أنا مصري...سوري بالشبهة!

العدد 6 كانون الأول 2005 : نزار سلوم *
الاربعاء 14 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
لم تكن الأصوات التي ارتفعت في ساحة الشهداء في 14 آذار 2005، مرددة توت.. توت.. سورية عم بتموت تدرك كيف ستموت سورية فعلاً، ومتى؟ والأرجح أن استخدام مفردة الموت هنا، لم يعني عند معظم وليس كل من استخدمها في ذلك الوقت، المعنى الذي يحيل إلى المشهد الذي يتفرج فيه هؤلاء على نعش أسطوري يمتد من جبال طوروس شمالاً إلى قوس الصحراء جنوباً، تتمدد فيه سورية ميتة لتلاقي وجه ربها، بعد أن يتم تدبر أمرها بـقبر يتسع لها!! ومن المؤكد أن معظم هؤلاء، وبالأخص منهم، غير القادة والزعماء استخدموا مفردة الموت ليعنوا الغيظ، غير أن قلة منهم رددت الكلمة على الإيقاع الذي يتشهّى رؤية ذلك النعش الأسطوري!

وفيما لم يفضي النداء المتكرر بـالموت إلى الاستجابة المتوقعة له، من رب العالمين، فإنه نجح إلى حد ملحوظ في اغتيال السوريّ كصفات وصورة وشكل، وذلك بتحويله إلى نمط واحد موحد مدموغ بـثقافة واحدة حصرية واستطراداً بـشكل فيزيائي واحد ـ هذا هو أصل التفكير العنصري ـ كما بالمقابل تم نفي أي صورة لـ السوري تظهره كحالة خارج إطار النمط الذي وضع فيه، ودُمغ بوشمه!!

على أن الفشل الذي حصده النداء برؤية المشهد الأسطوري المفترض، انقلب إلى نجاحات جزئية بـ المفرّق، هنا وهناك، حيث تم إنجاز الموت الفيزيائي لعدد من السوريين العمال كما تم إحراق بعض المآوي الخشبية والتنكية التي كانوا يأوون إليها بعد نهار من العذاب في الأعمال الدنيا التي ليست من مقام الآذاريين. السيد حسن نصر الله، ذكر أن ثلاثين جثة عبرت الحدود، ها هنا بدا الموت غير الغيظ الذي افترضناه بحسن النيّة، بدا نفسه مطابقاً لمعناه. وبدا السوري إذ ذاك غارقاً في النمطية ـ مجبراً عليها ـ وبدأت حركته غير طبيعية، أصبحت مدروسة، مرتبكة، محكومة بكونه مشبوهاً وقابل للملاحقة، والاعتقال، والسجن، والشنق، والمحاكمة التي من الأفضل أن ترد قبل الشنق!! وقبل ذلك كله قابل لكي يكون ضحية فورة الدم التي عادةً ما، يتم تبرير فورانها!!

لم يكن بائع الكعك الذي يتخذ من شارع الحمرا في بيروت، مكاناً مناسباً لتسويق كعكاته التي تشكل على الغالب إفطاراً دائماً لبعض المهرولين إلى أعمالهم، وهم على سرعة من أمرهم، كما لبعض مدمني التدخين من الكتّاب وجلاّس المقاهي، الذين يلجأون إلى كعكة الزعتر لـسدّ جوعهتم، لم يكن بائع الكعك هذا مضطراً في أي يوم مضى لتقديم أوراق إثبات عن جنسيته المصرية الواضحة في سحنته، التي تشكل في العادة مفتاح التندر والفكهنة مع الزبائن. كان البائع مطمئناً إلى سحنته المحبوبة، التي ربما تجلب له الحظ والتوفيق. إلى اليوم الذي فار الدم فيه، وأعادت الإيديولوجية الإعلامية التحريضية إنتاج السوري كنمط مشبوه، فانقلبت السحنة المصرية من سبب للحظ والرزق إلى سبب للمقاطعة والتحديق والارتياب!!

إذاً، حتى السمرة المميزة للجبين المصري لم تخرج بريئة من نمطية مفترضة لـ السوري فكادت تتسبب، على الأقل، بـالموت جوعاً لـصاحبها أمام كعكاته، وبالصيام عن الإفطار لعدد كبير من الموظفين والكتّاب والصحفيين الذين بدأوا الارتياب بـالكعك وصاحبه، الذي لم تنقصه الفطنة فعمد إزاء هذه البرودة المخيفة والمقاطعة الصارمة التي تنذر بالشؤم إلى رفع لوحة كرتونية فوق عربته خطَّ عليها كلمة واحدة: أنا مصري! فوضع حداً للمقاطعة والشكوك، وكسر شوكة النمطية السورية الممتدة إليه رغم انتهاء عهد الجمهورية العربية المتحدة، وقيام الانفصال بين الإقليمين منذ أيلول 1961؟!

تنذر حكاية بائع الكعك، وهي الحالة المخففة، لحكاية العديد من العمال السوريين لماذا دائماً العمال ولا أحد سواهم؟، بالأذى غير المحسوب، أو غير المتوقع، الذي يمكن أن تتسبب فيه بعض الحملات الإعلامية التي يستبيح أصحابها لأنفسهم كل الوسائل وكل الشعارات والعبارات في معاركهم السياسية التي يخوضونها. وهم إذ يتوسلوا جملة من التعابير الإطلاقية لا السياسية إنما يعمدون إلى تأسيس إيديولوجية تحريضية لا يمكن لهم، هم أصحابها، التكهن بما ستسببه من نتائج هي في الحساب الأخير خسائر كبرى. وإذ تتذرع بعض الجهات السياسية مبررة شيوع الخطاب التحريضي وإمتداداته، بـ المناسبة التي أُنتج بسببها، فإنها تغفل اعتبار المناسبة أياً كانت، قابلة للانقضاء أو للانطواء في الذاكرة الاجتماعية، بتحولها إلى ماضٍ فيما يحفر التحريض أخدوداً في الذاكرة نفسها لا يمكن دمله بالسهولة التي تم حفره بها.

من المؤكد أن الإيديولوجية التحريضية التي تعيد إنتاج الآخر على نحو يحيله من أخٍ وشقيق وصديق و و و، إلى عدو تلبّس في الماضي وجه الصديق وروح الأخ وقرابة الشقيق، لا يمكن أن تكون استهدافاتها من درجة تكتيكية، سواء وعت نفسها أم لا، بل ونسبة إلى الخسائر الجسيمة التي تتسبب بها، فإن استهدافاتها تطابق المعنى الذي يجعل منها إشكالية تربوية ثقافية وطنية مرادفة لقوة الجريمة وشراستها وعمى عينيها وفقدانها للبصيرتها، ربما ستحتاج إلى سنوات طويلة، ومناهج مدروسة، وبرامج ثقافية وتعليمية وسياسية، ومناسبات روحية فضلاً عن توفر حالة سياسية بين الدولتين المعنيتين، كي تبدأ بالانحسار من أماكن توضّعها في ضمير الناس وذاكرتهم، والأهم خيالهم الذي لا يرتسم فيه السوري سوى كنمط محكوم عليه بعلاقة عداء مع اللبناني لأن المناسبة التي أنتجت هذه العلاقة لا تزال حقيقتها برسم مصالح واستراتيجيات الأمم الكبرى، أما نحن فيبدو أننا لا نطيق القربى والقرب نحو التوحد، وها تكرّست عودتنا إلى حالة الفرقة، حالة العداوة المميزة بديلاً من العلاقات المميزة المشبوهة!

أيها المصري، انتبه، ربما لن تفيدك فطنتك في المستقبل، انتبه جيداً: أنت مشبوه بالسورية!!

* كاتب سوري.