العدد الثالث والثلاثون - آيار

هلوسات نملة

د. عفيف عثمان
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

 

وقَرَ في ذهننا أنَّ نَسْل السوريالية قد انقطع من بلادنا. وإذ بالنملة (أنجلو/ الشاعر) لا تحلم كما سائر خلق الله، بل تهلوس. وترى إلى الجثث والموت والحطام، وهي إلى ذلك علامات عصرنا وراياته الخفاقة في الجهات الأربع. وأنجلو في حمأة هذا العالم المضطرب يريد أن يستعيد المعنى ويعيد إليه ألقهُ من العميان بين العميان، ومن آياته التفلت من أي سلطة لذلك... لن أحكم، / محكوماً لن أكون!، والتماهي مع الأرض شاهِدته. فالشاعر هو جبل حرمون في طهره، وهو ضياؤه وهو الأذن تنصت إلى الكلمة الجميلة التي تشبه البشارة. وفي ظل أشجار التين والزيتون الرطبة ينتظر إلهاً يجيد الرقص، إذ بالرقص يصير الإنسان إلهاً، هكذا قالت مريم!.

مسكون أنجلو بنيتشه، الفيلسوف، ومثله يريد العود على بدء، وترتيب العالم على مزاجه، فلا يكون إلا

إمرأة ورجل:

سريرومائدة أي ذاك الذي صنع عظمة روما.

يفيض أنجلو شبقاً وتتحول معه الساق التي تعلو إلى مطرقة تهز العالم.

ورغم سنونه النضرة مثقل هذا الشاعر بالغياب والتيه، يناديه النوم وفي يقظته ترتسم نينوى وأوروك وخيبة من العالم، ترد عليها النملة على ضآلتها بالهلوسة ... وبالفلسفة.

أ. عاطف الحكيم

حين تقرأ هلوسات نملة تتصوّر الكاتب رجلاً في السبعين من العمر، عركته الأيام، وخبرته الحوادث.

وحين تتعرف إلى أنجلو ألبعيني سرعان ما تغمرك الدهشة، فهو شاب يافع. وسرعان ما تتساءل متى قرأ المكتبات؟ متى سبر أغوار الكتب؟ ومتى عارك الأيام؟ ومتى خبر الحوادث؟

هلوسات نملة تشق درباً وتتخذ مسيراً، فهل نحن على عتبة كلمة جديدة؟

لم نخرج من ثورة الشعر النثري بعد، فكيف ندخل في ثورة جديدة؟

لقد اقتحم النثر الرويّ والقافية. دفاعات شعر العروض. وها هو شعر الكلمة يهبّ ثائراً ويقتحم دفاعات العروض والنثر معاً، فهل سينتصر شعر الكلمة؟ هل سيحتل مكاناً تحت الشمس؟

لم يختصر بعيني إلا لأن الزمن عصيب والأمة تنزف، وما من فسحة للإطالة والإطناب. وأسوة باختصاره نختصر.

من مفارقات الزمن، قد بدأ إله الشياطين ينشر شياطينه بين الناس، فوق صهوات النمل.

 

 

هوامش حول الهلوسات

أنجلو البعيني -

 

لأنّا لم نُجدَل على نَظْمٍ، ننبثق صوراً، من دون شكل، على وقع من حوادث؛ نستأنف الوجود بفسحة ما بين الأنا والبَين - ذاته.

..

صغارٌ نحن في حضرة الممكن (البَين - ذاته)، ووَطْؤه مستحيل؛ لذا نعيش في خطر!

..

 

الشِعرُ لا يحتاج إلى موسيقى بل إلى زمن؛ هذا ما يجهله كثيرون!

..

يبحث الزمن عن أفـق لا يُدْرِكه صاحب الإصبع المبتور!

..

وحدها الكلمة، لحظة النفي، أفق الصورة.

..

الصورة لا تخون نفسها؛ القارئ يخون فاطنها!

..

في رؤوسنا كلماتٌ تنتظر عَودة التراب. الصورة لم تكتمل بعد!

..

مُرتَجِفاً بالعقول، امتداد الأرض حتى غور المعنى، يمارس انتحاره...

..

يأتي يوم يتعب فيه الفِكْر من نفسه، من بَهاء الطاووس المغرور.

..

الشِعرُ صفعة للجاذبيّة المفرِطة إنسانيّة!

..

لنهلوس ...