العدد الثالث والثلاثون - آيار

فلسفة أميركا الإسرائيلية القيامة هي نفسها 2

محمود حيدر
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

كنا قد نشرنا في العدد السابق الحلقة الاولى من كتاب سيصدر قريبا للكاتب تحت عنوان لاهوت الغلبة - التاسيس الديني للفلسفة السياسية الاميركية والذي تناول فيه البيان المشترك اللآهوتي بين اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية وهو يقوم على معنيين مركزيين يظهران وحدة النشأة والسلوك والممارسة ،وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثانية الذي يتناول فيها الكاتب الفيزيائية المقدسة عند المحافظين الجددوحمايـة مملكـة يهودا.

 

الفيزيائية المقدسة عند المحافظين الجدد

وفقاً للإيديولوجيا المؤسِّسة للسلوك الأميركي، سوف لن يكون أمراً مفارقاً، أن يُرى إلى إسرائيل اليوم، كفيزياء أميركية مقدَّسة. ولئن كان المعنى الإسرائيلي لأميركا داخلاً في التاريخ السياسي الممتد منذ المهاجرين الأوائل قبل أكثر من ثلاثة قرون، فهو يرقى إلى مراتبه القصوى لدى المحافظين الجدد في مستهل القرن الحادي والعشرين.

سوف يعلن أميركيون كثر، ومن بينهم المحرر السابق في صحيفة وول ستريت جورنال ماكس بوت أنَّ العلاقة الحميمة مع إسرائيل تبقى العقيدة الأساسية للمحافظين الجدد، معتبراً أنَّ استراتيجية الأمن القومي لدى الرئيس جورج دبليو بوش تبدو وكأنها جاءت مباشرة من صفحات الـ (Commentary) توراة المحافظين الجدد لكن ستانلي هوفمان الأستاذ في جامعة هارفرد والكاتب في نيوريبابليك يمضي إلى الكلام عن أربعة مراكز قوة كلها تدعو إلى الحرب واستعمال القوة ضد من لا يوافق العقيدة السياسية والأمنية للولايات المتحدة. ويشير إلى أنَّ هؤلاء وخصوصاً أولئك الذين تحلَّقوا حول الرئيس، وأبرزهم ريتشارد بيرل وبول وولفيتز وكونداليزا رايس ورونالد رامسفيلد وديك تشيني وسواهم ينظرون إلى السياسة الخارجية عبر عدسة مهيمنة واحدة : هل الأمر مناسب لإسرائيل أم لا؟ ومنذ نشأة إسرائيل في العام 1948 لم يكن لأصحاب هذا التفكير أن يشكِّلوا غالبية طاغية في الخارجية، ولكنهم اليوم في أفضل الأوضاع في البنتاغون عبر اشخاص مثل وولفتيز وبيرل ودوغلاس فايث.

من هم هؤلاء المحافظون الجدد الذين بلغوا السلطة العليا في الولايات المتحدة ليبدأوا بإنجاز تلك المطابقة النادرة والاستثنائية بين أميركا وإسرائيل بوصفها معنى واحداً وجوهراً واحداً ؟

يبيِّن الكاتب الأميركي باتريك بوكانان أنَّ الجيل الأول منهم ضمَّ الليبراليين السابقين، بالإضافة إلى الاشتراكيين والتروتسكيين، وكذلك المجموعات الآتية من ثورة ماكغوفرن عبر نهاية مرحلة المحافظين، وانتقلت بعد مسار طويل إلى السلطة مع مجيء رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في العام 1980. وفي هذا الموضوع يضيف بوكانان أنه  سبق لكيفن فيلبس أن عُرِّف بـالمحافظ الجديد آنذاك وبأنَّه محرر في مجلة أكثر مما هو عامل بناء. أما اليوم فيمكن التعريف به بأنه من الأعضاء المقيمين في مؤسسات السياسة العامة مثل مؤسسة المشاريع الأميركية (AE) أو إحدى توابعها مثل مركز سياسة الأمن، أوالمؤسسة اليهودية لشؤون الأمن القومي” (JINSA). إنَّه باختصار من الأشخاص الذين يعملون عن كثب مع مجموعات وضع الأفكار والخطط.

لم يأتِ أحد، تقريباً، من هؤلاء من عالم الأعمال أو القوات المسلحة، وبعضهم القليل من أعضاء حملةغولدوتر”. وهم يستشهدون عادة بأبطال من أمثال ودرو ولسون وهاري ترومن ومارتن لوثر كينغ، فضلاً عن الشيوخ الديمقراطيين مثل هنري سكوب جاكسون وبات موينيهان وغيرهما. وهم جميعاً من أنصار سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، وينظرون إلى عامل دعم إسرائيل على أنه عنصر بالغ الأهمية. ومن نجومهم في هذا المجال جان كيركباتريك، بيل بينيت، ما يكل نوفاك وجايمس.ك. ولسون. أما منشورات المحافظين الجدد فتشمل الـويكلي ستاندرد، والآنف ذكرهاكومنتاري، والـنيويورك ريبابليك، وناشونال ريفيو، وكذلك صفحة المحرر فيوول ستريت جورنال”. وهي على قلّة عددها تبقى واسعة النفوذ عبر سيطرتها على مؤسسات المحافظين ومجلاتهم. فضلاً عن قوة الارتباط بالنقابات الصحافية ومراكز القوى.( 1)

المهم في الأمر لدى هؤلاء هو أنهم يجاهرون بفلسفتهم التوراتية وبضرورة صونالمقدس الإسرائيلي أياً تكن تبعات التمرين على هذه الفلسفة. ولسوف يمضي عدد من رموز التيار الجديد والمحافظين إلى وضع إسرائيل في مقام يتجاوز كونها فيزياء سياسية أمنية ينبغي صون حياضها المقدس. بل إنَّ بعض رؤى هذه الرموز يبلغ درجة لافتة في شغفه بالكينونة الإسرائيلية إلى حد جعل الحروب مفتوحة وممتدة على العالمين العربي والإسلامي، وخصوصاً على البلاد المحيطة بها. ولو شئنا أن نعطي توصيفاً لهذا الشغف لقلنا أنَّ أصحاب هذه الرؤية المؤثرة والحاسمة في السياسات الأميركية العليا، أرادوا لإسرائيل أن تؤلِّف نقطة جيو ـ استراتيجية شديدة الحساسية في الدائرة الكبرى للأمن القومي الأميركي. وثمة من الأمثلة الدالَّة على هذه الرؤية الكثير. ومن الشواهد المتأخرة أنه في العاشر من تموز (يوليو)2002 بادر ريتشارد بيرل الذي استقال من منصبه المهم في وزارة  الدفاع في خلال الحرب على العراق، إلى دعوة أحد دعاة المعنى الإسرائيلي لأميركا المدعو لوران مورافيك لإلقاء محاضرة أماممجلس سياسة الدفاع أثارت يومها روع هنري كيسينجر (تصوَّروا).. حين عمد المحاضر إلى نعت السعودية بأنها جوهر الشر والمحرك الأول له، وأكثر الأعداء خطراً.. واعتبر مورافيك أنَّ على واشنطن توجيه إنذار للسعودية بموجبمحاكمة الضالعين في الإرهاب أو عزلهم، بمن فيهم رجال المخابرات السعوديين، مع إنهاء كل الحملات ضد إسرائيل، وإلاَّ فإننا سنغزو بلادكم ونصادر حقول نفطكم ونحتلّ مكّة. وفي ختام محاضرته قدَّم مورافيك تصوّره لـالاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط”. وجاءت حصيلته مطالعته العصماء بهذه المعادلة: العراق محور تكتيكي، والسعودية محور استراتيجي، ومصر هي الجائزة. ولكن التسريبات عن هذا التقرير لم تشر إلى أنَّ أيّاً من الحاضرين طرح السؤال عن ردَّة فعل المسلمين إذا دخلت الجيوش الأميركية إلى الأراضي المقدَّسة. ولعل ماتريده النزعة الاسرائيلية لدى المحافظين الجدد ـ على ما يلاحظ باتريك بوكانان في كثير من المرارة ـ هو تجنيد الدم الأميركي لجعل العالم أكثر أماناً بالنسبة لإسرائيل. إنَّهم يريدون فرض سلام السيف على المسلمين، وأن يموت الجنود الأميركيون في أثناء ذلك إذا لزم الأمر.( 2)

حمايـة مملكـة يهودا

في العام 1996 سيخطو التيار المتصهين في الفكر السياسي الأميركي خطوة استثنائية. فقد أعدت مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة الأميركية تقريراً بعنوان:” استراتيجيا جديدة لإسرائيل في العام 2000 وتنبثق الأفكار الأساسية للتقرير من نقاش شارك فيه صانعو رأي بارزون، بمن فيهم ريتشارد بيرل، وجايمس كولبرت، وتشارلز فيربانكس، ودوغلاس فايث، وروبرت لوينبرغ،  ديفيد ورهسر وغيرهم. المهم أنَّ المهندس الأساسي للتقرير هو ريتشارد بيرل، مساعد السيناتور سكوب جونسون في ذلك الوقت، علماً أنَّ هذا الأخير كان في العام 1970 خضع لاستجواب حول تسريب أشرطة تحمل معلومات سرية إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطن. وفي العام 1974 كتب ستيفن د.اسحق فيالسياسات اليهودية والأميركية أنَّ بيرل وموريس زميتاي يقودان جيشاً صغيراً من أنصار السامية في كابيتول هيل، ومهمتهم توظيف القوى اليهودية وتوجيهها لتحقيق المصالح اليهودية. وفي العام 1983 شارع في الصحف والأوساط الإعلامية الأميركية أن بيرل نال مبلغاً كبيراً من مصنع سلاح إسرائيلي.

وتحت عنوانانطلاقة نظيفة: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة قُدِّم التقرير المشار إليه إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو. وفيما يحثّ هؤلاءنتنياهو على دفن اتفاقيات أوسلو التي كان أنجزها زعيمالعمل الراحل اسحق رابين، بهدف اعتماد استراتيجية جديدة أكثر شراسة: “تستطيع إسرائيل تشكيل محيطها الاستراتيجي، بالتعاون مع تركيا والأردن، عبر إضعاف سوريا واحتوائها، أو حتى دحرها. ويمكن تركيز الجهد على إطاحة صدام حسين في العراق. وهو هدف استراتيجي بالنسبة لإسرائيل وذلك من أجل إحباط الطموح السوري في المنطقة. ومؤخّراً تحدّى الأردن الطموح السوري عبر طرحه عودة العرش الهاشمي إلى العراق”. وفي كل الأحوال تبقى سوريا في استراتيجية بيرل ورفاقه هي العدو بالنسبة لإسرائيل، ولكن طريق دمشق تمر في بغداد. وإذا كانت الخطة تشجع إسرائيل على اعتمادمبدأ الاستباق، فإنَّ المبدأ عينه بات الآن مفروضاً على الولايات المتحدة بواسطة المجموعة عينها. وفي العام 1997 قال بيرل في ورقة وضعها تحت عنوان استراتيجية من أجل إسرائيل إنَّ على تل أبيب إعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.. حتى لو جاء الثمن بالدم مرتفعاً”. من جانبه وضع ورمسر خطط حرب مشتركة لإسرائيل والولايات المتحدةلتوجيه ضربة حاسمة إلى مراكز الأصولية في الشرق الأوسط. ويجب على إسرائيل والولايات المتحدة التوسُّع في الضربة بما يتجاوز مجرد نزع السلاح إلى القضاء الكلي على مراكز الأصولية في أنظمة دمشق وبغداد وطرابلس وطهران وغزة. وسيكون من شأن ذلك تكوين قناعة شاملة بأنَّ محاربة الولايات المتحدة أو إسرائيل هو انتحار”. وهو دعا البلدين إلى الانتباه للأزمات معتبراً أنَّهاقد تكون فرصاً”. وقد نشر ورمسر خططه المذكورة في أول كانون الثاني (يناير) من العام 2001، أي قبل تسعة أشهر من الـ11 من أيلول (سبتمبر) 2001.

ولقد كان للكاتب مايكل ليند أن يتحدث عن عصبة بيرل، فايث، ورمسر بقوله:” إنَّ اليمين الصهيوني الذي ينتمي إليه بيرل وفايث وعلى الرغم من قلَّته العددية، فإنَّه يتمتع بنفوذ كبير في دوائر صنع القرار مع الجمهوريين. إنها ظاهرة تعود إلى السبعينات والثمانينات حين عمد عدد من المفكِّرين اليهود الديمقراطيين إلى الالتحاق بتحالف ريغان. وإذا كان العديد من هؤلاء الصقور يتحدثون علناً عن حملات صليبية من أجل الديمقراطية، فإنَّ الهمّ الأساسي لدى عدد من المحافظين الجدد هو السلطة وسمعة إسرائيل.( 3)

هواميش

1- باتريك بوكان
-  
برنامج المحافظين الجدد- “المستقبل البيروتية- (الجمعة 11 نيسان (ابريل 2003.

2- باتريك بوكانان
-  
المصدر نفسه.

3-  المصدر نفسه.