتان تتواجهان: أصولية الفردية الجامحة ماليا واتقصاديا الى حد التوحش، وأصوليات دينية ومذهبية طاحنة ومطحونة.

انه العالم المصان فرديا بأصوليات دينية، والمصان جماعيا بأصوليات دينية أخرى. والبناء النفسي الانساني المفقود. الصراع بين الأمم الكواسر، تتحول الى صراع بين مجموعة الأمم بقيادة أميركا، هذه الأمم المغلوبة اللاجئة شعوبها الى اطمئنان الأصوليات المطوّبة دينيا، لتواجه مصيرها الدامي.

ان ما يحصل اليوم من تطورات بهذا الحجم الكارثي ، يخيفنا، نحن أبناء الأجيال الماضية، ويجعلنا في حالة قلق، ازاء ما قد يصيب الأجيال الآتية من انتكاسات وحروب.

هل سيتمكن الانسان من مواجهة هذه التطورات الهائلة في هذا العالم؟ وهل ستتمكن هذه الكرة الأرضية أم الانسان من أينما كان، ان تحتضن أبنائها بود ووئام، وسلام، بعد عصور الحروب والاجتياحات ام ان أبناءها سيبيدونها هباء، فيتزايد الحقد ، مع ازدياد السكان بالمليارات، وتفوق التفاوت المطلق على المساواة النسبية؟

اني أرى الكارثة واقعة واني أترك وصيتي واضحة، انه اذا لم تتمكن القوى العاقلة في هذه الدنيا من تطوير أنظمتها وأخلاقياتها لتجاري الاختراعات الحديثة وتتفاعل معها لايجاد حالة من التوازن والاستقرار، فان مصير الشعوب القاطنة على هذه الأرض مهدد مستقبلها بالزوال، اذ كيف يتمكن الانسان من المحافظة على وجوده وهو يمتلك كل وسائل القتل الجماعي والدمار الكامل ولا يتحلى بالصفات الأخلاقية والانسانية التي يمكن ات تردعه عن اجرامه الجائر بحق من هو أضعف منه!

كانت الحياة تُفسّر تفسيرا ودينيا، بحيث اصبح الانسان يعتقد ان له حياتان: حياة على هذه الارض وحياة اخرى بعد الموت. وصوّرت التعاليم الدينية ان الآخرة هي الدوام المتواصل، حيث ينتقل الانسان الى النعيم، او الى الجحيم وفق اعماله في هذه الدنيا الفانية، التي هي وادي الدموع والحسرات. والمطلوب ممارسة الفضائل كلها في هذه الحياة كلها ولما بعد الحياة دائما.

هذا في النظرة الدينية، ونشأ من جهة ثانية تفسير آخر للوجود الانساني من ان الانسان ينتهي عند الموت وهذا هو التفسير المادي للوجود فأصبح الانسان وفق هذه الاجتهادات، اما ينظر الى الوجود نظرة روحية فحسب، واما ينظر اليه نظرة مادية بحتة. ان هذا التفسير للوجود عند الماديين والروحيين قد كلف الانسانية هذا الصراع المفرّق لقوى الانسان واحدث تضاربا خطيرا نتج عنه انفصام الوجود الانساني الذي اصبح تضاربا متواصلا بين ماهو مادة وبين ما هو روح، لم يقبل سعادهايا من احادية النظرتين، فالوقوف على رجل واحدة والنظر بعين واحدة يحدث تشويها للصورة تشوها للفعل.

الروحية عند سعادهلا تفسر الوجود الانساني تفسيرا ماديا فحسب، او تفسيرا روحيا فقط، لقد اعطت الرؤيا الجديدة من ان الانسان الفرد، على ما فيه من قيمة واهمية انسانية، شأن عابر بذاته وقيمته الحقيقية هي التفاعل الحيوي في المجتمع وتحقيق الوجود المجتمعي الذي هو الوجود الدائم والمتغير معا. فالأفراد يأتون ويذهبون، يكملون آجالهم ويرحلون، اما المجتمع فباقٍ بتعاقب اجياله واختزانه القيم والمثل الناتجة عن ثقافة الوجود المتواصل للإنسان ضمن مجتمعه، اي ضمن تراثه الحضاري وانجازاته الثقافية المرافقة لتطوره عبر الزمان والمكان، فالإنسان يصنع ضمن مجتمعه كل ما تحتاج اليه حياته من معارف وعلوم وانشاء وبناء ليحقق ذاته المجتمعية التي هي الذات الباقية والتي على الانسانية جمعاء المحافظة عليها وتنميتها عبر ملايين السنين. ان اسناد هذه النظرة الى منطق العلوم والمعارف يستدعي منا التعمق في الدرس والتفتيش عن المراجع التي ليست من غاية هذه الوصية التي تعرض الاختبارات التي مررت بها وتسجل المواضيع الهامة التي اشغلتني طيلة المدة الي قضيتها في هجرتي الاولى، كانت هذه المواضيع وغيرها مما تعلمناه في مدرسة سعادهباكرا لتشغل بالي كثيرا، ولم اكن اجد لها تفسيرا واضحا في حدود خبرتي ومعرفتي للأمور الجوهرية، ولكني كنت قد تنبهت لأهميتها وخطورتها، وكانت تظهر دائما في رسائلي الى رفقائي وخصوصا في رسائلي الى استاذي جورج مصروعة الذي كان قد سبقني الى التعمق في تعاليم سعاده، فكنت اراسله دوريا واتلقى منه الاجوبة وكان رحمه الله يعتني جدا بكل ما يصدر عني من تساؤلات واستفسارات، والى الآن لم ازل افكر بهذه المواضيع وافتش عن الفرص للتعمق بدراستها وشرحها لكم، فهل سأتمكن؟ ... لست ادري!..