الباحث المصري أحمد سالم: إن القائلين بشعار الإسلام هو الحل لا يملكون برامج حقيقية لمواجهة البطالة والفقر.

العدد 6 كانون الأول 2005
الاربعاء 14 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
ـ إن القائلين بشعار الإسلام هو الحل لا يملكون برامج حقيقية لمواجهة البطالة والفقر. ـ حركات العنف والتكفير هي نتاج الاستبداد. ـ كيف ترى عثرات الخطاب الإصلاحي العربي في جوانبه المختلفة؟! ـ المشكلة في انفصال الفكر عن السياسة.. السياسة في العالم العربي لا تستنير بحركة الفكر ولكنها توظف الفكر من أجل بقاء النظم السياسية على ما هي عليه. لا بد من وجود اتصال بين الفكر والسياسة، لا أن يكون الفكر في وادٍ والسياسة في وادٍ آخر حيث لا يبقى الفكر مجرد إرشادات في الكتب، بل يجب أن يتحول إلى مشروعات حقيقية للإصلاح.

ـ هل تتفاوت إنجازات الفكر الإصلاحي بين المشرق والمغرب العربيين، من حيث الأولويات والنجاحات المحققة؟!

ـ لا شك في أن هناك بعض التمايزات، فيمكن أن نعد المشرق مع بداية القرن العشرين منارة لدعوات الإصلاح، وعلى سبيل المثال للإمام محمد عبده أصداء واسعة عند الحركة الإصلاحية في تونس والجزائر، أما الآن، فقد غابت دعوات الإصلاح الحقيقية في المشرق وتراجع الخطاب الديني وأصبحنا ندعو دائماً إلى ضرورة تجديد هذا الخطاب. في المقابل، فإننا نجد أن الدراسات الحقيقية الإبداعية لتاريخ الإسلام وحضارته تأتينا من المغرب العربي، بسبب استيعابه للثقافة الفرنسية وقدرته على تقديم قراءات جديدة للحضارة والثقافة الإسلامية.

ـ تستحوذ قضية العلاقة بين الدين والسياسة على اهتمام الباحثين والمفكرين العرب الذين يرون أنها مسألة أساسية في خطاب الإصلاح.. كيف ترى ذلك؟!

ـ أنا لا أقول بفصل الدين عن الدولة، بل فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، لأن النظم السياسية توظف السلطة الدينية أحياناً من أجل خدمة أغراضها ومصالحها. نحن بحاجة إلى تحقيق المزيد من الحريات للشعوب العربية حيث لا يخضع المثقفون العرب لهواجس الخوف من السلطة الدينية. نستطيع أن ندير الأمور الشخصية عن طريق الدين، على أن يكون ذلك باجتهادات مستنيرة تراعي ظروف الواقع وحركة التاريخ والمجتمع، لكن الدين لا يمكن أن يقوم بإدارة المؤسسات بالمعنى الحديث، فتأسيس المجتمع المدني لا بد أن يستند إلى العقل بعيداً عن السلطة الدينية.

ـ أصبحنا نشاهد عودةً لشعار الإسلام هو الحل في مصر، بعد غياب طويل يعود إلى تاريخ حرب حزيران 1967. كيف تفسر ذلك؟!

ـ الذين يتحدثون في مصر عن شعار الإسلام هو الحل، لا يملكون برامج حقيقية حول مواجهة البطالة والفقر والعديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، لكنهم يوظفون هذا الشعار من أجل جذب قلوب الجماهير والسيطرة على أنظمة الحكم. وفي هذا المجال لدينا أكثر من تجربة فاشلة، في السودان وإيران وباكستان، يمكن أن تعطينا انطباعاً عن فحوى هذا الشعار، فالاتجاه الإصلاحي يواجه مشكلات كثيرة، في إيران وفي السودان فشلت محاولات تطبيق الشريعة بدليل زيادة معدلات الفقر والتخلف والمرض.

الإسلام يصلح كنظام قيمي أخلاقي للمجتمع، لكن إدارة شؤون المجتمع والدولة لا بد أن تعتمد على المنجزات التي تحققت في الحضارة الغربية مثل تحقيق نظم بيانية وديموقراطية حقيقية وليست مؤسسات تبدو في شكلها مؤسسات نيابية لكنها في الواقع شكلية يحاول بها الحاكم أن يجمل نظامه لا أكثر ولا أقل..

ما حدث في العراق يكشف لنا بعمق عن هذه الأزمة، حين قام الشعب بتدمير مؤسسات الدولة وكأنها ليست مؤسساته، الشعب العراقي كان ينظر إلى تلك المؤسسات على أنها مؤسسات صدام وليست مؤسسات الشعب العراقي.

ـ يشكو الإصلاحيون من دعوات التكفير التي تطولهم، حتى إن بعضهم انكفأ أمام تهديدات القتل والتكفير، كيف يمكن التعامل مع هذا الوضع؟!

ـ الأزمة الحقيقية في ذلك ترجع إلى دور الأنظمة السياسية في العالم العربي التي زجت بهؤلاء في السجون، فحركات العنف والتكفير هي نتاج الأنظمة المستبدة وصناعتها. فمن حركة الإخوان المسلمين خرجت جميع حركات العنف بعد فترة التعذيب التي تعرضوا لها في القرن العشرين.

ـ هل هناك مشكلة في طريقة قراءة النصوص وفهمها؟

ـ طبعاً الأزمة الحقيقية هي في طريقة تعاملنا مع النصوص، فالإسلام الذي أقام حركة تقدمية في ماليزيا، يستند إلى قراءة تقدمية للإسلام، في حين أن الإسلام الذي كانت تدعو إليه طالبان في أفغانستان، يستند إلى قراءة رجعية ولا تاريخية للإسلام.

هل من الممكن أن نستغني عن المصارف الحديثة مثلاً؟ وهل يمكن ألا ننخرط في التعامل مع القوى العالمية والحضارة الأوروبية، إن تعاملنا مع الأديان والحضارات المختلفة في العالم يفرض علينا ضرورة قيام مؤسسات بالمعنى الغربي، ولا يمكن أن تكفي الشريعة الإسلامية بمفردها لإدارة كل مؤسسات الدولة بالمعنى الحديث.

لقد كان القدماء أكثر انفتاحاً على العالم منا، حين فتح العرب بلاد الفرس أبقى عمر بن الخطاب على الدواوين كما كانت في الحضارة الفارسية، كما أن الخليفة المأمون كان يعطي المترجمين للحضارة المسيحية وزن ما يترجمونه ذهباً، وكان للمسيحيين دور كبير في الترجمة أمثال حنين بن اسحق واسحق بن حنين.

فلا يمكن أن نغفل لهؤلاء دورهم البارز في نقل التراث اليوناني إلى الحضارة الإسلامية.

ـ دكتور في كلية الآداب ـ جامعة طنطا ـ مصر.