العدد الرابع والثلاثون - تموز

القومية والطائفية

سركيس ابو زيد
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 
New Page 1

مع تراجع الفكر القومي برزت الطائفية كظاهرة سياسية تفتت المجتمع، الى جانب اخواتها المذهبية والقبلية والعائلية والاثنية وغيرها من الجماعات. فهل العلمانية هي البديل أم القومية ام دولة المواطنة؟ هنا محاولة للاجابة على هذا السؤال.

الدين لجهة الإيمان والمعتقد ليس موضوع هذه المقالة. إما الطائفية وهي نسبة إلى الطوائف فهي جماعات دينية تتبدى في المجتمع من خلال ممارستها وشعائرها ومنافعها وعصبيتها بعيدا من المقدسات واللاهوت وعلم الكلام.

والطائفية بهذا المعنى هي كل مجموعة ذات خلفية دينية لها دور أو فعل داخل المجتمع وهدفها امتلاك نفوذ وممارسة سلطة وهي تطابق وتشمل المذاهب والملل والفرق والمدارس التي تستغل الدين من أجل أداء دور سياسي في المجتمع والدولة.

استعملت الطائفية أساسا لوصف الصراعات الدينية بين المسيحيين والمسلمين. وفي هذا البحث سنعتمدها اختصارا للدلالة على الصراعات الدينية بين المذاهب الإسلامية والمسيحية أيضا وعلى الخلافات والفتن والاقتتال بين هذه الجماعات في الدين الواحد والأديان المختلفة على خلفية دينية وهدف سياسي.

الطوائف وأخواتها هي من مؤسسات المجتمع الأهلي الطبيعية.

المقصود بالطائفية ومشتقاتها في هذا المجال هي كل نزعة سلطوية وعصبية وفئوية تستغل الدين من اجل التعبئة والنفوذ وبالتالي هي بعيدة من القيم الروحانية والمثل الدينية وتعاليمها لأنها نوع من التحزب السياسي لأغراض دنيوية وهي تسخر الدين وتستغله من اجل تحقيق أهدافها وبرامجها الخاصة.

مفهوم الطائفية يكشف عن وجهين متضادين

الأول إيجابي يعد الطائفية ميلاً فطرياً للإنسان إلى الطائفة التي يتفق معها عقائديا ومذهبيا وعرقيا وجغرافيا.

الثاني سلبي يرتبط بالتعصب الطائفي وما ينجم عنه من أوهام وانحراف تضاف إليه تأثيرات خارجية مرتبطة بمصالح خاصة. ويعمق هذا الاتجاه الشحن والتوتر الطائفي وما يرافقه من إلغاء الآخر فتحول الطائفية إلى شكل من أشكال العنصرية. ومن أخطار تداعياته تنامي ظاهرة التكفير والاستخفاف بدم الآخر وممتلكاته ومقدساته.

إن للانقسام المذهبي والطائفي وحدته أسباباً موضوعية تاريخية في الواقع الاجتماعي، يضاف إليه دور السلطات السياسية واستغلاله وتحويله إلى مصالحها في الحكم وتوظيفه في مشروعها للحفاظ على سلطة أو للوصول إلى سلطة، ما أدى إلى تأجيج النزاعات الطائفية ومحاولة حرف مسار التاريخ. ولقد اتخذ النزاع الطائفي أشكالا مختلفة كما الحروب وأعمال العنف وما يواكبها من فتاوى واجتهادات جعلت الطائفية السياسية وظيفة لها إيديولوجيتها ودعايتها من كتب ومجلات ووسائل إعلام، فأصبحت سمة تطبع الأحزاب والحركات والأنظمة أيضاً.

بعد وفاة الرسول بدأت بوادر الانقسام تظهر بين المسلمين على الخلافة وقد استشف الرسول هذه الخلافات وقال: افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة. وتفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة**.

ظهرت الطوائف والفرق نتيجة الآراء والمواقف المتباينة والمختلفة حيث اختلطت فيها المفاهيم الفكرية والسياسية. يقول الإمام علي: فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا على الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب أمامهم.

وعلى الرغم من المحاولات للم الصدع والحيلولة دون اتساع رقعة الشقاق والخلاف، تعمق الانقسام وتوسع وذلك بسبب تضارب المصالح والأهواء وفاعلية الفئوية والتفسيرات المختلفة والاجتهادات الخاصة التي انتقلت من الحيز النظري إلى المجال العملي وأضحت عصبيات عمياء واقتتالاً وفتناً تركزت على قضية الخلافة وهي نقطة الخلاف المركزية وانقسم المسلمون بين اتجاهات غالت في العداء كما غالت في الولاء. وبرغم دعوات الإمام علي إياكم والفرقة، كانت حدة المنازعات أقوى فسوغت الطوائفية في السياسة في الإسلام وتحولت إلى مذهبية عدائية.

لم يكن ظهور الفرق والمذاهب في الإسلام فجائيا أو منطلقا من فراغ، بل له خلفيات وأرضية مناسبة وعوامل واقعية مشدودة إلى ساحة الخلافات الفكرية والسياسية معا، وما زاد الهوة حاجة المسلمين إلى سد فراغ المجالين الكلامي والفقهي  في بلورة تكليفهم الشرعي ما حمل الفقهاء والمتكلمين على بلورة أفكار متباينة تلائم حاجة الحكام إلى اتجاهات اشتراعية تناقض الاتجاهات التي تخالفهم فكريا وسياسيا من أجل توفير غطاء ديني يدعم ممارساتهم السياسية ما أدى إلى بناء كيان طائفي مستقل محوره الفرق والمذاهب وهي عديدة في تاريخ الإسلام.

وكان انتشار بعض المذاهب وزوال أخرى له أيضاً عوامل موضوعية وأسباب تاريخية، أهمها دور السلطات الحاكمة في دعمها أو محاربتها.

ومن هنا فالطائفية غير مذهبية، فليس ضرورياً أن يكون الطائفي متديناً أو ملتزماً دينياً ومذهبياً، على العكس من المذهبي، الذي يفترض به التقيد بقواعد مذهبه فكرياً وسلوكياً. ومن الممكن أن يكون المذهبي طائفياً أيضاً، حينها تكون لديه الطائفية في بعدها الاجتماعي والإنساني والسياسي هي المذهب عينه في بعده العقيدي والفقهي والطقوسي. وتنشأ بين الطائفي غير المتدين والطائفي المتدين مساحة من الانسجام الخطير الذي لا يتردد في الفتك بالآخر الطائفي بكل الوسائل المتاحة.

تغذت المسألة الطائفية مع التدخل الأجنبي وفق سياسة فرّق تسد والذي شن حرباً استباقية لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد يكوّن الخطر الوحيد على مستقبل أوروبا وهذا ما يؤكده المبشر لورانس براون: يجب ان يبقى المسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير وقد عزز هذه المخاوف نظرية صراع الحضارات ما استوجب وضع خطة من أجل تأجيج الصراع الطائفي والصراعات الفئوية على أنواعها من أجل تعميق الانقسامات والتجزئة في العالم الإسلامي فتحولت الطائفية وأخواتها إلى نظام تقسيم وفتنة ضد القومية وكل اتجاه وحدوي.

الطائفية السياسية أصبحت نظاماً شمولياً يعم البني السياسية والاجتماعية والثقافية. ليست الطائفية مجرد عواطف ومشاعر تمتّ إلى البنية الفوقية وتزول بسهولة بمجرد حصول تعديل أو تغيير أو إصلاح في البنية التحتية، كما يدّعي البعض. الطائفية - كالقبلية والعشائرية والعائلية والمذهبية والعرقية وغيرها من العصبيات الجزئية - هي جزء أساسي من بنية المجتمع وتاريخه وواقعه. الطائفية نمت وترسخت استناداً إلى بنية تحتية تجذرها في الواقع وتستمد قوتها من مناطق سكنية مغلقة لها أو تهيمن عليها ومن خلال مؤسسات اقتصادية وصحية وثقافية واجتماعية وغيرها، تحتكرها في العضوية والأهداف التي تعمل لها ومن خلال شبكة الخدمات والمنافع والحماية والأمان، التي توفرها إضافةً إلى السلطة المحلية والسلطة المركزية التي تشارك فيها.

الطائفية هي وسيلة لحماية سلطة أو طريق للوصول إلى السلطة، لذلك هي جزء أساسي من بنية السلطة والمجتمع إضافةً إلى سلوك ومشاعر وعواطف وعادات وتقاليد وثقافة الفرد الذي ينتمي إليها. لذلك، مواجهة الفكر القومي للطائفية ليست في طرح العلمنة فقط وكأن العلمانية هي بديل من الطائفية، التي يمكن إلغاؤها بمجرد قيام نظام علماني. فالتجربة السوفياتية وتجربة الأنظمة القومية العربية في مصر والعراق دلت على أن الطائفية لا تزال بقيام نظام علماني أو الحادي أو قومي فقط، بل تتطلب تغييرات شاملة في الدولة والمجتمع  والإنسان من ضمن رؤية قومية اجتماعية تضمن الديمقراطية والعلمانية معاً.

بهذا المعنى، العلمانية هي بديل جزئي من الطائفية السياسية، وما دامت الطائفة ظاهرة كلّية تشمل النطاق السياسي والنظام الاقتصادي التربوي الثقافي. لذلك، البديل من الطائفية هو عقيدة تتضمن نقداً أو رفضاً للمفاهيم الدينية التي تتحدر منها الطائفية وأن تقدم مفهوماً اجتماعياً جديداً لتركيب المجتمع وتطوره يصح أساساً لإستراتيجية عملية قادرة على مواجهة النظام الطائفي بكل أبعاده . حتى يتمكن الفكر القومي من مواجهة الطائفية، لا بد من تغليب رابطة المواطنة والولاء للدولة وتغليب المصلحة القومية العليا على رابطة الانتماءات المحلّية.

وفي هذا المجال يمكن التمييز بين الانتماء والولاء فالانتماء، شأن حيوي متحرك متعدد طبيعي يغني وينمي الثقافة على أن تبقى ضمن إطار المستوى المحلّي الذي يغني الثقافة القومية العامة ولا يلغيها. أما الولاء فيجب أن يكون مقصوراً على الدولة التي تعبّر عن المصلحة القومية وتعمل من أجل وحدتها ونهضتها وعزّتها.

يجب أن نميز بين الطائفية الدينية والطائفية السياسية الإدارية. فالطوائف الدينية واقع قديم متصل بالفروق بين الأديان السماوية وبالانقسامات داخل كل دين، وهي مرتبطة أشد الارتباط بالأوضاع السياسية وبالصراع على السلطة.

وفي ظروف الانحطاط والتخلف، يصبح الانتماء الطائفي ولاءً لكيان طائفي خاص أنتج شعوراً طائفياً وتغليباً للولاء الطائفي على كل ولاء جامع، يضاف إليه امتداد الطوائف في غير دولة وكيان سياسي، ما أدى إلى تداخل المصالح والاستقراء بخارج الكيان. وأصبح للطائفة سياسة خارجية متداخلة في مصالح الدول الإقليمية والدولية ونفوذها ما جعل الطائفية قوة سياسية بما لها من نفوذ داخلي وإقليمي ودولي يمكن استغلالها في مواجهة الفكر القومي والمصالح القومية العليا على حساب الولاء القومي والولاء للدولة.

وهكذا، ارتبطت مصالح الإقطاعية والرأسمالية والنفوذ الأجنبي بالواقع الطائفي. فغدت الطائفية وسيلة ونتيجة. فهي وسيلة استعملها الإقطاعيون والحكّام والعثمانيون ودول الغرب وإسرائيل أحياناً لإثارة الفتنة ومحاربة القومية. وكانت الطائفية في الوقت نفسه نتيجة لنفوذ الطبقات الحاكمة والاستعمار من أجل تأجيجها وبلورة كيانها وتعميق نفوذها وتجذيرها داخل المجتمع.

وقد استمدت الطائفية قوتها من تفكك دورة الحياة الاقتصادية الاجتماعية داخل الدولة القطرية وعلى امتداد العالم العربي، وذلك نتيجة التخلف والاقتصاد المخلع وغياب السوق الاجتماعية، فتكيفت الرأسمالية والبنى الاقتصادية الريعية مع الواقع الطائفي وكرسته.

ففي لبنان أخفق النظام الرأسمالي في دمج الطوائف في حركة اجتماعية موحدة، فبرزت مؤسسات اقتصادية طائفية كالمصارف والشركات ومؤسسات صحية وخدماتية واجتماعية وأهلية للطوائف.

نجحت الطائفية في لبنان في أن تكرّس كظاهرة اجتماعية لها جذور تاريخية عميقة تغذيها على جميع المستويات مرتكزات دستورية وقانونية وأسس اقتصادية وسياسية عامة متناقضة، ما جعل الطائفية إيديولوجية الدولة والبنية السياسية الأساسية لها.

وهكذا أصبحت الطائفية جماعة مغلقة تستمد قوتها في تنظيمها الداخلي ووظيفتها العامة في التربية والصحة والثقافة على حساب مؤسسات الدولة.

ونجحت الطائفية في التغلب على الفرز الطبقي الذي لم يتمكن دائماً من خرق وحدة الطائفة المغلقة على عصبيتها ودورها ووظيفتها، نتيجة استمرار البنى الاقتصادية الاجتماعية ما قبل الرأسمالية وما قبل سيطرة الدولة القومية الاجتماعية.

كذلك نجحت الطائفية خصوصاً في لبنان بتأسيس أحزاب وحركات سياسية مخصوصة بها، ما وضع الأحزاب القومية في حالة حرج وعزلة، خصوصاً أبان استنفار العصبيات الطائفية والمذهبية، كما الحال في لبنان وبعض دول المنطقة.

الطائفيةُ وأخواتُهاَ ليستْ كتلةً تاريخيةً متماسكةً عبرَ الزمنِ. في حالاتِ الحروبِ والاستنفارِ الغرائزيّ تتمكنُ السلطةُ الطائفية الدينيةُ والسياسيةُ من استنفارِ جمهورِها وتعبئةِ عناصِرها وطمسٍ مؤقتٍ للتناقضاتِ الموجودةِ في داخِلها.

بينما العلمانية مدعوةٌ إلى دراسةِ الطائفيةِ في ظرفِها الاجتماعي، وفي بنيتِها الداخليةِ ما يظهرُ التناقضاتَ الذاتيةَ السياسيةَ والطبقيةَ والعائليةَ وغيرها، لذلك من أخطرِ المقولاتِ التي سادتْ في الحربِ الأهليةِ اللبنانيةِ مقولةُ الطائفةِ السياسيةِ أو الطائفةِ الطبقةِ والتي كانتِ تنظرُ إلى الطوائفِ في لبنان وكأنها كلٌّ متماسكٌ في اِتجاه انعزالي أو وطني واحد حسب موقعها، بينما الغوص في أعماق الطوائف يظهر التباين والتناقض الذي يساعد على إخراج الطائفة من انغلاقها وكنتونها.

حاولت القومية العربية أن تتصالح مع الفكر الديني الإسلامي ولم تهتم بشكل جدي بالفكر الديني المسيحي، بينما في الواقع يجب اعتبار الإسلام والمسيحية جزءاً من التراث القومي ما دامت المسيحية انطلقت من الأرض العربية وكذلك الإسلام. وهذا ما حدا رئيساً قومياً عربياً هو العقيد معمر القذافي على دعوة المسيحيين إلى اعتناق الإسلام، لأنه لم يستطع أن يتصور أن المسيحيين العرب يمكن أن يكونوا قوميين من دون أن يشهروا إسلامهم.

هذه الغربة بين هذا المفهوم من القومية والمسيحيين، خاصة في المشرق العربي، ساعدت إلى جانب أسباب أخرى على هجرة المسيحيين من فلسطين والعراق ولبنان، ما يخدم بطريقة غير مباشرة المخطط الصهيوني الذي يعمل على تشجيع هجرة المسيحيين وتحويل الصراع في المنطقة من صراع قومي ضد المشروع الصهيوني إلى صراع ديني بين الإسلام وما تسميه خطأ الحضارة المسيحية اليهودية.. وهذا ما يوفر لإسرائيل غطاء دينياً وحضارياً في الغرب.

هذا المفهوم للقومية العربية جعل بعض المسيحيين يعتبرون أن القومية العربية هي شكل آخر من الإسلام.

العلمانية ليست وحدها الحل بين رجال الدين والكنيسة من جهة، والدولة والحركات السياسية من جهة أخرى كما ظهر ذلك في الغرب، وليست حلاً بين المسيحية والإسلام كما حاول أن يفسرها البعض في العالم العربي، وليست أيضاً حلاً للصراعات المذهبية الإسلامية كما يدعو بعض اليساريين. حل المسألة الطائفية، والتي أصبحت إيديولوجيا شمولية، يبدأ بالقومية نفسها لأن المطلوب تغليب الولاء القومي على الولاء الطائفي ومشتقاته. لذلك يجب أن تكون القومية واضحة وصريحة في تمايزها عن السلطة الدينية وإلا سوف تستغل الحركات الدينية المشاعر القومية وتحرفها عن مسارها باتجاه الطائفية والمذهبية.

التمييز الواضح بين القومية والدين لا ينفي إمكانية وضرورة إبداع تسوية تاريخية أو عقد اجتماعي بين القوى السياسية القومية والدينية المتعددة حول مفهوم الدولة وبناء نظام ديمقراطي على قاعدة المواطنة.