العدد الثالث والثلاثون - آيار

جواد الأسدي لتحولات: المسرح خلاص للوطن من فخ العنصرية والطائفية

ابواب بيروت مشرّعة لاستقبال عروض فنية مهمة
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

حاورته جوانا الحلبي

 

من بين عدة مدن اختار بيروت لتكون مركزاً ينقل عبره الثقافة العربية والعالمية وانواعاً من الفنون، من خلال مسرح سرعان ما اصبح مقراً للمثقفين وهواة الفنون الجميلة من رسم وغناء ملتزم، ومسرح.

جواد الأسدي الذي يعتبر ان باستطاعة الفن ان يقف في وجه انزلاق المدينة واحباطها انشأ مسرح بابل في شارع من شوارع مدينة زارها واحبها ولن يغادرها لمجرد التجاذبات السياسية الحاصلة فيها. تحولات التقت جواد الأسدي واجرت معه هذا الحوار...

 

ما الذي جعلك تستقر في لبنان وتقيم مسرح بابل هنا ؟

 

المهم هنا ان المميزات متعددة، فمن الجانب الحياتي اللبناني انا اتيت الى لبنان من قبل واقمت عروضاً مسرحية في مسرح بيروت في عين المريسة، واختبرت فكرة العلاقة بيني وبين الناس، الأدباء والفنانين من جهة والشارع والناس والحياة الطبيعية اليومية من جهة اخرى، وشعرت بالشغف القوي للثقافة الموجودة في بيروت والاقبال الملفت والاستثنائي لهذا النوع من الأعمال، ليس اقبالاً للمجاملة السياحية كوني عراقي، بل شعرت ان ابواب المدينة مشرعة لاستقبال عروض فنية مهمة.

 وفي الوقت نفسه إن وضع الفنان في منطقة للحوار والجدل والانسجام والمحبة كله يخلق مناخ رائع ولذيذ وعذب وهذا ما وجدته ايضاً في لبنان.

 

هل لاحظت تعددية ثقافية لدى الشعب اللبناني؟

 

هناك تعددية ثقافية واضحة وزوايا مختلفة من وجهات النظر، كذلك فالدرجات متفاوتة بالنظرة الى العمل الفني وهذا ما يكسبه اهمية كبيرة من خلال الجدل والحوار، سواء على صفحات المجلات او في المقاهي مع المثقفين او حتى مع الناس خلف الكواليس، ما لاحظته في لبنان ولم اره في اماكن اخرى هو ان الناس لا يأتون الى المسرح فقط لمشاهدة العمل المسرحي والخروج بعد انتهاء العرض، بل ينتظرون الممثلين لمناقشة العمل، وهذا ما حصل عندما قدمنا مسرحية الاغتصاب لسعد الله ونّوس، مع مجموعة كبيرة من الممثلين السوريين، بقي الجمهور في المسرح وحاور الممثلين لفترة طويلة حول العمل. هذه الفكرة مهمة جداً لحياة الفنان اذ يشعر عندها ان عمله لم يضيع ولم يذهب سدى وهذا يحمّسك للقيام بالمزيد من الأعمال.

 

مسرح بابل افتتح في وقت حَرِج سياسياً، ألم تؤثر هذه الأوضاع على المسرح؟

 

بالطبع أثّر، فعند عرض مسرحية نساء الساكسوفون التي قدمتها مع ممثلين لبنانيين، كان اقبال الجمهور قوي جداً، وفجأة عند حصول اي اغتيال، كان الجميع يخافون ويعودون الى منازلهم. فينتقل المأزق السياسي الى مأزق ثقافي ومسرحي، هنا بدأت اشعر بالورطة، فالمسرح لا يعيش الا في شارع مدني ومطمئن، بالطبع هناك مسارح تعطيها الحروب معاني مميزة لكن بالاجمال ان اقبال الناس المنتظم على المسرح اكثر ما يكون في المدن الآمنة والمستقرة.

هذا الوضع سبب لي مشكلة كبيرة هي مشكلة وجود، فأنا تركت كل المدن واخترت بيروت وعندما تصبح هذه المدينة على حافة الانزلاق الى حيث لا اعلم اكون انا في ورطة.

 

هل تغيرت مدة العقد لمسرح بابل؟

 

مدة العقد 10 سنوات لم يتغير ولن يتغير، فأنا لن اغادر لهذه الأسباب ابداً، لمجرّد ان المدينة تمر بحالة صعبة، على العكس لقد اخذت قراراً انني سأتقاسم معها المر والحلو، الجميل والقبيح وكل شيء.

 

 

هل تعتبر ان مسرح بابل يوصل شيئاً من العراق الى بيروت والدول العربية؟

 

قطعاً، فبرغم وجود المسرح في لبنان، لكنني اريده ان يكون اولاً مسرحاً عربياً واريد بقوة ان تكون الثقافة العراقية حاضرة فيه، اود ان يكون لها حصة على خشبة المسرح، وان يكون هناك هامش للعروض المسرحية والفنون التشكيلية والغناء... التي تجد صعوبات بالغة ان تعرض في بغداد بسبب الوضع المأساوي الذي يعيشه العراقيون.

كما انني اعطي اهمية كبيرة الآن للعلاقة الثقافية بيني وبين دمشق فأنا نشأت هناك كما ان عملي أنتج وأثمر هناك، لذا احاول ان اجد طريقة كي تكون للثقافة اللبنانية والثقافة السورية تشابكات وتلاقيات ونوع من التقاطع الهام على خشبة مسرح بابل.

 

 

ما هي المشاريع المستقبلية للمسرح؟

 

لدينا برنامج سنوي، ولكنه مرهون بالتبدلات التي قد تطرأ في المدينة. ولكن على الأغلب لدينا 3 برامج: اولاً البرنامج المسرحي المتضمن الأعمال المسرحية التي اقوم انا باخراج قسم منها اضافة الى وجود مخرجين عرب من بغداد ودمشق وتونس وغيرها...

الجانب الثاني هو الجانب التشكيلي، لقد قدم جبر علوان معرضه التشكيلي والآن هناك معرض لهاني كرم. ولاحقاً سيقدم الفنان اللبناني محمد شمس الدين معرضه وهكذا، اضافة الى فنانين عراقيين وسوريين مثل صفوان داحول وفنانين آخرين.

اما الجانب الثالث فهو ال Concert او الغناء الرصين ذات القيمة الكبيرة، سيتنوع ال concert  بين الموسيقى فقط واحياناً سيجمع بين الغناء والموسيقى او الرقص والعروض التي تعتمد لغة الجسد، اضافة الى محترفات مسرحية للأطفال والكبار. المسرح يتقاطع مع عدة خطوط فنية لتغذية المديينة ثقافياً.

 

 

هل تلقيت مساعدة من وزارة الثقافة او الاعلام؟

 

وزارة الاعلام بعيدة عن الموضوع، المعنية هي وزارة الثقافة بدرجة كبيرة ولكن بسبب فقر الوزارة وضعف الامكانيات المادية لديها، فهي حتى لا تساعد الفنانين اللبنانيين. لم اتلقّ سوى الدعم المعنوي والتبريك والسعادة بوجودي في لبنان، وهذا امر لمسته، فأغلب الصحافيين الذين كتبوا عن المسرح رحبوا بفكرته وبفكرة وجودي هنا و لكنني حتى لم انجح بتكوين اية علاقة مع اي سبونسور داخل بيروت.

 

 

هل يشكل هذا خطراً على استمرارية المسرح؟

 

طبعاً، انه يشكل خطراً كبيراً، الآن انا اسير باتجاه مشكلة كبيرة، قد يكون السبب سوء تخطيطي المسبق، كان يجب ان يكون عندي اكثر من سبونسور كي يتحمّل معي، لأن مصاريف المسرح والايجار ثقيلة، انا الآن امام منعطف، لن اقفل واغادر انما علي ان اقاتل لبقاء المسرح واستمراره.

 

 

هل تظن ان الأعمال المسرحية لا زالت بألف خير؟

 

من عجائب المصادفات انه كل ما كان الوضع السياسي سيء ومأساوي، والمدينة غارقة في الاحباط، ننظر الى المشهد الثقافي المسرحي فنرى ان حياة المسرح موجودة بقوة.

حالياً مثلاً، هناك كريستين طعمة في مسرح المدينة، وهي برأيي تلعب دوراً مهماً في انارة الجانب الثقافي في المدينة اضافة الى عروض عمر راجح الراقصة على مسرح مونو وغيرهما...

نشعر ان لدى الفنانين والمثقفين رغبة حقيقية للنهوض بالجانب الثقافي، قد يعتبرونه نوع من خلاص او ملاذ او حتى مقاومة كي لا تسقط المدينة في فخ العنصرية والقبلية والطائفية وكل انواع المصائب الحديثة. اصبحنا اليوم امام واجهتين اولهما سياسية محبِطة والثانية واجهة ثقافية تواجه الانزلاق والاحباط محاولة النهوض بالمدينة.

 

كيف كانت الأصداء بعد عرض نساء الساكسوفون في الأردن؟ هل يساهم هذا في انتشار مسرح بابل؟

 

عرضنا المسرحية في عمان، في المهرجان الدولي، ووجدنا درجات تمايز عند المتلقي، ففي نساء الساكسوفون هناك اتجاه نحو كسر التابو الجنسي والجسدي وكسر تابو المحرمات. اللبنانيون اعتادوا على رؤية هذا النوع من الأعمال، ولديهم رحابة لقبول هذه الأفكار، وهذا من الصعب ايجاده في مدن اخرى. واجهتنا في عمان تفاوتات في رؤية العمل، هناك قسم من الجمهور اعتبر ان من الوقاحة تسمية الأشياء بأسمائها الجنسية ورفضوها واعتبرها القسم الثاني جرأة ضخمة ومهمة لمدينة كعمان تحاول ان تنفض عن كتفها غبار التابوات والأصوليات كي تتقدم بضع خطوات.

لم يختلف احد على الجانب الجمالي للمسرحية ولا على قيمة العمل او اهمية الممثلين ولكن الخلاف كان على الكلمات التي اعتبرها انا وقاحة محببة، مهمة وضرورية جداً.

 

هل ستُعرض نساء الساكسوفون من جديد؟

 

هناك احتمال عرضها في مونو وفي دار الأوبرا في الشام واتمال ايضاً لعرضها في اليمن، لم نحدد البرامج بعد ولكن من المؤكد ان المسرحية ستعرض اوروبياً وعربياً.

 

هل تفكر بعرض مسرحيات بغير اللغة العربية على المسرح؟

 

طبعاً، انا ارحب بالفكرة فأنا احب اللغة الانكليزية جداً وهناك جمهور يملك ثقافة فرانكوفونية او انكليزية، وانا احبذ تعدد الثقافات واللغات والمنصات.

 

هل من الممكن اقامة فرقة خاصة بمسرح بابل يوماً ما؟

 

كلا، انه امر مستبعد لأنني افضل ان يكون لكل عرض ممثليه حسب اهمية الدور. من الصعب تأليف فرقة لأنها ستكرر نفسها بطريقة او بأخرى.

 

 

كمخرج، كيف تعمل على الا يمل الجمهور على المسرح؟

 

هذا صعب جداً، فلدينا ساعة مكثفة عليك ان تبقي المتفرّج امامك وتدخله في جدل وحوار واختلاف وتقنعه بالموضوع ومصداقيته. لذا يجب اختيار موضوع مهم، كما يجب ان يكون نوع التمثيل استثنائي وجديد بعيد عن ال clichet والتكرار.

اما ان يكون الممثل جديد او ان لا يكون، لأن علاقتي المسرحية تنتفي معه ؛ ان ما قدمته في نساء الساكسوفون هو مقدمة لعمل قادم مع العديد من الممثلين.

يبدو لي ان العرض يزهر كلما استطاع المخرج ان يصطاد نص جديد وممثلين ذات عطاء وغزارة وفيضان جسدي ومعرفي وانساني وزمني.

لذا انا ازور المعاهد واراقب الممثلين من الجيل الجديد كي انتقي المميزين منهم.

 

 

ما الذ يعرض حالياً على المسرح ؟

 

حالياً، تعرض رحلة حنظلة لشريف عبد النور، بعدها هناك عرض للمغنية اللبنانية تانيا صالح اضافة الى عرض ل عازف ال كلارينات كنان العظمة والكومبوزيتور العراقي المعروف رعد خلف....

اضافة الى سلسلة من العروض الموسيقية والمسرحية....