العدد الثالث والثلاثون - آيار

للراشدين فقط: محاولة للدفاع عن النفس أم هواجس جنسية؟!

يحي جابر: أحلم بوطن عنوانه السلم الأهلي
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

أسماء وهبة

 يحي جابر، شاعر يحمل أكثر من عنوان، مناضل ومقاتل وسياسي وصحافي وعاشق. يكتب بغة شعبية. يستخدم مفردات يقول عنها شعرية ليصف أي شيء يصادفه. إنه المهموم بالوطن والسلم الأهلي والراشدين السياسيين الذين يرون في لبنان وطن نهائي!

 

* تقول أن الطفل هو الراشد الوحيد وعندما يبدأ بالنضوج يبدأ بالخراب. ألا ترى أن هذه المعادلة فيها بعض القسوة حتى تعنون بها ديوانك الجديد للراشدين فقط؟

الطفل الذي أتحدث عنه هو طفل يبقى في حالة سؤال. وهي أسئلة فلسفية بامتياز وعندما ينضج تتحول أسئلته إلى قيم ومعايير لا تتزحزح. وعندما نصل إلى أجوبة خالصة فهذا يعني لي الموت. للراشدين فقط هو عنوان يحمل معنى سياسي. فأنا أعاني ممن يعتبرون نصهم مقدس وهو الراشد الوحيد أما الآخرين فمضللين ويحتاجون إلى وصي عليهم. والراشد السياسي هو الذي يحق له اختيار هذا أو ذاك أي تطبيق مبادىء الديموقراطية التي تعني حرية الإختيار دون أن يفرض علينا نظام معين. والراشد السياسي هو من يرى لبنان وطن نهائي متعدد ويقبل بالآخر ويعلي شأن المواطنية وبناء الدولة. فهناك مشروع مواطنية في لبنان دون أن يكون هناك مواطن. وهناك مشروع دولة دون أن يكون هناك دولة. لذلك أطمح إلى مشروع يجمع بين الدولة والمواطن، فأنا كائن يريد العيش بسلام بعد أن عاصرت ثلاث حروب أهلية و7 حروب زواريب وخمس اجتياحات. وللأسف تدل كل مفرداتنا ولغتنا وأكلنا وسلوكنا الإجتماعي في لبنان على عنف مبطن في داخلنا لأن حياتنا في لبنان هدنات مستمرة بين حروب متتالية. ونحن لم نعرف ثقافة سلم أهلي لأن الجماعات اللبنانية  تربي أبنائها على أن الآخر هو خصم!

 

* تحلم بكتابة كتاب عنوانه: أنا،لبنان،العالم. لماذا؟

إن قناعاتي السياسية واضحة. فلقد كنت شيوعيا ذات يوم ومارست العمل السياسي وكنت مقاتل وآمنت بشعارات منها الصراع الطبقي والعدالة الإجتماعية ثم اكتشفت بعد حين وعيي الوطني المتواضع الذي يرفض ممارسة أساليب القمع والعنصرية وتصنيف حسب درجاتهم الإجتماعية وأرفض الدول الدينية ولا أحب الدخول في سجال أن إسرائيل عدو لأنني أقول دائما أن المقاومة بالحجر كانت أهم من الإنتحار لأن الحجر كان له مدلول ورمزية وقوة كبيرة. وأعتبر أن المقاومة المدنية أجدى من المقاومة المسلحة التي تبدأ من غاندي وتنتهي بمانديلا فالإحتلال الأمريكي في ألمانيا واليابان لم يوقف هذه الدول عن النهضة وأصبحوا دول عظمة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية نفسها أما نحن العرب فلسنا شعوب بل مجموعة من الخرافات التي تستتر خلف الصراع العربي الإسرائلي منعا للإنماء.

 

* تقول أن اللغة هي التي يخلقها الناس ولايصنعها اللغويون فهل كل مفردة يمكن أن تكون شعرية؟

اللغة الشعرية بالنسبة لي هي اللغة الشعبية القريبة من الناس التي يسهل عليهم فهمها لأن اللغة وجدت أصلا لخدمتهم.

* ماذا يعني ان تكتب قصيدة سياسية؟

معظم اعمالي لها علاقة بالسياسة، بشكل مباشر او غير مباشر، فالسياسة هي جزء من حياتنا اليومية.

* هل تعتبر انعكاساً للوضع السائد سواء لغة السياسة او لغة الشارع وهي تفاوتت بين كتاب واخر؟

في الاساس، ليس لدي هاجس اللغة، دائما افكر كيف أكتب لحظة الانفعال وكيف أجد الاخراج الذي يليق بها وما يلائمها، احيانا استخدم مفردات عامية واحيانا فصيحة واخرى اجنبية، بمعنى ما، ليس هناك مفردة ليست شعرية، سواء كانت صوتية من غابات الامازون، او وردت في نشرات الاخبار. اللغة هي التي يخلقها الناس ولا يصنعها اللغويون، كذلك ليس هناك من مقدس بالنسبة اليّ سوى الله. كان الشعر حاضرا ومتداولا قبل ان يأتي الخليل بن احمد الفراهيدي وقبل ان توضع له قواعد وأوزان.

 

* كيف يمكن ان تلخص قاموسك الشعري؟

كتب صديقي يوسف بزي ان قاموسي الشعري هو خليط منوع من اللغة العربية، اذا راقبت الـفايسبوك والتشات، ما هي اللغة المستعملة فيها؟! وسمِّيها ما شئت، لكن في النهاية ستستعمل يوما ما، الامر الآخر هو أن اللغة العربية لم تكن يوما صافية ونقية بل تداخلت مع لغات أخرى من هنا اقول إن قاموسي هو انا، هو حياتي، هو الامور التي اهتم بها، فشارع الحمراء يعني لي مثلما تعني لي نيويورك، في المستوى نفسه تعني لي رام الله مثلما تعني لي بغداد وعائشة بكار. الامر الآخر أن المرأة في حياتي هي التي احبها وهي التي أتمنى قتلها وهي التي اشتاق اليها او اتمنى الا اراها.

* تحمل قصائدك طابع كوديدي الشيء الذي يعتبر غريبا على القصيدة العربية التي تعد جامدة. هل تقصد ذلك؟

لا أقصده ولكن تحمل شخصيتي طابع كوديدي الشيء الذي ينعكس في قصائدي ولا أكباته ولا أعرف لماذا يتجهم معظم الشعراء في قصائدهم، فيكتبون في القصيدة شيئاً ويمارسون شيئا آخر، يقامرون في الليل وتلتقي بهم فيتحدثون عن الاخلاق الحميدة، يمارس بعضهم العبودية ويتحدث عن النبل.  في قصيدتي اكتب واقعي اليومي، اذا تعرضت لاهانة لا مانع من ان اكتبها، واذا ضحكت لا مانع من اكتب عن ضحكتي، على هذا قصيدتي هي فعل انساني. اريد ان اسأل هنا الذين يطلقون الاتهامات، هل بحيرة المصل نكتة ام يتحدث عن مأساة، الامر نفسه في كتاب الزعران!

* كتبت فصلا من رواية ونشرته في احدى الصحف، ما السر في نزوع الشعراء نحو كتابة الرواية؟

الرواية هي حلم الشعراء كلهم، احب المسرح والرواية والشعر. همي اولا واخيرا الكتابة، حصل ان غبت مدة عن الساحة الشعرية، فشعرت كأنني اصبحت خارج الخارطة الثقافية، وشكل اصداري كأني امرأة مطلقة وللراشدين فقط نوعا من عودة البطل عن اعتزاله، عدت الى الساحة بوصفي شاعراً.  كذلك كتبت روايتين وانتظر الفرصة لأتفرغ لهما واصدرهما. يهمني أن اكتب واعبر عن مواقفي، حالياً اكتب قصيدة عنوانها الشعر لا يطعم خبراً لكن الغريب اني امضيت عمري وانا اطعم القصيدة.

* الا تعتبر قصيدتك لبنانية جدا؟

قصيدتي لبنانية بامتياز، سواء في منبتها او في لغتها، فهي متنوعة تنوعا غريبا، فيها من كل شيء سواء في المواقف أوالتعابير. لا اخفي انني اعبر في مواقفي عن كل الامور، لدي نص كتبته عن حرب تموز ولم انشره حتى الآن، انتظر ان تمر موجة البطولات. اريد ان اقول في كتاباتي ان الجميع من الانتماءات والتوجهات كافة يستحقون العيش. كذلك اقول ستبقى بيروت، لو هم او خرافة او فكرة، لن اجد اجمل منها لا نيويورك ولا نيودلهي. لبيروت سمة خاصة للجميع، للضحايا وللقتلة.

* ما الذي تغير في تجربتك الشعرية؟

احضر للطبعة الثانية من ديوان بحيرة المصل لمناسبة مرور عشرين عاما على صدورها عام 1988، نلت جائزة يوسف الخال في لندن، يومها كنت في الرابعة والعشرين من عمري، وهي مرحلة رائعة. الآن اندم في محل ما، اقول انه كان يجب ان اكون اكثر انتاجاً، اتأمل كيف تعرضت قصائدي للنبذ من هناك وهناك، وعوملت باحتقار من قبل بعض النقاد، وقيل انها يومية وادب الحرب، لكن بعد مدة اصبح وجهاء الثقافة يكرمون نماذج للشعراء اليوميين، اتى الاعتذار متأخراً من الشعر اليومي.  اليوم اعتذر من موهبتي، واسير في خط اعادة تأهيل تجربتي الشعرية، مدفوعاً بأمرين: امرأة تعرفت إليها واحببتها، الى جانب جريمة 14 شباط (اي لحظة سياسية)، بين هذين المشهدين اكتشفت ان الحب وطن نهائي، وان لبنان وطن نهائي، وهذا هو طائفي الشعري.