الاقتصاد والعولمة

العدد 1 - تموز 2005 : منصور عازار
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
حين نقول إن العلم قد صار بدوره قوة إنتاجية مباشرة، فإننا لا نعدو الحقيقة كما يثبتها الاقتصاد الكوني الزاحف تحت شعارات العولمة، ونصيبنا من هذه العلولمة ما يعرف باقتصاد السوق من خلال الاقتصاد الشرق أوسطي، الذي يضغط في الوقت الحاضر من أجل تحقيق تسويات سياسية ترمي إلى أنهاء النزاع العربي ـ الإسرائيلي، كي تنطلق الشركات عابرة القارات في تحقيق مشروعاتها الضخمة متخطية الحدود الإقليمية والمصالح القومية للأمم.
ومع إقرارنا بالحقيقة التي يثبتها اكتشاف كنه قوانين العصر من أن العلم يعتبر قوة إنتاجية، لا بد من متابعة المنطق الصحيح وهو أن تلك الحقيقة تستدعي أن يكون العلم ـ بصفته قوة منتجة ـ خاضعاً في التحليل والتعامل لمقتضيات قوانين علم الاقتصاد وهنا العقدة الصعبة. هذا العلم الذي وضع في متناول الإنسان القدرة على تطوير الإنتاج وتحسينه، بل وعلى إيجاد إنتاجية لم تكن موجودة قبلاً، صار ممكنا التعامل معه على أساس أنه قوة منتجة. ومعنى ذلك أن الرأسمال وجهد العامل لم يعودا وحدهما الشريكان في الإنتاج، إذ هناك العلم، الذي صار صناعة هي (صناعة المعرفة) إلى جانب صناعة السلع الاستهلاكية كما إلى جانب الزراعة. وبكلمات أخرى يمكن القول إن العلم أصبح سلعة قابلة للإنتاج والتسويق والمبادلة. الدول الرأسمالية المتقدمة أدركت منذ بداية النصف الثاني من هذا القرن أن المصانع وحركة الرأسمال المالي لم تعد وحدها قادرة على الإمساك بزمام السيطرة والنفوذ، وبدأت تصدر إلى العالم الثالث بعض صناعتها. صناعة السيارات مثلاً، التي ظلت لأكثر من قرن حكراً لأوروبا وأميركا صارت متاحة لبلدان كثيرة شرقاً وغرباً عن طريق تحرك الرأسمال إلى الخارج والمشاركة في الانتاج سعياً وراء اليد العاملة الأرخص ولتوفير كلفة شحن ونقل المواد الخام. وقد أدت عمليات المشاركة أو التنازل عن حق الإنتاج إلى إرضاء شعوب كانت في المرتبة الثانية والثالثة ـ سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ـ الأمر الذي أتاح نقل المعرفة. لكن تلك الدول احتفظت لنفسها بأسرار الذرة والإلكترونيات الدقيقة وكل ما يتعلق باختراعات وعلوم (حرب النجوم) مما سهل لها السيطرة على علوم الفضاء وعلوم (المعلومات). يوم لم يفكر أحد من قادة هذه الأمة الممسكين بزمام القيادة والصدارة بالمستقبل الاقتصادي، تنبه سعاده إلى خطورة الموضوع. في أيار من العام 1947 ـ أي قبل أكثر من نصف قرن قال إن الاستقلال السياسي لا يكون استقلالاً صحيحاً ما لم يثبت على قواعد اقتصادية ـ اجتماعية ـ سياسية متينة. ما هي القواعد المتينة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة؟ إنها القواعد التي تقوم على العلم طبعاً. والعلم ليس قوالب جامدة بل حياة متطورة وممارسة وفكر خلاق لا يتوقف. لقد ترك لنا سعاده تراثاً ضخماً والمطلوب من رجال النهضة متابعة المسيرة. كان لا بد من ترسيخ المبادئ الأساسية والإصلاحية التي تعتبر القاعدة لأي عمل يمكن أن يتم داخل صفوف النهضة أو من خلالها، والتوجيهات كلها تدور حول تلك المبادئ التي تفرض على القوميين الاجتماعيين الاجتهاد في البحث ضمن الخطوط الواضحة. صحيح أن سعاده لم يخض في تفاصيل أهمية العلم أو علاقته بالتقدم الاقتصادي، وبالأحرى، ضرورة العلم في بناء اقتصاد حر ومستقل ويقوم لحماية مصالح الأمة والوطن دون أن يتنكر للعلاقات الإقليمية والدولية. لكنه وضع الضوابط وحدد الاتجاهات وبين أهمية ذلك كله، وفاجأته المؤامرة قبل أن يتمكن من تحقيق ما أعلن من أنه سوف يشرح مفهوم الاقتصاد بتفصيل أكبر. هكذا نفهم الاقتصاد، وهكذا نفهم ترابط العلم بالاقتصاد. القواعد الأساسية لقيام نهضة زراعية أو صناعية هي قواعد العلم التطبيقي ومواكبة تطورات العلم على كل صعيد. وحين نربط هذا كله بما عناه سعاده حين أكد أن (المعرفة قوة) ندرك مدى شفافية الزعامة التاريخية التي تستشف مستقبل الأمة على ضوء العقل والتراث وتستوعب القوة الكامنة في الطليعة التي أراد.

الاقتصاد والعولمة