العدد الثالث والثلاثون - آيار

مؤتمر تجديد الفكر القومي

صبحي غندور
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

بدعوة من الدكتورة نجاح العطار ، نائب رئيس الجمهورية العربية السورية ،عقد في دمشق بين 15 و 20 نيسان مؤتمر تجديد الفكر القومي والمصير العربي شارك فيه عدد كبير من رجال الفكر والثقافة والاعلام من مختلف الاقطار العربية .عقدت 15 جلسة تناولت الوحدة العربية ،الهوية ،الدولة
-  الامة والديمقراطية والارهاب ،الثقافة ،والصراع العربي الاسرائيلي ،الاعلام والعرب الى اين ؟ اضافة الى مواضيع اخرى .

تميزت المحاضرات بالجدية والجرأة وغابت عنها مسائل اساسية في عملية التجديد اهمها دور الشباب والمرأة والاجيال الجديدة بالاضافة الى الدراسات الميدانية لفهم الواقع العربي ،لكن البيان الختامي اكد على اهمية المبادرة لتجديد الفكر العربي ودعى الى تحويل المؤتمر الى مؤسسة دائمة تنعقد سنويا من اجل معالجة المسائل بعمق وجدية ، وهنا ننشر بعض الدراسات التي قدمت في المؤتمر حول تجديد الفكر القومي . واذا مجلة تحولا ت ترحب بهذه المبادرة وتفتح من خلالها الباب لمناقشة هذه المسالة .

 

أيُّ تجديد؟ أيُّ فكر؟ أيَّةُ قوميّة؟

صبحي غندور*

 

ما أهمّية الحديث عن العروبة وعن تجديد الفكر القومي في هذه المرحلة؟ وما علاقة هذا الموضوع في تطوّرات خطيرة تشهدها المنطقة العربية؟ ثمّ أليس ذلك نوعاً من الرفاهية الفكرية بأن يهتمّ المفكّرون والباحثون في قضية الفكر القومي بينما غدا هذا الموضوع بنظر البعض من التراث المنفصل عن الحاضر وتداعياته؟!

هذه التساؤلات أحاطت بلا شك في مؤتمر دمشق الأخير حول تجديد الفكر القومي، لكنّها تساؤلات تنمّ عن جهلٍ كبير بما يحدث حالياً في أوطان الأمّة وبعلاقة ما يحدث مع مسألتيْ الوطنية والهويّة القومية.

فظاهرة الانقسامات الطائفية والإثنية التي تعيشها بعض البلدان العربية هي تعبير عن عمق مشكلة غياب الفهم الصحيح للدين وللهويّة الوطنية والقومية، وبالتالي فإنّ أي جهد لمعالجة هذه المعضلة يمثّل جهداً هاماً بتناوله لقضية معاصرة عنوانها كيفيّة المحافظة على الهويّة الوطنية الواحدة المشتركة في مقابل محاولات الفرز الطائفي والمذهبي والإثني داخل الأوطان العربية، وفي مواجهة السعي الأميركي/الإسرائيلي لاستبدال الهوية العربية المشتركة بهويّات شرق أوسطية مختلفة الأشكال والألوان لكنّها تسعى جميعها لإسقاط الهويّة العربية ولتعميم الحالة الإسرائيلية على العرب كلّهم.

لقد بادرت الدكتورة نجاح العطار، نائب رئيس الجمهورية العربية السورية والوزيرة السابقة للثقافة، إلى الدعوة لمؤتمر تجديد الفكر القومي والمصير العربي الذي انعقد في العاصمة السورية بين 15 و20 نيسان/أبريل، بحضور عدد كبير من المفكّرين والكتّاب العرب.

لكن رغم أهميّة المؤتمر من حيث مكان انعقاده في دمشق، وهي عاصمة الثقافة العربية لهذا العام، ومن حيث زمان حدوثه بعد مؤتمر القمّة العربية التي تتولّى الآن سوريا مسؤوليتها لمدّة عام، فإنّ عنوان وموضوعات الجلسات مزجا بين الجانب الفكري (تجديد الفكر القومي) وبين قضايا سياسية عديدة تعيشها الآن الأمّة العربية، وهو أمر انعكس في المناقشات وفي أوراق العمل بطغيان الجانب السياسي على ما يُفترَض أن يكون محور المؤتمر، أي القضية الفكرية المرتبطة بتجديد الفكر القومي.

ورغم حُسن الإعداد والضيافة والأمور التنظيمية والإدارية للمؤتمر، فقد كان هناك غياب ملحوظ لمن هم دون سن الخمسين، بل كان معدّل أعمار المشتركين يتجاوز الستين عاماً ممّا جعلني أتساءل عن إمكانية اعتبار مؤتمر كهذا معنيّ بتجديد الفكر، بأن يكون مجلساً للخبراء لكن لمشاركين فعّالين من أعمار معنيّة أكثر بالحاضر، ومسؤولة كلّياً عن المستقبل، وهم جيل الشباب العربي الجديد.

لقد سرِرتُ في هذا المؤتمر بأجواء التفاعل الفكري الإيجابي الذي حدث بين بعض المشاركين، وفي التجاوب الذي حدث مع جملة طروحات عرضتها في سياق المؤتمر وتتعلّق بالفرق بين الأصول العربية والعروبة والقومية والدعوة للوحدة.

 

وكان من أبرز النقاط التي أثرتُها سواء في المداخلات الشفهية أو الأوراق المطبوعة:

1 - حاجة المؤتمرات الفكرية العربية إلى تخصيص جلسة تمهيدية تتعامل مع مسألة المفاهيم والمصطلحات، إذ يتوسّع النقاش أحياناً وتسود الخلافات في الرأي نتيجة عدم الانطلاق من فهم مشترك لمصطلحات معيّنة كتعابير العلمانية والمنهج والقومية والهوية، والفرق بين الإسلام كدين عبادة للمسلمين والإسلام كدين حضارة لجميع العرب والناس.

 

2- كان من الأفضل لو تعامل المؤتمر مع قضية تجديد الفكر العربي لا الفكر القومي، إذ أنّ هناك فكراً عربياً وليس فكراً قومياً. فالقومية نفسها هي فكرة لكن لا يوجد هناك فكر قومي واحد.

إنّ القومية هي تعبير يرتبط بمسألة الهويّة لجماعات وأوطان وأمم، وهي تحمل سمات ومضامين ثقافية تميّز جماعة أو أمّة عن أخرى، لكنّها (أي القومية) لا تعني نهجاً سياسياً أو نظاماً للحكم أو مضموناً عَقَديّاً/إيديولوجياً. لذلك من الخطأ الحديث عن فكر قومي مقابل فكر ديني، بل يمكن القول فكر علماني وفكر ديني تماماً كالمقابلة بين فكر محافظ وفكر ليبرالي، وفكر اشتراكي مقابل فكر رأسمالي.. وكلّها عناوين لمسائل ترتبط بنمط فكري وسياسي تصلح الدعوة إليه في أي بلد أو أمّة، في حين يجب أن يختصّ تعبير الفكر القومي فقط بمسألة الهويّة كإطار أو كوعاء ثقافي. ولذلك أيضاً، يكون تعبير العروبة هو الأدقّ والأشمل حينما يتمّ الحديث عن القومية العربية حتى لا تختلط مسألة الهوية الثقافية المشتركة بين العرب مع قضايا المناهج والإيديولوجيات المتنوعة داخل الفكر العربي ووسط المفكّرين العرب.

3- الأمّة العربية يحضر فيها الآن الاحتلال والتدخّل الأجنبي كما تحضر فيها مقاومة هذا الاحتلال والتدخّل، لكن في ظلّ غياب واضح للعمل العربي المشترك وللديمقراطية السليمة في الأوطان. لذلك تصبح ثلاثية شعارات التحرّر والديمقراطية والهويّة العربية ثلاثية ضرورية يُكمل كل ضلعٍ منها الضلع الآخر. فبديل الاحتلال لا يجب أن يكون حروباً أهلية أو انقسامات وطنية أو انسلاخاً عن الهويّة العربية.

فصحيح أنّ المشروع الأميركي الذي تحمله إدارة بوش هو في حالة انحسار، وبأنّ المشروع الإسرائيلي عموماً هو في حال انكسار، لكن لم نصل بعد إلى حدّ اعتبار أنّ هناك مشروعاً عربياً هو في حال الانتصار.

فالمقاومة هي نهج عسكري وسياسي يواجه الاحتلال، لكن مشاريع ما بعد التحرير ما زالت غامضة ولا ترتبط حكماً بهويات وطنية ديمقراطية واحدة وبهويّة عربية مشتركة.

 

4- إنّ التجديد في الفكر العربي يجب أن ينطلق من حسم فهم العروبة أنّها هي اللغة العربية والثقافة العربية التي كانت موجودة قبل ظهور الدعوة الإسلامية، لكنّها (أي العروبة) انتقلت بفعل الإسلام الذي جاء قرآنه الكريم باللغة العربية إلى هوية ثقافية حضارية أخرجت الهوية العربية من دائرة العنصر والعرق والقبلية إلى آفاق الانتماء الثقافي الحضاري الذي أوجده الإسلام لدى العرب الأوائل ثمّ ساهم في صنعه ونشره مسلمون ومسيحيون عرب، ومسلمون من غير العرب.

وبهذا تكون العروبة هي هوية ثقافية استقطابية شاملة لكلّ العرب، وليست رمزاً لأفكار وممارسات سياسية أساء بعضها لفكرة العروبة نفسها.

 

* مدير مركز الحوار العربي في واشنطن

الديمقراطية والمواطنة في الوعي القومي

التعددية والمواطنة المبتورة

عندما كان آباء الفكر القومي العربي الكلاسيكي يفتشون في مطالع القرن ما قبل الماضي، ومن داخل مجتمعاتهم المستعمرة والمتخلفة عن جواب لسؤال الديمقراطية، وينغمسون بكل الوسائل المتاحة في النضال الوطني التحرري، فقد وجدوا أنفسهم - وهم يعيدون استلهام التاريخ الثقافي بطريقة منتظمة - إن الإصلاحيين الإسلاميين المنبهرين بالتفوق الأوروبي، مثل الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورفاعة رافع الطهطاوي وسواهم، كانوا قد سبقوهم إلى اكتشاف ان الأمة تختزن في تاريخها وموروثها الثقافي مفهوماً بديلاً لمفهوم الغرب الاستعماري عن الديمقراطية. كانت الامبرياليات الأوروبية (الانجليزية والفرنسية والايطالية) تشرع في هذا الوقت، بالتغلغل متعدد الجوانب، وتبدأ في عمل منهجي لتقويض الخلافة العثمانية، ثم لتفرض سيطرتها المباشرة على أجزاء واسعة من الشرق العربي، فضلاً عن معظم البلدان العربية في شمال أفريقيا. وفي هذا الوقت أيضاً، كانت أفكار الحداثة تتدفق نحو المنطقة مع الجيوش كالطوفان. وبطبيعة الحال، بدا سؤال الديمقراطية محيراً، لأنه تلازم مع نوع مثير من السجال ضد الغرب، سرعان ما طغى في أجواء العالم العربي المستعمر (وشبه المستعمر) مؤداه النهائي، أن الغرب لا يمكن أن يكون ديمقراطياً واستعمارياً في الآن ذاته. وباستخدام منطق الأفغاني فقد تمثلت أوروبا في صورة استعمار، وكل (استعمار، لغة واصطلاحات، مصدراً واشتقاقاً، لا أراه إلا من قبيل أسماء الأضداد، وهو اقرب إلى الخراب والتخريب والى استرقاق واستعباد منه إلى العمارة والعمران. ان الاستعمار الصحيح ومبناه الصريح هو تسلط شعوب أقوياء علماً على شعوب ضعيفة جهلاء). في هذه الأجواء التي كان فيها الصراع ضد الغرب يختلط بالانبهار الفكري بالتقدم العلمي لأوروبا، اختمر مصطلح الشورى التراثس - الإسلامي كمصطلح بديل عن الديمقراطية المشتبه بأغراضها. فكان أمرا منطقياً مع هذا الاكتشاف، أن يواصل المفكرون العرب تالياً، اكتشاف المزيد من المفاهيم البديلة أو الموازية. ولذلك شاعت منذئذ في الفكر القومي العربي الكلاسيكي وبطريقة شديدة التلقائية، مفاهيم كثيرة مستمدة في الغالب من النصوص القرآنية والفقهية، مثل مفهوم العامة، والناس، والرعية بديلاً من مفاهيم الشعب والجماهير والمواطنين . لكن، وبعد زهاء قرن كامل أو أكثر من السجال ضد ديمقراطية الغرب لم يصمد أي من المفاهيم البديلة، كما لم تتحقق الغاية المرجوة من توظيف المفاهيم التراثية الموازية، فكان أمراً منطقياً كذلك، إن يلجأ جيل جديد من القوميين وان على مضض، إلى استخدام المفاهيم الغربية والتخلي عن البدائل المقترحة. ومع ذلك، ظلت المشكلة الجوهرية في السجال حول الديمقراطية الذي خاضه الآباء الروحيون، ثم الأجيال التالية من القوميين، اكبر بكثير من مشكلة مفاهيم تراثية أو مصطلحات بديلة. لقد كان مفهوم الديمقراطية كما عرضته التجربة الغربية، يتبدى كمفهوم رديف في الدلالة لمفهوم الاستعمار، ذلك أن التجربة، والديمقراطية الغربية نفسها، ومنظوراً إليها من منظار الحملات الحربية التي انتهت بإسقاط دولة الخلافة العثمانية، ثم سقوط العالم العربي بأسره تحت الاحتلال، تبدت يومئذ كتجربة استعمارية خالصة. لقد كانت فكرة الديمقراطية كما تلقاها العرب في مطالع القرن ما قبل الماضي، تختلط بتصوراتهم عن التجربة الاستعمارية، والى الدرجة التي غدت فيها أي محاولة لتفكيك المفاهيم، أمراً متعذراً بصورة مطّردة (كأن يقال مثلاً كيف تصبح بريطانيا ديمقراطية في مجتمعها، فيما هي بريطانيا استعمارية في مجتمعنا؟). ولأن المشكلة كانت تتكشّف مع الوقت كمشكلة فكرية وسياسية وأخلاقية، بأكثر مما هي مشكلة مصطلحات، فقد تبيّن أن تخطي معضلة المصطلح الفكري أو السياسي، يتطلب تخطياً من نوع موازٍ، يساهم في تقديم حل جذري لمفهوم المواطنة، وليس الاكتفاء باستبداله بمفهوم تراثي أو ديني - فقهي. وفي هذا الإطار، وجد آباء الفكر القومي العربي ثم الأجيال التالية، أن تقديم جواب صحيح لسؤال الديمقراطية، يستدعي بلورة مفهوم المواطنة وتخليصه من الظلال التراثية التي طبعته خلال حقبة ما يدعى في أدبياتنا المعاصرة بعصر النهضة ثم خلال مراحل النضال الوطني التحرري. وتكمن المفارقة كما ارتأى احد المفكرين في أن مفهوم الشورى الذي اقتبسه رواد النهضة (الكواكبي في سورية والطهطاوي في مصر) لم تكن له البتة أدنى صلة بمفهوم الديمقراطية، لأن منطق الاقتباس كان قائماً على مواجهة التنازع الناشب يومئذ بين شرعيتين، تاريخية (الخلافة الإسلامية العثمانية) والشرعية الجديدة العالمية (التفوق الأوروبي). لكن، وفي وقت تال ومع انتصار حركات التحرر الوطني، وصعود النخب القومية في حقبة الاستقلال إلى السلطة، حدث تطور لافت في طريقة استخدام المصطلحات البديلة، وذلك حين رعت أنظمة الحكم عملية استخدام واسعة النطاق لمفهوم الشورى التراثي. والمثير للاهتمام، أن أنظمة القومية العربية وطوال حقبة الاستقلال الوطني، استخدمت إطاراً دعائياً فعّالاً لترويج نوع من الخلط في المفاهيم (الغربية الاستعمارية كما نظر إليها العرب مطالع، فبمان ما قبل الماضي والمفاهيم العربية البديلة) فكان أمرا مألوفاً رؤية مصطلح تراثي مثل الشورى وقد تعايش مع مصطلح غربي مثل الديمقراطية. وبدا أن بعض هذه المصطلحات كانت توظف لأغراض محدودة، وكما لو كانت تتضمن الدلالة القديمة (فكلمات مثل الرعية جرى بانتظام دمجها بمفهوم المواطنة واستخدامها لتوليد مفهوم موازٍ هو: البيعة، فبما أن الجماهير هي رعية فان عليها أن تبايع الراعي). وكان أكثر ما يثير الدهشة في الطريقة التي تم فيها توظيف هذه المصطلحات، أن أنظمة القومية العربية في حقبة الاستقلال، استنبطت مفهوم الرعية للدلالة على واجب المواطنين حيال الراعي أي الحاكم، وليس للدلالة على حقوقهم.

وبالطبع، فما من امة من الأمم، وخلال سنوات النضال ضد الغزو الخارجي، الا ولجأت الى خزّانه وربما القديم من اجل تطوير اشكال مقاومتها للفيض الثقافي الذي تجلبه السيطرة العسكرية عادة. ولذلك، يبدو عزوف الرعيل الأول من ايديولوجيي القومية العربية عن استخدام مصطلحات الغرب وربما مقاومتها بضراوة في احيان كثيرة، امراً، مفهوماً ومقبولاً ويحظى بنوع من الشعبية في بعض الأوساط المتشككة من نوايا الغرب في المجتمع. كما سيبدو سلوك هؤلاء، المتحفّظ والشكّاك ايضاً حيال طبيعة هذه المفاهيم المشتبهة اصلاً بطبيعتها المغرضة، أمراً مألوفاً كذلك في التاريخ التحرري لسائر المجتمعات غير العربية. ولذلك واجه الفكر القومي العربي في حقبة ما بعد الاستقلال الوطني (وصعود النخب القومية الى السلطة) التحدي القديم نفسه، وهذه المرة متمثلاً في معضلة التخلي عن معالجة مشكلة المصطلح الى الشروع في تطبيق المفاهيم البديلة عوضاً عن الانغماس في النقاش حول المصطلح نفسه. وحين شرعت انظمة القومية العربية في تطبيق مفهومها (مصطلحها الخاص للديمقراطية) وسعت الى انشاء مجالس شورى مسيطراً عليها، اكتشفت مجتعاتنا، انها فشلت مرتين، مرة حين اخفقت في تحقيق التواصل التاريخي مع تراث الشورى الديمقراطي بالفعل، ومرة حين ابتعدت بمسافة هائلة عن مفهوم الديمقراطية الغربي. وفي خاتمة المطاف وبعد سنوات طويلة من السير على طريق تطبيق مفهوم عربي للديمقراطية لم تحقق مجتمعاتنا لا نظام الشورى القديم (بروحه الديمقراطية) ولا نظام الديمقراطية الغربي الحديث.

لقد تجاذبت الفكر القومي الحديث تجربتان كبيرتان في تطبيق مفهوم الديمقراطية: الديمقراطية الغربية الحديثة (الولايات المتحدة الأميركية واوروبا) والتجربة الروسية (وما كان يعرف بمنظومة البلدان الاشتراكية في شرق اوروبا). ارتبطت الأولى بعصر الاستعمار الأوروبي، فيما ارتبطت الثانية بعصر التحرر الوطني والاستقلال. ويبدو ان مادة السجال ضد الديمقراطية الغربية التي نشاهدها اليوم في الأدبيات القومية العربية، مستمدة بالكامل وفي الآن ذاته، من تراث النضال الوطني ضد الاستعمار، ومن تراث النقد الماركسي السوفيتي (والأوروبي الشرقي الاشتراكي) للديمقراطية الغربية. ان التأمل في تاريخ هذا السجال، يمكن ان يكشف عن مفارقة مذهلة، فالسجال ضد الديمقراطية الغربية غالباً ما يترافق مع انبهار نظري لا حدود له بالديمقراطية الأثينية، وفي الآن ذاته مع نقد مبطن للديمقراطية المركزية السوفيتية. ومصدر المفارقة يكمن هنا: ان التجربة الروسية (مع ثورة 1917 ثم ظهور نظام السوفيتات) كانت تستخدم لغرض وظيفي محدود هو معارضة النموذج الديمقراطي الغربي، وفضح عيوبه، بينما كان الانبهار بالنموذج اليوناني القديم، يؤدي على العكس من ذلك غرضاً وظيفياً غير محدود، لأنه كان يكرس حقيقة ان الديمقراطية الغربية كانت هي الوريث الوحيد لهذا النموذج، وهي امتداده او استطراده المتأخر. ويبدو من المعالجات النظرية التي قدمها الفكر القومي العربي طوال العقود الخمس الماضية (منذ ثورة تموز/ يوليو 1952 في مصر) لمسألة الديمقراطية، ان سؤال الديمقراطية ظل محيراً كما كان منذ مطالع القرن ما قبل الماضي، وان هذا المفهوم كان مقبولاً كمفهوم تجريدي (مطلق) وغير متعين في تجربة بذاتها. ولذلك لا يزال السؤال مثاراً بالصياغة القديمة نفسها: هل تصلح الديمقراطية الغربية لمجتعاتنا؟ وهل مجتمعاتنا مهيأة بالفعل لتجربة الديمقراطية؟