إصلاح

العدد 6 كانون الأول 2005 : زيد قطريب
الاربعاء 14 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
يكتفي المبشّرون بعصر اللاعقائد واللاإيديولوجيات، بالاستفادة القصوى من الهزّات، والهزّات الارتدادية التي ضربت كثيراً من القناعات الفكرية والسياسية والثقافية العربية خلال السنوات الماضية، لكنهم في الوقت نفسه لا يقدمون رؤية واضحة للبدائل الممكنة، فبين غلوّ المحللين والباحثين الاستراتيجيين الذين تمطرنا بهم الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة، وتزمّت الإيديولوجيين التقليديين، أصبحنا نعيش الآن نوعاً من الجدل البيزنطي، لا يخلو من التقاذفات المتبادلة والاتهامات التي أصبحت تكرر إنتاج احتكار الحقيقة عند معظم الأطراف لكن بأشكال أكثر حداثة من ذي قبل.!

الجميع متفقون أننا قد تأخرنا في إنجاز عملية الإصلاح والنهضة، ووضع المداميك الأساسية لما يفترض أن يشكّل المشروع الحداثوي الذي يوائم بين ذهنية العرب ومعتقداتهم الروحية والفكرية، ومتطلبات العصر المتسارع بإنتاجاته الثقافية والتكنولوجية، لكن المسألة، ورغم الاتفاقات النظرية تلك، تقع في مطب عدم القدرة على إطلاق الحوار الجدي والمسؤول بين مختلف الأطراف في ظل غياب المؤسسات القادرة على رعاية حالة حوارية كهذه يفترض أن تتسم بالموضوعية والتجرّد، على أقل تقدير.

وفي وقت يُخشى فيه من أن يتحول الجميع بمختلف اتجاهاتهم إلى سلفيين يتمترسون خلف أفكار يعتبرونها نهائية وغير قابلة للحوار، نستطيع أن نلاحظ بوضوح الخلافات العميقة تجاه قضايا كانت من المسلمات المتفق عليها بين جميع الأطراف، كالوطنية والديموقراطية وماهية المجتمع.. وهنا يعيد السؤال طرح نفسه من جديد: هل العرب قادرون على مواكبة الحداثة أو مقاربتها برؤية واضحة يوافق عليها معظم الاطراف؟ أم أن الوقت مازال مبكراً على طرح هذا السؤال نظراً لعدم اكتمال المعطيات اللازمة لإنتاج حالة فكرية ناضجة تشكل قاسماً مشتركاً بينهم؟!

هل نحن قادرون على إنجاز عملية الإصلاح الديني التي يعتبرها الكثير من المفكرين مقدمةً لا بدّ منها لأي مشروع نهضوي يتناول علاقة العرب بالمدنية والعالم الحديث؟

لا شك أن أسئلة من هذا النوع تحتاج إلى مناخ مناسب وبيئة توفر الإمكانات اللازمة فعملية الإصلاح تلك سبق أن توقفت منذ ما يقارب قرن من الزمن عندما قاد بواكيرها الأولى الشيخ محمد عبده والكواكبي، وتعرضت لاحقاً لكثير من العثرات والعراقيل التي هدّدت نضوجها الطبيعي وتطورها باتجاه التبلور والاكتمال، الأمر الذي شكل ردَّة فعل عكسية باتجاه الانغلاق والتقوقع ومحاربة أي دعوة للإصلاح، وتكفير كل من يحاول الاجتهاد في الدين، بحجة أن هذا الباب قد أُغلق منذ القرن الخامس والسادس بنصوص اكتسبت صفة القداسة على مرّ الزمن.

وهنا يتساءل البعض إن كان العرب يملكون الوقت الكافي للحوار والتقويم والإصلاح، تجاه إشكاليات جوهرية تمس بنية الذهنية العربية، في ظل ما يشهده وجودهم من أخطار حقيقية تهدد المجتمعات العربية بإغراق من نوع جديد ومختلف من القضايا والاشكاليات التي يُراد لها أن تغير الواقع الاجتماعي والجغرافي، وتعيد إنتاجه على شكل مجموعة هائلة من التشظّيات الضعيفة والمتنافرة، حيث يغرق الجميع في بحر لا قرار له من المشاكل والفوضى.

تبدو متطلبات الاصلاح كثيرة وشائكة، وتحتوي الكثير من التناقضات والصعوبات، فكلما تأخرت هذه العملية، أضيف إليها جملة مستحدثة من الاشكاليات، مما يعني بذل المزيد من الوقت والجهد وهو أمر لا يصبّ في صالح العرب عموماً.