العدد الثالث والثلاثون - آيار

مأزق الدولة القطرية

د. احمد برقاوي
الاربعاء 4 حزيران (يونيو) 2008.
 
New Page 3

وضعنا (الدولة) بين قوسين تحفظاً عملياً لأن ننطلق من فرضية استحالة معقوليتها عموماً. والنظر الى مأزق وجودها بوصفه ما هوياً وليس المأزق صفة خارجية لوجودها.

واذا كانت هناك استحالة لوجود الدولة القطرية فما هو الموجود اذاً؟

ومن اين تنشأ لامعقوليتها..؟

نحن نعيش في بداية القرن الحادي والعشرين. وهذا زمان عالمي لكن زمان لكن زمان العربي هو زمان العربي هو زمان ما قبل هذا التاريخ بكثير فمهما قيل حول نهاية الدولة الأمة، يظل مجرد قيل في الغرب. لكننا في هذه اللحظة من التاريخ مازلنا نعيش عالمياً واقع الدولة الأمة.

الدولة - الأمة تعني ترابط حدين اذ لا وجود للدولة بمعزل عن الأمة ولا وجود للأمة خارج الدولة.

هذه العلاقة الترابطية تطرح علينا تحديد وجود العرب. فهم اولاً خارج هذا الترابط. لكن العرب واقعة موضوعية وليس وهماً من الأوهام.

من هم هؤلاء - العرب - الذين يعيشون خارج واقعة الدولة الأمة.

يبدو الجواب بسيطاً: هم قوم من البشر يشعرون بهوية الانتماء الى اصل واحد وثقافة واحدة وهموم مشتركة ويتحدثون بلغة واحدة بمعزل عن تعدد لهجاتهم.

هذا وصف لواقعة، اسمها العرب، لكنه وصف لا يستنفد الواقعة.

لنعد لطرح السؤال في صيغة اخرى: من هم العرب الآن؟

في الجواب عن السؤال من هم العرب عموماً تحدثنا عن هوية مجردة، اما الجواب عن سؤال من هم العرب الآن فاننا نتحدث عن تعينهم في هذه اللحظة من التاريخ؟

وعندما نقول في هذه اللحظة من التاريخ لأننا لا ندري ماذا سيكونون عليه في المستقبل.

قلنا العرب قوم ولم نقل امة اي هم في مرحلة ما قبل الدولة.

اذاً ما الموجود موضوعياً: (الدول القطرية) التي تحفظنا عليها ووضعناها - كما اشرنا - بين قوسين لنحدد (الدولة) القطرية هذه الدولة دولة مسورة بحدود سياسية وجغرافية، لكل دولة سياسة خارجية وداخلية مستقلة عن بعضها البعض. العرب قوم بأسواق متعددة وسياسة اقتصادية مستقلة. نظم سياسية مختلفة وصور دولة متعددة، دول غنية ودول فقيرة، دول تعد بعشرات الملايين ودول تعد بعشرات الألوف.

دول جلها تابع تبعية مطلقة للعنصر الخارجي، وفاقدة للارادة الحرة اذاً دول ذات سيادة زائفة، لا علاقة لهذه السيادة بمفهوم سيادة الدولة بالمعنى المجرد، فالسيادة على الأرض والثروات والحدود والقرار السياسي مفقودة في الوطن العربي.

وفوق هذا وذاك تقف الدول العربية مواقف متعددة من العدوان الخارجي، فهناك دول تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل وعلاقات اقتصادية، وهناك دول علاقات اقتصادية دون سياسية، وهناك سلطات تقف موقف المتفرج من العدوان وممارسة اسرائيل العنصرية، وكل هذا لا يجعل من العرب امة.

نحصل اذاً في تحديدنا للعرب على واقعتين: العرب حالة ما قبل الأمة الدولة. و(دول) ليست دول بالمعنى السياسي والتاريخي لأنها بالأصل تقوم خارج الأمة.

لنخرج، الآن من الدولة المحصورة بين قوسين، ونقول الدولة التي وضعناها بين قوسين ليست دولة انما هي سلطة.

والسلطة بعد ليست دولة. انها سلطات تكونت ضد الدولة - الأمة الممكنة.

اذا كان الأمر كذلك وهو كذلك، ولأن مفهوم السلطة اعم من مفهوم الدولة، فأنا نقع في احراج علمي ناتج عن اننا اما سلطات تأخذ شكل الدول بالمعايير الحديثة. فنحن امام علاقات دبلوماسية مع العالم الخارجي سفارات وقناصل. وهذا من شيمة الدولة. ونحن امام جيش وشرطة وموظفين، وهذا من امر الدولة.

ومن الصعب اذا ان ننفي وجود الدولة بالمطلق. ولهذا في لحظة التحليل السابق قلنا دول ليست دول بالمعنى السياسي - التاريخي لأنها خارج الأمة.

فلنستخدم اذاً مفهوم (دويلة). اذ ذاك نحصل على دويلات.

اقصد بالدويلة عدم اكتمال الشرط التاريخي - القومي لظهور الدولة .

وبخاصة عدم اكتمال مفهوم السيادة الوطنية من جهة وغياب مفهوم النظام السياسي المعبر عن الكل الاجتماعي.

اي ان الدويلة - تقوم الآن بفعل آليات متعددة باستثناء آلية العقد الاجتماعي، والتعبير السياسي عن المجتمع.

هنا نحصل على تناقض جلي بين الدويلة - السلطة والمجتمع في خياراته الظاهرة والخفية. بين الدويلة والواقع الموضوعي للعرب.

لنحلل هذا التناقض كما هو في الواقع.

اعتقد ان - العرب - يعيشون حالتين متناقضتين بل قل حركتين متناقضتين:

الأولى: حركة موضوعية تنحو نحو التوحيد وتحقيق الوعي الذاتي بالانتماء. وهذا شرط ضروري غير كاف لتكون الأمة - الدولة.

تتم هذه الحركة في جميع المجتمعات العربية تقريباً دون قصد. تتجلى اكثر ما تتجلى هذه الحركة في الثقافة على نحو واضح وجلي وقوي سواء نظرنا الى الثقافة بالمعنى الانتروبولوجي او بالمعنى الابداعي للكلمة. بل ان الثقافة بالمعنى الابداعي تقوم بتعويض شديد لما تخرجه سياسات الدويلات. وعندي ان النخبة العربية المبدعة في مجالات الفكر والأدب والصحافة المكتوبة والاعلام التلفزيوني والسينمائي قامت وتقوم بدور لم يحصل لنخبة في العالم ان قامت به على مستوى خلق الوعي بالهوية في شروطنا. ولا شك ان هذه النخبة قد استفادت كثيراً من واقع موضوعي - هو واقع الاتصال اليوم، حيث زالت حدود المنع التي مارستها الدويلات سابقاً آنفاً من هذه الدويلات. وان كان الكتاب ما زال عرضة للاعتقال فان وسائل انتشاره الشعبية عن الطرق الحديثة جعلت من الكتاب الممنوع اكثر انتشاراً من الكتاب المسموح. وكل ذلك يتم بانهيار شبه مطلق للجهاز الاعلامي - الايديولوجي للدويلة العربية، وعزوف البشر عن تصديق الأكاذيب غير المعقولة التي يبثها هذا الجهاز الايديولوجي... وهناك مظهر آخر من مظاهر هذه الحركة الموضوعية الا وهو الموقف من الصهيونية واسرائيل و الولايات  المتحدة الأميركية.

ففي الوقت الذي نشهد فيه موقفاً للدويلات خالياً من اي سمة وطنية او سيادية، تشهد المنطقة وعياً شعبياً واحداً يقوم على العداء والمقاومة ورفض الوجود الصهيوني وللتبعية للولايات المتحدة.

اما الحركة الثانية المناقضة للأولى واسمها الحركة الذاتية فتتمثل بنزوع الدويلة العربية الدائم نحو الابقاء على الشروط القديمة التي انتجتها، اي التي نشأت بفضلها. فمن المعروف اكثر ان هذه الدويلات هي ثمرة واقع استعماري اوروبي بالأصل، حتى ولو ظهر بعضها ثمرة الكفاح ضده.

وقد نشأت حالة غريبة كل الغرابة ولكنها واقعة الا وهي:

ان المجتمعات العربية المستعمرة والمستغلة والتي سارت شوطاً في طريق التقدم الموضوعي - واهمه- تفكك البنى القديمة - اصبحت تقع في تناقضات مع تلك الدويلة من حيث نظامها السياسي وصورتها وجوهرها. وبالتالي تقع الدويلة في تناقض مزدوج: تناقض مع حركة العرب الموضوعية نحو الوعي بالهوية القومية، وتناقض مع المجتمعات التي تحكمها والتي اصبحت اكثر تقدماً من الدويلات هذه. والدويلة لا تستطيع ان تتحول الى كابح للحركة الا بفضل اقصى درجات القمع والتخريب والتآمر والارتباط بالدول الامبريالية - الأوروبية واميركا. ولهذا تراها: تقدم خطاباً زائفاً حول السيادة، وخطاباً زائفاً حول تاريخها. فالسيادة بالمعنى الذي تقدمه الدويلة العربية لا تعني سوى البقاء كما هي دون اي ارتباط بالكل العربي وظاهر الخطاب هو عدم التدخل في شؤون الدويلات الأخرى. وكلما احسّت هذه الدويلات بمأزقها التاريخي زادت من آلية الانكفاء على ذاتها اقتصادياً وسياسياً وبالغت من اجراءات السيادة الشكلية.

والسبب الأقوى لتقوقعها يكمن في ان كل تكامل على مستوى الدويلات يؤدي بالضرورة الى اضعاف سيادتها المزعومة. هنا بالذات يكتمل مأزق الدويلة القطرية من حيث لا شرعيتها كدويلة ولاشرعية سلطتها بالذات. من هنا يكون الجواب على السؤال التالي هو من قبيل يحصل الحاصل: لماذا يصبح 3000 مليون عربي يسكنون بقعة تمتد من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي تجمعاً هامشياً على مستوى العالم، وغير قادر على حل مشكلته الأساسية ازالة اسرائيل من الوجود. فهذا الكم الهامشي ليس اكثر من دويلات لاشرعية وسلطات لاشرعية ولا علاقة لها بصناعة التاريخ.

هل هناك حل ومخرج من هذا المأزق مأزق الدويلة ومأزق السلطة؟

في اعتقادي اننا نعيش حالة الأجوبة الجاهزة غير المقنعة والتي لا تمتلك آلية تحققها.

كأن نقول مثلاً: ان مواجهة النذر السياسي تكمن في تحقيق الوحدة القومية، او مواجهة الوضع الاقتصادي للدويلات غير ممكن الا في اطار الوحدة الاقتصادية، او ان تحرير فلسطين لن يكون الا ثمرة اشتراك العرب جميعاً في الصراع.

ان اجوبة كهذه هي بحث من النقيض البديل الذي اثبتت الأيام انه لا يمتلك شروط    تحققه.

وعندي انه من المستحيل تحقيق اي هدف من اهداف العرب دون المدخل السياسي لفهم الدويلة وسلطتها فمن اين نبدأ؟

قبل الاجابة على هذا السؤال اشير الى ان اية اهداف عربية كبرى او صغرى مرتبطة بمصالح الكل الشعبي وله علاقة بالمشكلات التي تطرح لا يمكن ان تتحقق اذا ما اعتمد على النظام السياسي لراهن الدولة العربية. وليست حال القمم العربية الا الدليل الساطع على صحة ما نقول. وعليه فالبدء لا يمكن ان يكون الا بالسلطة اللاشرعية التي اشرت، وهي كما قلنا العامل الذاتي الفظيع الذي يقف الآن عقبة كأداء امام طريق الدولة - الأمة.

اشرت فيما سبق الى تناقض حركتين: حركة موضوعية جاذبة وحركة ذاتية نابذة. ولما كانت الحركة الذاتية هي المالكة للقرار السياسي وتنظر الى الدويلة كملكية شخصية لا يجب التفريط بها فالشرط هو نزع القرار السياسي من السلطة اللاشرعية. وهذا نظرياً لن يتم الا بسلطة بديلة مناقضة للسلطة القائمة.

نقطة انطلاقي اذا الدويلة ذاتها وسلطتها. لأني اعتقد ان التناقض الأولي هو بين مجتمع الدويلة وسلطتها. لا شك انها مسألة في غاية التعقيد كما تبدو الآن في اطار النزعات المنتشرة للتغيير دون ان نلمس اثراً يذكر اللهم سوى بعض التكيف هنا وهناك، اقصد تكيف السلطة وهو تكيف لم يصل تغيير ماهيتها.

ما يجب ان يكون نظرياً هو انتاج سلطة مطابقة في العموم مع خيارات المجتمع اي مع الحرية في التعاقد السياسي.

هذا الذي يجب ان يكون أمامه عوائق تراكمت في اغلب المجتمعات العربية، اهمها عائق افراغ المجتمعات العربية من حياتها السياسية او الحيلولة دون قيام شخصية سياسية في مجتمعات لم تعرف بالأصل الحياة السياسية. فاستمرار القمع مدة طويلة انتج ضعفاً شديداً في فاعلية المجتمع بكل طبقاته وفئاته، وبخاصة الفئات الوسطى التي هي قلب المجتمع الحي.

وعندي ان البديل الاسلامي الأصولي الذي طرح نفسه عن طريق العنف هو الذي قوي الى حد كبير من سلطة الدويلة. وما زال شبح الحركات الأصولية قائماً امام السلطة العربية.

وهكذا يتحد مأزق البديل مع مأزق سلطة الدويلة. وهذا هو الركود بالمعنى الحقيقي للكلمة التي تراها السلطات استقراراً.