كيف تتشكل هوية الجماعات

العدد 6 كانون الأول 2005 : ترجمة وإعداد: الدكتورة ماري شهرستان
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

بحث لـ ادمون مارك ليبيانسكي, استاذ محاضر في علم النفس في جامعة باريس- نانتير.

تبنى هوية الفرد جزئياً بالجماعات التي ينتمي إليها. لكن كيف تصيغ الجماعات هويتها الخاصة بها؟

كان عالم الاجتماع الأمريكي "جورج ميد" من الأوائل الذين طرحوا فكرة ان الوعي للذات ليس إنتاجاً فردياً صرفاً, لكنه ينتج عن مجموع تفاعلات اجتماعية يكون الفرد منغمساً ومشبعاً فيها1. فبرأيه, كل واحد يرى هويته بتبني وجهة نظر الآخرين ووجهة نظر المجتمع الذي ينتمي إليه. الشعور بالهوية ليس معطية أولية في الوعي الفردي, بل حصيلة آلية اجتماعية تتداخل خلال كل فترة الطفولة. فاكتساب اللغة يؤدي بالطفل إلى تعيين نفسه باسمه, ثم يقول "أنا". وممارسة الألعاب تعلمه أخذ الأدوار وتحمّل هويات جاهزة تماماً. إنها القواعد التي ترسخها وتثبتها العائلة والمدرسة والاصدقاء, هي التي تشكل قيم كل فرد.

اما المحلل النفسي والباحث في علم الانسان "إريك إركسون" الامريكي الاصل, فقد طوَّر منظوراً مقارناً عندما بيّن ان الهوية الشخصية تنشا من تفاعل بين الآليات النفسية والعوامل الاجتماعية2. فمن جهة, ينتج الشعور بالانتماء عن ميل الشخص لإقامة استمرارية في تجربة شخصيته ذاتها. ومن جهة أخرى, من الواضح ان الشعور بالانتماء يستند إلى التماثل مع نماذج تقدمها مجموعات ابتدائية ينتمي إليها الفرد.

والتماثل هو شأن متبادل:

فالمتحد يعترف بالفرد على أنه أحد أعضائه, والفرد يعترف بنماذج التماثل وبالنماذج الأصلية المحتذى بها والتي يقيمها المتحد؛ وهي متجسدة بواسطة الشخصيات التي لها شهرة وتُقدَّم كمثال يُحتذى لأعضاء المجموعة.

وهكذا يدين الفرد نفسه على ضوء ما يكتشفه بالآخرين الذين يدينونه بالمقارنة بهم وبواسطة نموذجية تكون بنظرهم هامة ولها مغزى.

في هذه الآلية, تلعب المتحدات كمجموعات ابتدائية, دوراً هاماً: ففي وسط العائلة والقرية, والحي, ومجموعة الرفقاء, إلخ, تتم عملية التكيّف الاجتماعي بالنسبة إلى الطفل.

وقد اثبت التحليل النفسي ان هذا التماثل الطفولي له فعل دائم في بناء الشخصية وفي تكوين "الأنا - المثالي ومثال- الأنا". كلاهما يعملان على استبطان النظم والقيَم والمثاليات العائلية والاجتماعية. وعلى ذكر "مثال - الأنا" كان فرويد نفسه قد علّق قائلاً:

"عدا جانبه الفردي, هذا المثالي له جانب اجتماعي: إنه كذلك, المثالي المشترك للعائلة والصف والأمة".

مجموع ديناميكي

لقد جذب هذا المجال في بحث الهوية الانتروبولوجيين المهتمين بعلم الاجتماع وبالاثنيات. فقد اقترح ابرام كاردينر اطلاق اسم "الشخصية الأساس" على مجموع السمات السايكولوجية الثابتة والمشتركة بين اعضاء متحد ٍ ما وحيث نفترض انه حاصل من تأثير المؤسسات الأولية على الطفل (عناية, تربية, قمع جنسي ...)3

وقد اقترح بيير بورديو فكرة المظهر العام لمعرفة "هذا النظام في التصرفات الدائمة والقابلة للتغيير, والذي يضم كل التجارب السابقة, ويعمل في كل وقت مثل رحم للإدراكات الحسّية, والآراء, والأفعال"4؛ هذا المظهر العام هو مشترك بين جميع أعضاء المجموعة الذين لهم عموماً نمط التجربة نفسه.

لقد جهدت سايكولوجيا التطوّر والسايكولوجيا الاجتماعية لتعميق سيرورة التفاعل بين ابعاد الشخصية الاجتماعية للهوية.

لقد اقترح بيير تاب فكرة التفاعل البنائي بين الشخص وبين المؤسسات5. تلقي هذه الفكرة الضوء على آليات وسيرورة التماثل والاستبطان للنماذج الاجتماعية, مؤكدة في الوقت نفسه ان الموضوع ليس الإشباع الميكانيكي والأحادي الجانب للفرد في بيئته. وإذا كان هنالك عملية تكيف اجتماعي للفرد داخل المجموعة, لكن يوجد ايضاً عملية "تمايز" وهي سيرورة يتمايز بها الفرد عن الآخرين ويتخلّق بصفات ٍ خاصة به, ويحاول ان يؤثر بمشاريعه على محيطه الاجتماعي.

فالهوية الاجتماعية لا تظهر إذاً على أنها انعكاس بسيط أو تجاور وتجميع في ضمير الفرد وانتمائه وفي أدواره الاجتماعية: إنها كلٌ ديناميكي (نشيط فعال) حيث تتفاعل جميع عناصره في تكاملية او في صراع. وهي تنتج عن "استراتيجيات انتمائية" يحاول الفرد من خلالها الدفاع عن وجوده ورؤيته الاجتماعية, ودمجه في المتحد, وفي الوقت نفسه يقوِّم ذاته ويبحث عن تماسكه المنطقي الخاص به.

تشخيص المجموعة

إذا كانت الهوية الشخصية تستند إلى الاستبطان الاجتماعي, فبالتبادل تتهيأ الهوية الجماعية أيضاً بانعكاس الخواص والصفات الفردية على المجموعة. فمن الشائع مثلاً ان نسمع رجال السياسة يؤكدون: "فرنسا تعتقد... فرنسا تشعر... فرنسا تريد" باسطين رأيهم على المجموع؟... نجد هذا النهج واضحاً عند ميشوليه حين يؤكد أن "فرنسا هي شخص" فعندما نشخِّص المتحد, نصفه ببعض خصائص الفرد البشري:

وحدة, تماسك, استمرارية في الزمن, إلخ.

إن تجسيد المجموعة يقوي انتماء الفرد إليها. فالمشاركة, والانتساب إلى المزايا, والإرث والقوة السياسية, والاقتصادية, أو الثقافية للمجموعة, تشجع نرجسيته.

وكما لاحظ فرويد بنفسه: "ليست الطبقات الخاصة التي تتمتع بالامتيازات هي التي تنعم وحدها بمزايا هذه الثقافة, بل أيضاً المقموعين يستطيعون المشاركة في حق ازدراء الذين لا ينتمون إلى ثقافتهم, حيث يعوضونهم بالإجحاف المُمارس بحقهم داخل مجموعتهم نفسها."6

لقد دلَّ علم النفس الاجتماعي ان هناك ميل عام لتثمين المجموعة التي ننتمي إليها ولبخس المجموعة الغريبة التي لا ننتمي إليها كلما سمحت الظروف بذلك.

ينشِّط هذا الميل "روح المجموع" والانتماء إلى المتحد, مكوناً بذلك وسيلة هامة لتقوية تماسكه وقدرته (نشاهد ذلك اليوم مثلاً في تطوير هوية وثقافة المشروع). فهوية المجموعة هي إذاً رمز وتجسيد اجتماعي مبني, ومتعلق بالاسطورة والعقيدة أكثر منه طابع لواقع موضوعي. انه تجسيدٌ وإبرازٌ, تصوِّر من خلاله مجموعة ما وحدتها بالتمايز عن الآخرين, وتشكل فئة متماثلة محققة ذاتها, وتصنيفها وتمايزها, وحيث يتم ذلك بوجودها ذاته. كما يوجد "صراع التصانيف" تبحث من خلاله المجموعات عن قبول وإبراز هويتها أو رفض ما يُنسَب اليها.

فتثبيت الهوية ليس فقط اظهار وانعكاس الوحدة الثقافية والاجتماعية لمجموعة ما بل ايضاً احدى الوسائل التي تحاول المجموعة ان تبني وحدتها بها. هذا المقدس المحرك يقترح على اعضائه صورة مجموع موحَّد متجاوزاً التنوعات الحقيقية.

فالهوية ليست اذاً اساس وحدة المجموعة؛ هي حاصل سيرورة وتتابع التماثل والتمايز الذي تسعى المجموعة من خلاله إلى تأسيس تماسكها وابراز موقفها بالنسبة لمجموعات اخرى.

تجمع وتناقض

كل هوية تُبنى وتُحدَّد بالنسبة إلى هويات ٍ اخرى. هذه العلاقة مصنوعة من حركات استيعاب وتمثل (يصبح بواسطتها الفرد او الفرد- المجتمع مماثلاً لغيره)ومن حركات تمايزية (بها يؤكد اصالته تجاه الآخرين).

لا تتواجد المجموعات الاجتماعية منعزلة ابداً. فهي تقيم علاقات مع مجموعات اخرى. وهذا ما يؤدي بالتاكيد إلى وعي تمايزها, لكنها تقيم ايضاً مبادلات واستعارات وتحولات الهويات الجماعية هي سيرورات اجتماعية ديناميكية وفي تطوّر مستمر حيث تبنى بالتجمع والتناقض فالى جانب الاختلافات الناجمة عن البعد هناك اختلافات ناجمة عن القرب: "رغبة في التناقض والتمايز وتحقيق الذات"7

لقد اقترح جورج دوفرو بتسمية :طالتثاقف المنافس" الالية التي تستطيع المجموعات المتعارضة ان تؤثر بها على بعضها بعضاً. :

" المجتمعات الانسانية تتأثر احيانا بجيرانهاً بشكل ٍ سلبي. فتقاوم تبني غايات الجار اما بالعزلة او بتبني الوسائل التقنية نفسها التي هي للجار ذاته, وذلك لتحقيق مقاومة افضل لتبني غاياته, اما باعداد وتدبير عادات مختلفة عمداً او متعارضة تماماً مع عاداته. لكن مع ان رد الفعل على الوسائل والتقنيات الغريبة قد يبدو ايجابياً لكن رد الفعل على الاهداف والغايات هو غالباً سلبياً. "

وهكذا فنا الهوية غالباً "تُطرح عندما تتناقض" وقد يترافق العنف احياناً في بعض الحالات لتثبيت الهوية, مثل زمر الضواحي, ومجموعات مؤيدي ونصيري الرياضيين, والمتحدات الاثنية.

فالتناقض او التعارض المرتبط او الملازم لتكوين المجموعة يعبَّر عنه بنسب صفات سلبية للهوية الاخرى. ففي الواقع لا تحدد الهوية فقط بمجموع السمات الايجابية (والتي يقترحها المجموع كمثال) بل ايضاً بسمات سلبية من خلالها يتعلم الفرد مسبقاً ما يجب عليه ان يتجنبه. وبذلك تبدو الهوية نظاماً ديناميكياً حيث هو مكان ضغط بين السمات الايجابية والسمات السلبية. تتسجل هذه القطبية غالباً في العلاقات بين هويات المجموعات. الهوية السلبية التي يقذف بها الاخر (العدو, الكافر, اليهودي, الاجنبي)

تتيح بتطهير وتوحيد وتقوية المتحد, فيتخلص بذلك من العناصر المكبوتة او التي يعتبرها خطرة تهدد التماسك الاجتماعي.

كل هذه الإواليات السايكولوجية تخدم العلاقة الصميمية بين الهوية الشخصية والهوية الجماعية. انها مشتركة في تكوين معظم المجموعات, إلا انها قد تكون نشطة بشكل ٍ خاص في حال المتحدات. واليوم, تقترح المتحدات تدبيراً حيال اهتزاز المعايير الانتمائية الاوسع. وكما يشير جاك شوفالييه: "هناك حركة عامة جداً يبدو انها تدفع الفرد إلى تمييز مجموعات الانتماء الاقرب اليه على حساب التضامنات الابعد والاكثر انتشاراً.: فبينما تبدو الهوية القومية صعبة الحصر اكثر فأكثر, ويبدو أن الهوية الاوروبية تواجه صعوبات في التأصل, نجد الهويات المحلية تشهد نهضة مذهلة. " 8 احدى تحديات مجتماعاتنا المعاصرة هي تشجيع وتنظيم تمفصل بين التجذر في المتحدات حيث يجد الفرد سد حاجاته الانتمائية والعاطفية وبين الانتماء إلى تجمعات واسعة ذات نمط تعاقدي تستجيب لمنطق العقل.

تعاريف

المتحد والجماعة

للمتحد مفهومان رئيسيان: يمكن اولاً ان يعني تجمعاً اجتماعياً محلياً مكوناً من عائلات تسكن الارض الجغرافية نفسها وتتشارك في الثقافة نفسها مثل: القبيلة, القرية, المدينة... ثانياً, يعني شكلاً تجمعياً ضيقاً فيه روابط وظيفية شخصية وعاطفية بين أعضائه ويكون الاعتماد المتبادل عميقاً جداً مثل: العائلة, المذهب الديني, متحدات حياة او متحدات انتاج. اما مفهوم الجماعة او المجموعة, فهو مفهوم اكثر ضبابية. يمكن للجماعة الا تكون سوى مجموعة أفراد لهم خصائص مشتركة. فنقول: الشباب, الكادرات, النساء, والهيئات الاجتماعية, وتكون مرادف لكلمة فئة او نوع.

وفي تحديد ٍ ادق, يعطي القاموس الكبير لعلم النفس (لاروس) معنيين لكلمة مجموعة: المعنى الأول: "مجموعة اشخاص مؤلفة بحسب معيار موضوعي و\او ذاتي, منتقى او مفروض من الخارج ويامر علاقاتهم (...)"

والمعنى الثاني:

"تجمع أفراد مبني على تفاعل متبادل وفي داخله تنشا علاقات تؤدي إلى الدمج".

تظهر فكرة العلاقة في هذين التعريفين مهمة جداً وتجعل من المجموعة حالة أكثر من فئة أو من نوع. يميّز ديديه آنزيو خمسة أشكال من المجموعات:

جمهور او (جمع), زمرة, تكتل, جماعة أولية وجماعة ثانوية.

ادخل العالم الامريكي شارل كولي التمييز بين الجماعات الأولية والجماعات الثانوية عام 1909, واصبح بعد ذلك تقليدياً.

الجماعة الأولية هي الجماعة المحددة المحصورة والثابتة والمتميزة بحياة مشتركة وعلاقات شخصية حميمية بين اعضائها. مثال: العائلة. والجماعة الأولية هي متحد في المفهوم الثاني للكلمة.

الجماعة الثانوية هي مجموعة تكون فيها العلاقات بين الأفراد تعاقدية ومبررة بهدف معيّن ومحدّد, وهي علاقات شكلية ووظيفية مثال: مشروع, إدارة, حزب, جمعية.

فتكون إذاً جماعة ثانوية مرادف لمنظمة.

على المجموعات الأولية والمجموعات الثانوية ان تقدم بنى وظيفية مكونة من قيم ونظم وقواعد وتوزِّع ادواراً تُصنَع منها المؤسسات.

هناك تمييز آخر, وهو تقليدي أيضاً, إنه التمييز بين مجموعة الانتماء ومجموعة المرجعية. مجموعة الانتماء هي التي ينتمي إليها الفرد بشكل فعلي, اما مجموعة المرجعية فهي التي تعطي الفرد قيَمَه وضوابطه, وانماط مواقفه, وآراءه, وسلوكياته. قد تكون مجموعة الانتماء هي نفسها مجموعة المرجعية, وقد تكون مجموعة لا يكون الفرد منها, لكنه يتماثل بها (قد يتماثل المستعمَر مع المستعمِر فيتبنى قيمه وضوابطه وانماط سلوكياته).

لقد ميّز وحلل علم النفس الاجتماعي العلاقات بين الهوية الاجتماعية وبين الانتساب إلى الجماعة9, فيمكن لنا ان نميّز جماعات الانتماء من جماعات المرجعية. فقد دلت ابحاث تاجفل وترنر ان الافراد يميلون إلى بناء هويتهم الاجتماعية انطلاقاً من معطيتين, فهم يبحثون عادة عن هوية اجتماعية إيجابية مبنية على مقارنات جيدة يمكن ان تُنفَّذ داخل مجموعات انتماءتهم وبعض مجموعات مرجعياتهم. فعندما لا تحقق مجموعة الانتماء تقييماً إيجابياً, يحاول الافراد مغادرة مجموعتهم أو جعلها اكثر إيجابية. يقدم "جورج آلبورت" مثالاً عن قس من اصول أرمنية كان قد قطن في مدينة صغيرة في الولايات المتحدة الامريكية. فنظر غليه السكان على أنه أرمني. ومع ان مرجعياته هي العائلة والكنيسة والمتحد الذي يعيش فيه, اكثر من اصوله. ففي واقع الأمر, أعادته نظرة السكان إلى جماعة انتمائه الإثني. وكان من الصعب ان يبني لنفسه هوية اجتماعية إيجابية ومتماسكة.

مراجع :

1 - الذهن, الذات, والمجتمع 1934 , ترجمة فرنسية 1963 Puf. 2 إريكسون: "المراهقة وازمة البحث عن الهوية" ترجمة فرنسية: فلاماريون 1972. 3 كاردينر,: "الفرد في مجتمعه" غاليمار 1969. 4 كاميليري وآل, "استراتيجيات انتمائية, بوف 1989. 5 بيير تاب, "مجتمع بيكماليون", دونو 1988. 6 فرويد, :"مستقبل وهم" بوف, 1971. 7 ليفي شتراوس, "عرق وتاريخ", غونتييه 1968. 8 ج. شوفالييه, "الهوية السياسية", بوف, 1994. 9 دواز, " تجارب بين الجماعات" موتون 1979.