العدد الثالث والثلاثون - آيار

الحرب الأميركية على العراق أكــاذيب وحقائــق

الياس سالم
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

بدأت الحرب الأميركية على العراق سنتها السادسة ولم تحقق أية نتائج سياسية تسمح بخروج مشرف للقوات الأميركية، بل على العكس فالدمار الذي لحق بالعراق جراء الحرب ما زال قائماً ويتفاقم يوماً بعد يوم، والنسيج العراقي تمزق وملامح الحرب الطائفية العرقية تقوى وتتراجع، لكنها ما تزال موجودة، والديموقراطية الموعودة تحولت إلى استفتاءات طائفية عرقية، والحريات بعيدة المنال، والأمن مفقود ونحو خمسة ملايين هاجروا من البلاد أو تهجروا داخلها، هذا إلى مقتل نحو مليون عراقي وما يزيد عن أربعة آلاف جندي أميركي.

إنكشفت أكاذيب الأميركيين وذرائعهم لشن الحرب وأشهرها اعتراف وزير الخارجية السابق كولن باول بالكذب في مجلس الأمن حول الصور التي زعم أمام المجتمع الدولي لمنشآت أسلحة نووية عراقية.

أثارت حرب العراق جدلاً كبيراً داخل الولايات المتحدة تمحور حول الكلفة العالية لهذه الحرب، والتي شارفت حسب بعض الإحصاءات الإقتصادية على ثلاثة تريليون دولار، وخسارة الضحايا التي بلغت كما ذكرنا آربعة آلاف قتيل، ولكن الجدل يتركز بالتساؤل حول سبل إنهاء هذه الحرب وخروج القوات الأميركية بعد أن تكون قد أنجزت مهماتها، وليس كما حصل في أيار/مايو 2003 عندما أعلن الرئيس جورج بوش انتهاء الحرب، وقال «mission accomplished» ولكن المهمة كانت ما تزال في بدايتها.

ربما لم تصل حرب العراق إلى الوضع المدوي داخل الولايات المتحدة كما كانت حرب فيتنام وذلك لإعتبارات كثيرة، لكن الجدال حولها اتخذ بعداً كبيراً داخل المجتمع والأوساط السياسية، ما حدا بعدد من معارضي الحرب بمباشرة تحركات شعبية وإعلامية لم تبلغ بعد حجماً كبيراً يضغط من أجل إنسحاب سريع.

أعد الباحث الأميركي توم إنغلهارت إثني عشر سؤالاً حول الحرب رأى وجوب طرحها وتفنيدها أمام الرأي العام كي يفهم الغاية الحقيقية منها والمأزق الكبير الذي وضعت الإدارة الحالية البلاد فيه.

وهذه هي الأسئلة والإجابات:

 


 

1 - نعم الحرب وضعت القوات الأميركية في أسوأ كابوس عراقي.

يتحدث الكاتب عن مراحل الهجوم على العراق وكيف سقطت مدينة بغداد دون مقاومة، بينما كان معارضو الحرب يفترضون أنه سوف يجري قتال من بناية إلى أخرى بغية إحتلالها، لكن، وبعد أكثر من خمس سنوات وجدت القوات الأميركية نفسها في مواجهة حرب مدن وشوارع داخل مدينة الصدر، وهي ضاحية من بغداد يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة. وقد سقط للأميركيين خلال أسبوع واحد في هذه المدينة أكبر خسارة تكبدتها خلال عام 2008 دون إحراز أي تقدم. إن الهاجس الذي توجس به معارضو الحرب حول حرب شوارع عام 2003 ولم يتحقق حينها نراه الآن وقد بدأ يظهر في حرب شوارع لا أفق أمام القوات العسكرية الأميركية لإنهائها بنجاح.

 

2 - كلا لا يوجد إستراتيجية خروج من العراق لأن إدارة بوش لم تنوِ أصلاً الخروج.

طالما انتقد مناهضو الحرب على العراق الرئيس بوش لفقدان إستراتيجية الخروج لدى إدارته، وهم بذلك أخطأوا الهدف. فالإدارة وعلى عكس تمنياتهم وإفتراضاتهم لا ترغب ولا تنوي الإنسحاب من العراق، فهي بنت أربع قواعد عملاقة في العراق مع أنها تعتبر القواعد العسكرية في العالم ومنها التي مضى على وجودها أكثر من 60 عاماً في اليابان، قواعد مؤقتة ولا تصفها بأنها قواعد ثابتة.

لقد بلغت كلفة هذه القواعد في العراق عدة مليارات من الدولارات، وهي ما تزال تعزز يوماً بعد يوم. فقاعدة بلد مثلاً تأوي أربعين ألفاً من القوات العسكرية والمدنيين المتعاقدين والشركات الخاصة وهي مشروع عمراني عملاق يتضمن طرقاً وبنى تحتية وأرصفة في مساحة تبلغ 16 ميلاً مربعاً، وكذلك الأمر قاعدة كامب كوبكيك المعروفة بقاعدة الأسد الجوية فهي عبارة عن مدينة صغيرة فيها متاجر ومطاعم.

يشير الباحث أنه لدى البحث في إعداد إتفاقية وضع القوات في العراق تبين أن المسؤولين الأميركيين يحضرون إتفاقية تواجد عسكري غير محدد العدد وغير محكوم بمهلة زمنية. لا حدود لعمل القوات ولا لإنتشارها ولها سلطة قانونية على المواطنين العراقيين ليست موجودة في أية إتفاقية بين دولتين في العالم، كل هذا يطرح التساؤل هل هناك فعلاً إستراتيجية خروج؟

 

3 - نعم الولايات المتحدة ما تزال تحتل العراق.

في حزيران/يونيو 2004 أعلنت السلطة المؤقتة للتحالف تسليم السلطة إلى الحكومة العراقية المتمركزة معظمها في المنطقة الخضراء، ولكن في اليوم الذي سبق، وقع بول بريمر رئيس السلطة الحاكمة الأمر 17 والذي أصبح قانوناً في البلاد، وقد منح بموجبه لقوات الإحتلال وللشركات الخاصة التابعة لدول التحالف ما سمي بحرية عمل تامة دون خضوع للقانون العراقي. وهكذا انتهى الإحتلال نظرياً وبقي عملياً. ومع وجود 160 ألف جندي أميركي وعدد غير معروف من الشركات الأمنية والمرتزقة تستمر الولايات المتحدة بإحتلال العراق بغض النظر عن كل قرارات الشرعية الدولية، بما في ذلك إدعائها بأنها جزء من قوات التحالف. ويضيف انغلهارت أن الولايات المتحدة وبكل بساطة هي أكبر وأضخم قوة في العراق مجهزة بأعقد الأسلحة وأشدها تدميراً. وكل ذلك من أجل تثبيت الوجود - الإحتلال الأميركي للعراق.

 

4 - نعم الحرب كانت من أجل النفط.

لم يذكر شي عن النفط كسبب للحرب الأميركية على العراق. وعندما تحدث الرئيس بوش عن الإحتياطات الكبيرة للنفط أشار إليها إلى «أنها من تراث الشعب العراقي». ولكن الإدارة تضم عدداً من كبار تجار النفط السابقين، حيث كانت كوندا ليزا رايس تحتل موقعاً كبيراً في شركات النفط، ونائب الرئيس المدرك تماماً لإمدادات النفط العالمية، ونائب وزير الدفاع بول ولغوويتز الذي قال أن العراق يعوم على بحر من النفط.

لم يرتكب تشيني خطأ عندما تم إنشاء قوة العمل النفطية عام 2001 برئاسته، حيث دققت بخرائط حقول النفط العراقية بالإشتراك مع شركات نفطية غير أميركية. وقد نشرت مجلة نيويوركر مقالاً لجين ماير أورد فيه أن مجلس الأمن القوي أعطى توجيهات لأعضائه للتعاون مع السياسات العملانية لمواجهة الدول المارقة مثل العراق، وإتخاذ الإجراءات للسيطرة على حقول النفط والغاز العاملة حالياً في العالم، ولهذا كانت وزارة النفط هي المؤسسة الوحيدة التي قامت القوات الأميركية بحراستها بعد إحتلال العراق، وكان أول عقد أبرمته شركة هاليبرتون التي يملك تشيني قسماً من أسهمها هو لأجل إعادة بناء وتشغيل آبار النفط العراقية.

 

5 - لا السفارة الأميركية في بغداد ليست سفارة.

عندما تنفق ثلاثة أرباع مليار دولار لبناء مجمع بحجم الفاتيكان يتألف من 20 بناء مضاداً للإنفجارات وعلى مساحة 104 آر من بغداد العقارية مع تحصينات كبيرة وشديدة وبطاقم عمل ألف شخص (عدا عن آلاف الحراس والعاملين وغيرهم). عندما تحفر في الأرض عميقاً من أجل التحصينات وإمدادها بشبكة كهربائية خاصة بها، وكذلك شبكة مياه ومنظومة دفاع جوي وملاعب كرة السلة وكرة الطاولة ومسبح أولمبي وسوبرماركت خاص، هل نسمي كل هذه سفارة؟

إن ما بني في قلب العراق هو قلعة وحصن حتى ولو كان داخل المدينة، إنه وبحد أدنى نصب لأحلام بوش للسيطرة على العراق وتحقيق الشرق الأوسط الكبير.

وحسب تقدير مجلس الشيوخ سيدفع الأميركيون 1.2 مليار دولار من أجل تمثيلهم في العراق عبر هذه السفارة. هذه السفارة هي في الواقع أكبر مقر قيادة على سطح الأرض مخصص لإدارة الإحتلال. ولهذا نرى ميليشيات شيعية تقصف المنطقة الخضراء بالهاون بإعتبارها أرضاً يحتلها الأعداء.

 

6 - لا الحكومة العراقية ليست حكومة.

لا وجود لحكومة السيد مالكي خارج المنطقة الخضراء. إنها لا تقدم الخدمات وغير قادرة على إنفاق عائدات النفط وإعادة بناء البلاد، كما أنها لا تحتكر أدوات العنف. لا يوجد سيطرة لها على شمال البلاد حيث تعمل حكومة كردية شبه مستقلة، ويمنع على القوات المسلحة غير الكردية دخول تلك المنطقة.

كما أنها لا تسيطر على المناطق السنية في البلاد، حيث يوصف موظفوها بالإيرانيين في إشارة إلى إرتباط الحكومة الشيعية الوثيق بإيران، ويعتبرونهم مماثلين لقوات الإحتلال. كذلك الأمر في الجنوب فإنها لا تسيطر على المناطق الشيعية حيث تتوزع السلطة بين منظمة بدر والتيار الصدري وحزب الفضيلة.

في أفغانستان سمي الرئيس حميد قرضاي رئيس بلدية كابول لسبب فقدانه السيطرة خارج العاصمة. يمكن أن نسمي المالكي رئيس بلدية بغداد، واليوم تحاول قواته بدعم من القوات الأميركية فرض سيطرة متواضعة على بعض المدن الشيعية.

 

7 - كلا الإندفاعة لم تنته.

أمضى الجنرال بترايوس والسفير كروكر يومين في مجلس الشيوخ يشرحون إستراتيجية الإندفاعة (surgé) في العراق التي أقرها بوش، وما إذا كانت قد حققت نجاحاً. هذه الإندفاعة التي تضمنت إقحام ثلاثين ألف جندياً إضافياً في بغداد وجوارها، قيل أنها إنتهت وحققت أهدافها. لكن الوقائع تشير إلى أنه فقط نحو عشرة آلاف من هؤلاء سوف يعودون إلى بلادهم في نهاية تموز/يونيو ليس لأن الرئيس بوش يريد تخفيض العدد، ولكن على حد قول فريد كابلان بسبب معادلة رياضية بسيطة. إن الألوية الخمسة القتالية التي انتشرت في العراق في الإندفاعة لكل منها مدة خدمة في العراق تبلغ 15 شهراً، وقد إنتهت مدة خدمة الألوية الخمسة في نهاية تموز، كما أن الجيش والبحرية ليس لديهما قوات جاهزة لإحلالها مكان هذه الألوية.

لم يذكر الجنرال ولا السفير شيئاً عن إنتهاء الإندفاعة. واليوم يندلع القتال في مدينة الصدر وتستخدم القوات الأميركية طائرات هليكوبتر من نوع أباتشي وصواريخ هل فاير وطائرات دون طيار وتنفذ غارات في جميع أحياء المدينة، فكيف تكون الإندفاعة إنتهت؟!

 

8 - كلا الجيش العراقي «لن يقف على رجليه».

إنه ليس جيشاً وطنياً، وليس العراقيون غير مقاتلين أو غير شجعان، إسأل المتمردين السنة. إسأل ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتضى الصدر. ليس العراقيون غير قادرين على الإنضواء في جيش وطني، ففي الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 قاتل العراقيون سنة وشيعة في معارك قاسية وبقيادة يغلب عليها الطابع السني، ولكن منذ معركة الفالوجة عام 2004 وحتى اليوم إنقسمت القوى المسلحة العراقية (جيش وشرطة) في معارك غالباً لم تستمر، حيث ترك بعض العسكريين مراكزهم والتحقوا بالجانب الآخر، أو فروا، أو على الأقل قاتلوا دون إندفاع. في المواجهة الأخيرة في البصرة التي قادها رئيس الوزراء المالكي ضد جيش المهدي فر جنود بأعداد كبيرة من القوى المهاجمة، فيما أبدت الوحدات البعيدة عن الأميركيين تلكؤاً واضحاً في التنفيذ. تم طرد 1300 عنصر من الجيش والشرطة بينهم 37 ضابطاً بسبب ترددهم أو فرارهم خلال معارك البصرة، فيما تم نقل مسؤولين كبيرين من مراكزهم، مع أن التدريب الأميركي للجيش بدأ عام 2004، كان الرئيس بوش يتحدث عن تخفيض عدد القوات مقابل إزدياد عدد القوات العراقية. قال شارلز هانلي من وكالـة أسوشيا تدرس يبدو سنة بعد سنة أن تحقيق بناء جيش قادر وقوي يحتاج إلى وقت طويل، وأضاف أن وزارة الدفاع في تقريرها الفصلي الأخير أسقطت أي إحتمال بتسليم الأمن للقوات الوطنية العراقية. وأضاف أيضاً أن تقرير العام الفائت توقع أن يتم خلال عام 2008 تسليم الأمن إلى العراقيين، لكن الجنرال جيمس دوبيك يقدر أنه لن يكون بإمكان القوات العراقية حراسة الحدود قبل عام 2018.

دعونا لا نتعجب. لا يوجد معنى للجيش العراقي، وحداته ينقصها الأسلحة الثقيلة وليس لديه قوات جوية ولا بحرية. إنها تتكل على القوات الأميركية في الإمداد واللوجستية وإستمر هذا الوضع بعد إنفاق 22 مليار دولار. إنه مثل منظمة غير حكومية مؤلفة من بقايا ميليشيات شيعية (من منظمة بدر) ولا يعرف من هو عدوه. لا يمكن أن يكون وطنياً جامعاً ولا يمكنه «الوقوف على رجليه».

لا يمكن الإعتماد على تدريب وتوجيه الجيش العراقي. يمكننا أن نسمع المزيد من الملاحظات كتلك التي قالها رقيب في الجيش الأميركي عندما شاهد فصيلة عراقية تترك مركزها على خط المواجهة في معارك البصرة «إنه مشين ومزعج، لم نر أي تقدم على الإطلاق، وإذا لم نكن معهم لا يمكن تحقيق أي تقدم مهما كان طفيفاً».

 

9 - كلا القوات العسكرية الأميركية لا تقف حائلاً دون تقسيم العراق.

أصاب الغزو الأميركي للعراق وسياسة بوش أثناء الإحتلال، النسيج العراقي مقتلاً. ومنذ دخول العراق كانت إدارة بوش المحرك للفوضى والتقسيم والتفتيت، فدمرت مؤسسات الحكومة الوطنية وسمحت بسرقة ونهب المؤسسات والتراث العراقي والآثار، وحلت الجيش العراقي وأعادت رسم توجهات للإقتصاد. ومنذ ذلك الوقت، ومهما كان الخطاب السياسي للإدارة فإن القوات الأميركية تربعت على عرش بلد ممزق، وأدت إلى مزيد من التمزق.

وتعتمد القوات الأميركية سياسة خاصة لتقسيم المناطق داخل المدن وبنت جدارات للفصل بين الأحياء لأسباب تتعلق بالأمن وإعادة البناء. لكن الهدف الحقيقي يكون إبعاد السكان وفصلهم عن بعض، وحتى اليوم تمزق النسيج العراقي وتهجر أكثر من أربعة ملايين عراقي إلى خارج العراق وإلى أماكن أكثر أمناً داخل العراق.

كتب بيب اسكوبار في آسيا تايمز أن هناك 28 ميليشيا في العراق، وكلما قلت سيطرة الأميركيين زاد التمزق والتفتت في البلاد. كان التقسيم في الأساس طائفياً في مناطق سنية وشيعية وكردية، ولكن صارت كل من هذه المناطق تخضع لتمزق خاص. بدأت القوات الأميركية بقتال المتمردين السنة مستعينة بالشيعة، وها هي اليوم تقاتل المتمردين الشيعة، فيما تسلح وتمول المتمردين السنة وأعادت تسميتهم بإسم «أبناء العراق» وفي ظل غياب حكومة وطنية عراقية، ينزلق العراق ويتفتت إلى مناطق صغيرة تسيطر عليها ميليشيات محلية، بحيث تظهر سلطات صغيرة في المدن والمقاطعات.

على رغم كل الحديث عن الدعم الأميركي للمصالحة في العراق كتب جوان كول تعليقاً في موقعه على الإنترنت «ربما ليس الأميركيون في العراق صبياً يحفر بإصبعه ثقباً صغيراً، الأرجح أننا عمال نحمل معاول ورفوش من أجل جعل الحفرة أكثر عمقاً».

 

10 - كلا القوات العسكرية الأميركية لا تقف حائلاً دون الحرب الأهلية في العراق.

لعبت القوات الأميركية دوراً كبيراً في تقسيم العراق وتفتيته، وهي بالفعل المحرك الأساسي للحرب الأهلية.

لقد أدى الغزو والفوضى التي نشأت في ظله والأعمال العقابية ضد السنة إلى قيام المتطرفين السنة بإنشاء قوة لهم في العراق وأبرزها قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين. وفيما بعد هاجمت القوات الأميركية المناطق السنية والشيعية وقمعت التنظيمات المحلية فاسحة المجال لقدوم العناصر الأكثر تطرفاً (الإنتحاريون السنة في سياراتهم المفخخة وفرق الموت الشيعية) والتي شنت هجمات مرعبة. والجدير بالذكر أنه خلال الإندفاعة الأميركية داخل بغداد حيث تم إستقدام وحدات أميركية إضافية، جرى تطهير طائفي للأحياء المختلطة بالسنة والشيعة، وتوصل الأمر إلى عاصمة فيها نسبة 75-80% من الشيعة. وهناك في العراق على حد قول جوان كول ثلاث حروب أهلية، إثنان منها في الجنوب والشمال يقعان خارج سيطرة القوات البرية الأميركية.

إن إستمرار الخلاف العربي - الكردي والتحركات التركية في مدينة كركوك في الشمال يمثل قنبلة موقوتة يخشى إنفجارها في وقت ما في المستقبل. القوات الأميركية تقف قرب هذا المأزق الكبير وفي أحسن الأحوال تحاول الحد من إحتمال ظهور المشهد الإقتتالي في المستقبل، لكنها في الواقع تدعم قيام هذا المشهد.

 

11 - كلا القاعدة لن تسيطر على العراق في حال غادرته القوات الأميركية ولا يمكن لإيران أيضاً أن تسيطر.

كتب روبن رايت في الواشنطن بوس أنه من بين العمليات الإنتحارية التي جرت عام 2007 هناك 542 نفذ معظمها في العراق وأفغانستان أي في المناطق التي تحتلها القوات الأميركية. وبمعنى آخر الإحتلال الأميركي هو المحرك الأساسي للأعمال الإرهابية. قبل الإحتلال الأميركي للعراق لم يكن هناك وجود لقاعدة الجهاد في بلاد ما بين النهرين. والعراق لم يكن أفغانستان. الإحتلال يستمر بخلق الإرهابيين بغض النظر عن كلام الإدارة عن إتهام القاعدة.

في حال مغادرة القوات الأميركية سوف يصبح المتطرفون السنة الذين نشأو داخل العراق (والعدد الصغير من الجهاديين الذين يعملون معهم) أقلية ضمن أقلية. ولن يستطيعوا مواجهة الأكثرية السنية. لقد نشأت جماعة الصحوة في الأساس لمواجهة المتطرفين الذين يحاولون خلق مجتمع مثل طالبان. عندما يغادر الأميركيون فإن القاعدة تخسر دون شك مبرر وجودها في العراق.

بالنسبة لإيران، في اللحظة التي أقرت بها إدارة بوش الإستفتاء الشعبي الديموقراطي في العراق ضمنت أن الأكثرية الشيعية سوف تحكم وخصوصاً القوى السياسية التي كانت في المنفى خلال عهد صدام ومعظمهم كان في إيران. وكل ما فعلته إدارة بوش هو أنها زرعت نفوذاً إيرانياً داخل الشيعة. وقد اعتبر الإيرانيون ذلك ورقة يستخدمونها في حال قرر بوش مهاجمة إيران، عندها سوف تتعرض كل خطوط التموين من الكويت إلى بغداد وقرب الحدود الإيرانية إلى هجمات تحد من حرية حركتها.

في حال إنسحاب القوات الأميركية من العراق، من المؤكد أنه سوف يكون هناك نفوذ إيراني داخل المناطق الشيعية، وربما الكردية. لكن هذا النفوذ سوف يكون له حدود لأن الإيرانيين في هذه الحالة يواجهون وضعاً مماثلاً للوضع الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق الآن.

كتب روبرت درايفوس في مجلة «ناشن»: على رغم نفوذ إيران الكبير في العراق فإن معظم العراقيين - منهم الشيعة - ليسوا أتباعاً لإيران. وعلى العكس فإن هناك تياراً عروبياُ قومياً يتنامى تحت نفوذ القوى الحاكمة في العراق يعارض الإحتلال الأميركي والنفوذ الإيراني. إن تهديد القاعدة والتهديد الإيراني هي أدوات لتخويف الأميركيين الذين يحبذون الإنسحاب من العراق، كما يبرر إستمرار الإحتلال الأميركي للعراق.

12 - نعم بعض الأميركيين كان على حق منذ البداية في المسألة العراقية.

لا شك أن أحد المظاهر العجيبة في إحتفالات الذكرى الخامسة لإحتلال العراق هي أن مساحات الصحف حجزت لمسؤولي إدارة بوش ولمؤيدي الحرب الذين كانوا على خطأ عام 2002 و 2003، حين ظهروا في نقاشات حول العراق. العديد منهم أعطى فرصاً للظهور والتحدث عن نجاح الإندفاعة الأميركية وعن إنسحابات في المستقبل وعن مسؤوليات الرئيس الأميركي المقبل في العراق.

أما المغيبون فهم المجموعات التي كانت على حق منذ البداية. ويمثلون الملايين من الأميركيين الذين نزلوا إلى الشوارع من أجل أن يتظاهروا ضد الحرب ورفعوا شعارات: «لا دم مقابل النفط» و «لا تتاجروا بحياة الناس مقابل النفط» و «هل يقع نفط الولايات المتحدة تحت رمال العراق».

في ذلك الوقت بدا للعديد من الإعلاميين أن حملة هذه الشعارات يمثلون جماعات لا تعرف شيئاً عن الحقائق، وقد جرى تناسي كل شعاراتهم ومدلولاتهم.

واليوم وما كان صحيحاً لبعض الوقت، فهناك مجموعة من «الذين لا يعرفون الحقائق» يطالبون بخروج جميع القوات الأميركية من العراق وخلال وقت قصير ومعظمهم (أكثر من 60%) يعتقدون أن هذه الحرب ليس لها علاقة بالجهود لمكافحة الإرهاب.

أجري إستفتاء لعدد من النخب والأنتلجنسيا فاعتبروا أن من يطالب منهم بالإنسحاب الكامل من العراق سوف يودي بالبلاد إلى نقطة خطرة، فعندما يصل الأمر إلى المصالح الأمبريالية الأميركية جميع المؤيدين يعملون وبشكل أفضل مما كانوا يفعلون أيام بداية الحرب في تأييدها. وحتى المستشارون للمرشحين الذي يؤيدون نظرياً الإنسحاب الشامل من العراق يلمحون أن الإنسحاب الكامل لا يعتبر الإجراء الصحيح.

أنهى ديسباتش كلامه بطرح سؤال:

وعني أسأل سؤالاً وأترك للقارئ أن يجيب:

مع كل هذه المعطيات المذكورة آنفاً، أي جهة هي على حق؟