العدد الثالث والثلاثون - آيار

العالم في شاشة

ربيع دهام
الثلاثاء 3 حزيران (يونيو) 2008.
 

في عالم اليوم الذي أصبح فيه الكون أشبه بقرية ، بات الأنسان أكثر انعزالا ً وأكثر وحدة وأكثر انغلاقا ً على ذاته من ذي قبل .

 فما هو السبب يا ترى؟

ولماذا حين تطوّرت طرق ووسائل المواصلات ، ازداد الإنسان في الوقت نفسه انعزالا ً وقلقا ً وكسلا ً ؟

إنها الشاشة الصغيرة يا أصدقاء.

الشاشة بكل أشكالها . إن كانت تلفازا ً أو كمبيوتر أو ما شابه.

فأمام هذه الشاشة يتسمّر الرجل لا حول له ولا قوة ، بينما الثواني والساعات والأيام والسنوات تمر من أمامه كلمح البصر !

لدرجة أنه لو سُئِـل الإنسانُ في آخر أيامه عن سنوات عمره الضائعة ، لأجاب بأنها السنوات التي قد أمضاها في مشاهدة التلفاز.

قد يقول قائل أن التلفاز يأخذنا من الملل ويمليء ساعات ليالينا بالضحك أو البكاء. ولكن إذا عاد الإنسان بذاكرته إلى الماضي ليدوّن أجمل أيام حياته لما كان من بين هذه الأيام أية ليلة أو يوم قد أمضاه جالسا ً كالصنم أمام الشاشة.

الشاشة قد أخذتنا من إنسانيتنا. قد سلبتنا حياتنا العائلية والإجتماعية. قد حولتنا إلى كائنات انفرادية غير منتجة. لأن الإنتاج شرطه الإبداع والخلق والعطاء ، أما التلفاز ، فنحن أمامه لسنا إلا مبرمَجين (بفتح النون) بينما كنا نعتقد أننا المبرمِجين (بكسر النون). نحن أمامه نتلقى ولا ننتج... نقرأ ولا نكتب... نَسمَع ولا نــُسمِع.

إن أردنا الفرح أوالمرح أو البكاء نلجأ إلى التلفاز بينما كنا سابقا ً نهرع إلى الطبيعة أو إلى صدر الحبيب أو الحبيبة... 

كنا نغضب ونحزن ونثور لأي جثة تسقط ظلما ً بينما اليوم نرى آلاف الجثث البريئة تسقط أمامنا على الشاشة ولا شيءَ فينا يتحرك ولا من يحزنون.

لماذا؟ لأننا مبرمَجون !

مبرمجون لدرجة أن الجثث هذه بتنا نعتقدها مشهدا ً في فيلم ما أو في مسرحية ما.

وأقصى ما يمكن أن نفعله في هذه الحالة هو أن نغيّر القناة لقناة أخرى فيها فرحا ً أكثر أو تسلية جميلة للتمويه عن النفس .

فـ محاسن الشاشة أنّ فيها كل شيء : فيها الموسيقى والأخبار...

فيها المسلسلات والأفلام...

فيها الرسوم المتحركة  والمقابلات التلفزيونية ....

وفيها المناظرات السياسية والإباحة والإثارة و ... و ....

وبما ان العالم أصبح كله أمامنا بكبسة زر، فلماذا نعذّب أنفسنا ونذهب نحن إليه ؟

 لماذا نتمشى في الغابة أو الطرقات أو نصعد الجبال ونركض في الشوارع ونجلس على الرصيف. لماذا؟

لماذا، وها هي غابات وطرقات وأرصفة وجبال الدنيا كلها هنا أمامنا؟

نحن لا ننكر أن في برامج التلفاز بعض المنافع ولكنها منافع قليلة لسببين :

أولهما هو أن العالم الذي نعيشه اليوم هو عالم المال والربح السريع بحيث تكون معظم البرامج تجارية تحاكي غرائزنا. ومثال على ذلك هو المحطات الغنائية التي لا تختار إلا أسوأ الأغنيات لأن هذه الاغنيات ترقّص الدبب. وبما أننا بتنا شبه دبب بسبب قلة الحركة والتسمّر أمام الشاشة ، فهلمّوا إلى الرقص يا أخوان.

السبب الثاني هو أننا لكثرة ما نتلقى فلا وقت لدينا للإنتاج والعطاء ، وكما قال علي بن أبي طالب : إن العلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضر .

فما هو نفع القراءة إذا كنا سنقضي حياتنا نقلــّب فيها بين صفحات الكتاب دون أن نقوم بأي شيء لتحسين الحياة؟ ... حياة أولادنا والأجيال القادمة.

ليست هي دعوة لإطفاء أو إقفال الشاشة ...بل هي دعوة لفتح وإنارة أنفسنا للحياة. الحياة التي تمر من أمامنا ونحن لا ندري ما الذي نخسره اليوم وما الذي سوف نخسره في المستقبل القريب.

وليست هي دعوة للملل والحزن. بل على العكس من ذلك. إنها دعوة للفرح الحقيقي الذي يهرب من بين قبضات أيادينا كالماء.

إنّ التلفاز أوالإنترنت أمسيا إدمانا ً وإنّ ضررهما على الصحة والوقت يفوق بكثير ضرر التدخين. ولكن قليلهما لا يضر بعكس التدخين الذي يضر بكل أحواله.

فلماذا لا نكتفي بالقليل؟  ونترك الكثير منا لأهلنا وأصدقائنا وأولادنا ... أو للإنتاج والعمل والصراع مع مصاعب الحياة؟

وإن لم يقنعكم كل هذا أيها القرّاء الأعزاء ، فإليكم الحجة التالية :

تخيّلوا معي ليلة واحدة نمضيها بدون زعيق أهل السياسة أوصريخهم أوتدجيلهم النهاري والمسائي أمام الشاشة؟  تخيّلوا معي ليلة نمضيها بسلام دون حقد وشتم وتكبّر وتدجيل.

زعماء كانوا أمراء حرب مجرمين قاتلين سفاحين يلبسون اللباس العسكري، واليوم نراهم أمام الشاشة الصغيرة يرتدون البدلات الفخمة وربطات العنق الأنيقة ، لمتطلبات الإخراج ، ويتكلمون بالحضارة وحب الحياة.

أما كان أجدر لنا ان نقف بوجههم في هذه الحياة لنسقطهم ونسقط معهم هذا النظام الطائفي الحصصي القبلي الرجعي المهترىء الذي يدافعون عنه كلهم بدل أن ننظر إليهم يفتكون بأعصابنا وأولادنا ومستقبلنا في كل ساعة وكل يوم ؟

إن الشمس الساطعة ، منظرها في الشاشة جميل ، ولكنها في الحياة أجمل وأعذب وأحن.

وأشعتها في الحياة تدفئنا ، بينما في التلفاز لا تزيدنا إلا بردا ً وخمول ْ