العدد الثالث والثلاثون - آيار

متعة التلصص على الجسد

عبدالعزيز السويد السعودية
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

ربما احد منا، لا يدرك مراسيل الجسد، أو يتكلم لغة الجسد، وشفرة التخاطب معه، ومفاتيح الحوار بين يديه، جسدنا الذي يحتوينا، يضمنا ساعة الهجير, وفي دامس الرؤية، ويحملنا في اروقة الحياة، جسدنا البض، الغني فينا، هو إعجاز الخالق، وإعمار الذوق، وقدر المخلوق، وصندوقنا اللحمي، وموطن العقل والعضل.

 جسدنا، صديقنا منذ الطفولة، وفي خريف الكهولة، ومحتوى مشاعرنا، وبيت أرواحنا، وسجل حياتنا، واخص خلواتنا، ومبيت سرنا، ومستودع قامتنا، ومقر إقامتنا، ومدار صبوتنا، ومرتع صبانا، وملاذ أنفسنا، ولو إذ تكيفنا، ومسرح ملهاتنا ومأساتنا،وحصن أفراحنا وأتراحنا، هو مناط مزحنا وجدنا، ونقوش أجدادنا، وعليه وقع اسلافنا صفاتهم، هو محضن فصيلة دمنا، ومختبر هندستنا الوراثية، هو بصمتنا، وشفرة حمضنا النووي.

 هو هبة الله لنا، صنعته، وصبغته. بألوانه الطينيه: الوردية، والحمراء، والصفراء، والسمراء والبيضاء، والسوداء، والزرقاء، وكل الوان الطيف في طيتنا الصلصلايه، جسدنا الترابي، معشوق الارض وعاشقها، تأكله الأرض ويأكل منها، وتضمه الأرض ويحبو عليها، ويحنو عليها، ترضعه الأرض ترابها، ويغذيها بدمه وعرقه، يطاؤها ويسجد عليها، يهجرها ويحن اليها، جسدنا، ابن الأرض، وبانئوها، مليكها ومالكها. 

تتكلم أعضائنا فيما بينها، تهمس اليد لليد، والقدم للقدم، والعين للعين، والساق للساق، نختلس النظر إلى اكفنا لحظة الوضوء، فنتأنق بالضياء، ونتذوق دفق الإيمان، وحلاوة التقوى، ونخطف نظرة إلى باطن اليدين، فنتذكر السلام واللقاء، من أخر من سلمناه يدنا، وسلمنا يده، من آخر من ضم يدينا، من أخر من ضغط عليها، ومن لوّح بكفية مودعاً، ومن هز يديه موضحا، وحين نرفع اكف الضراعة، كم كانت ايدينا ملوثة بالآثام والأخطاء، وكم نسمع ترتيل أناملنا، 

 ونسرق لمحة عجلى، هنا وهناك، نتفحص اوضاع الجسد، هل من خدشة هنا، هنا الم قرصة، وهنا بقايا قبلة حانية من قريب، وهنا ترك العناق مع الحبيب ندبة على الطريق المعشوشب، والدروب الناعمه، هنا وهناك، كأنما الجسد صفحات من أوراق، نكتب فيها اليوميات، مواقف الشجن، ومواقف الأنس، ومذكرات الحزن، وتفاصيل الضحكات، وتمر المواقف، ويبقى الجسد، يحكي لنا في الخلوات، كم يدهشنا همس الخلوات، كم ننصت للجسد، كم يسلينا صمته اللغوي، كم يغرينا نحته الفني, وكم يغوينا.

 وفي قاموس الاغتسال، وتحت بند الماء، يبوح الجسد بلغة مشفرة، ينزلق الماء على إطرافنا، مرسلاً ترانيم خاصة، عزف منفرد على القطرات، وقطرات الماء تعبر المسامات، تلهو على سطح الجسد، مرسلة ضحكات وبسمات، يلهو الماء على إطرافنا، يتضاحك مع الصابون، يتسابق مع الرغوة، عابران دروب الرغبة، حتى يسقطان على الأرض، ويبقى من اثر السباق بلورات البلل، ورعشة الجسد.

 أصابعنا، كل أصبع يحاور أصبع، هل أصابك الغيث، إذ الغيث همى، هل زارتك انامل اليد، تدلك مفاصلك، هل ضحكت في وجهك قطرة ماء، هل تنسمت رائحة الصابون المعطر، والشعر فوق منصة الرأس يشدو، زراني مشط الد، سرحني بالكد واليد، والمآقي في محاجر العيون، أغلقت أبوابها، تحاشياً لمرور موكب حاشية الصابون، وطوق الجيد، يفشل في صد القطرات، تهرب منه وجلة إلى باحة الصدر، ليستقر بعضها في وكر السرة، في ساعة الاستحمام، وكنف الاحتشام، كأنما نسارر جسدنا لأول مرة، كأنما نكتشفة لأول وهله، كأنما نقابله ونحس به، ويحس بنا من ادنى لمسة، كأنما نشاهده يتلصص علينا، تطوف اليدان في شوارع الجسد، كأنما الجسد مديتنا، خبيئتنا السرية، وكنزنا المخبوء عن أعين الناس، ونحن نعس ممراته، ونحرس أطرافه، ونجوس خلال دروبه، ونقيل في براعم الشعر, وتحت ظلال الهدب، نقترح انواع اللمس، ونرسم جداول مرور الماء، وذرات الهواء ونربت على الزغب الوليد، لمسة على الخد حانية، ولمسة على الجبين هادئه، ولمسة على عرش القدم، تمر قاسية، وتنفرج الأصابع، استعداداً للقسوة، وتسوق قبضة اليد، على سطح السوق، دفق الماء المتساقط من اعلى كالشلال،

 وفي حوارية التجفيف، تمر المناشف تمتص رحيق الجسد المبلل، تفتش عن مناطق الرطوبة، ترصد المنخفضات، وأي ثكنة بلل، لاتنشف بالتو، يحيط بها الدعك المتصل، حتى تئن المسامات، ويتوب الماء، ويرحل البلل، ونحس ساعتها، أن الجسد يكاد يحلق في الفضاء.

 ومن مفرق الرأس، إلى أخمص القدمين، يتحدث الجسد ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وتتنزل الآيات، تكتظ بالمفردات، إن الجسد اعظم الموسوعات، والمعاجم اللغوية، والقواميس الثرية باللغة، ليست لغة الكلام، بل لغة التلصص على الجسد، من ثقوب المعاني. في قراءة لتضاريس الجسد، لحظة التوحد.

 حوار مع الجسد في ثواني البلل