الدكتور محمد شيخاني الدولة والسلطة الحاكمة شأن دنيوي لم يحدد الاسلام شكلهما

العدد 6 كانون الأول 2005
الاربعاء 14 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
الدين والدولة علاقة أزلية مترابطة منذ تشكل المجتمعات البشرية، تنظمت العلاقة بينهما تاريخياً وتطورت بأساليب وأشكال مختلفة ساهم الأنبياء والفلاسفة والمصلحون عبر التاريخ الطويل للوصول إلى أعلى وأسمى درجات العدل والمساواة، والأباطرة والملوك والقادة ساهموا بفك الارتباط بين الدين والدولة فيما يخص مصالحهم الخاصة، لاستمرار البقاء بالحكم الشمولي الذي لا يحدّ من سلطتهم السياسية فكلما تنامى الشعور بقوة رجال الدين والفلاسفة والمثقفين أعاقت السلطة السياسية. بالقمع والتهجير والسجن والقتل كلَّ الذين يساهمون في تقليص صلاحيتها. وتشارك معها أصحاب المصالح من الطبقات المتعددة والشرائح المختلفة من التجار والإقطاعيين وقادة الجيوش. وبعث الله الأنبياء لمقصد كبير وغاية عظمى وذلك لرفع الظلم عن الشعوب المخلوقة.

والصراع بين إبراهيم عليه السلام والنمرود ومن ثم الصراع بين فرعون وموسى عليه السلام كان لتحقيق العدالة والمساواة فعندما كان فرعون يقتل ويذبح الأنبياء ويستيحي النساء كل ذلك من أجل استمرار الحكم الديكتاتوري المستبد ويقول القرآن عنه (فحشر فنادى أنا ربكم الأعلى) وهذه كانت حالة شاملة لكل الإمبراطوريات في عهده.

وجاء الإسلام بالدين الإلهي الخاتم لتحقيق العدل والشورى والمساواة لإتمام مكارم الخلاق والقضاء على الفساد في الأرض. وتشكلت دولة الإسلام الأولى في المدينة وبفترة وجيزة انتشرت مبادئ الإسلام عبر البلاد وفي الوقت نفسه بالذات تشكلت البابوية في روما في القرن السابع وانتشرت المسيحية في أرجاء أوروبا.

واستمر الصراع في أوربا بين الكنيسة وبين التيار العلماني لأسباب موضوعية وجذور تاريخية واقعية وهو تيار فلسفي فكري بل هو أسلوب يعني فصل الدين عن الدولة فقد اعتبر العلمانيون الدين قضية شخصية خاصة بين العبد وربه وكذلك جعلت منهجاً كبيراً يتضمن فصلاً فهمياً بين العام والخاص.

وجاء عصر النهضة الأوربية وبعد صراع طويل عُزلت الكنيسة عن مجرى الحياة العام لعدم تكيفها وتواؤمها مع هذا المجرى وقبلت الكنيسة هذا الوضع في خاتمة المطاف وهنا لابد لنا من محاولة للحوار بين الإسلام كدين ومنهج حياة وقد ساهم في الحضارة الإنسانية وترك بصمات علمية واجتماعية وحافظ على تراث الإنسانية وترجمها ونقلها إلى كل الشعوب.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية ظهرت تيارات فكرية إسلامية متعددة تنادي بإعادة اللحمة بين الدولة والدين واختلفوا في الطرق والوسائل ورفضت بعضُ الحركاتِ العلمانيةَ والديمقراطية وقبلت حركات أخرى العلمانية أمثال أبو الحسن الندوي في الهند فقال (لو فقدت البلاد العلمانية والجمهورية واللاعنف سوف لا تبقى البلاد كما هي) بل قال أيضاً في 6/10/ 1991 في مدينة لكنهؤ (إن العلمانية تشبه شجرة لا تقربها الحيات والعقارب والدويبات السامة الأخرى، وإنها لضمان لسلامة الشعب الهندي وسلامة البلاد).

(انظر مجلة البعث الإسلامي العدد (9) المجلد 36- 1412هـ ).

وإن هذا الكلام الهام في بلد كالهند ولبنان حيث تعدد الأعراق والطوائف والأديان تصبح العلمانية شيئاً مطلوباً بل مرغوباً حيث إن البديل هو العنف والدمار الشامل لكامل الكيان وهذه خصوصيات الحالة الهندية وأمثالها. وهذا الكلام ينطبق على الديمقراطية، فالديمقراطية ليست أفضل نظام سياسي واجتماعي على الإطلاق لكن مقارنةً مع غيرها من النظم تبقى أقل سلبية في هذا المجال كما قال ونستون تشرشل (فإنها أفضل السيئين).. فمقولة الشيخ الندوي هي إحدى المقولات الهامة في هذا العصر وهي استنتاج عملي لحل إشكالية الواقع الهندي. وبعض الحركات الإسلامية ترفض هذا الكلام كلياً وهي الحركات الإسلامية الحزبية التي اعتمدت على طروحات سيد قطب والمودودي وسعيد حوى وغيرهم من المنظرين الذين لا يعيشون الواقع ويستمرون في أفكار مثالية ما أدى إلى صدور الكثير من الكتب عن فشل الإسلام السياسي في محاولات غير ناضجة في أفغانستان والسودان والجزائر وغيرها.

ومن خلال النصوص القرآنية والنبوية الكثيرة، والمستمرة من تحليل تاريخي متوضع على الواقع أجد أن الإسلاميين يعيشون في حالة من عدم التوازن وذلك بسبب بعض طروحات جاهلية القرن العشرين لمحمد قطب ومعالم الطريق لسيد قطب والاختراق الأمريكي للحركات الإسلامية ودعمها أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي فتشكلت فصائل مقاتلة لم تكن موجودة في منتصف القرن العشرين.

وبعد الثورة الإيرانية التي حاولت أن تصدر الثورة إلى بعض الحركات والفصائل الإسلامية تزايدت أعداد المعارضة الإسلامية للدول العربية الإسلامية واستغلوا الصحوة الإسلامية. وتنامي السلفية الإسلامية المدعومة من بعض الدول الغنية كل هذا وبدعم أمريكي واحتضان أوربي لإيجاد حالة من الفوضى في العالم العربي والإسلامي، ولأسباب متعددة لم تستطع الدول العربية والإسلامية احتضان هذه الصحوة وتوجيهها توجيهاً علمياً لتنامي الوعي وإشراكها في النهضة والإصلاح فعم الخطاب الديني المتعصب واللاواعي، ولم ينجح الخطاب الإسلامي الوسطي المعتدل الواعي حتى أحداث 11/ أيلول حيث بدأ العالم العربي والإسلامي يستقطب المعتدلين الذين لا يؤمنون بالعنف كوسيلة للإصلاح.

وفي نهاية المطاف نجد أن الدين يجب أن يكون المنظومة الفكرية والروحية والأخلاقية المهيمنة على الدولة وهو الناظم لسلوك السلطة ونرى القيم العليا لمقاصد الشريعة في تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة والمشاركة للشرائح المتعددة في المجتمع ولكن ضمن مقولة الحديث النبوي القائل (أنتم اعلم بشؤون دنياكم) فالدولة والسلطة الحاكمة هي شأن دنيوي لم يحدد الإسلام شكل الحكم، وآلياته وإنما أراد تحقيق مقاصد كبرى سامية فالخلافة، أو الملك أو الجمهورية أو النظام الرئاسي أو غيره كل قابلة للحركة الاجتماعية عبر التداول المعرفي وما أجمعت عليه الأمة عبر ديمقراطية حقيقية شعبية والديمقراطية المباشرة هي أعلى نتاج للديمقراطية وقد طرحها الفلاسفة الألمان وكانت في بدايتها في أثينا وهي تنطبق على نظام الشورى في الإسلام.

والمشروع العلماني الذي ينادي به العديد من شرائح المجتمع لابد من التحفظ فيه على العديد من النقاط التي تصطدم مع المنظومة القرآنية والنبوية مع الخصوصية لبعض البلدان كالهند ولبنان وبعض الدول الإفريقية، وتجربة الثورة الإيرانية في تشكيل هيئة عليا لمراقبة تنفيذ الدستور من كبار العلماء ورجال القانون وعلماء الاجتماع والمثقفين وعلماء الدين لهي الوسيلة الضابطة للحركة التشريعية والتنفيذية والقضائية لتحقيق الغايات العظمى في الحق والعدل والمساواة.

* باحث ومفكر إسلامي