ثنائية المقاومة والحوار

العدد 6 كانون الأول 2005 : مازن يوسف صباغ
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

في خطابه الذي ألقاه في حفل إفطار الهيئات النسائية الذي أقامته هيئة دعم المقاومة الإسلامية يوم الخميس 13 تشرين الأول (أكتوبر) في حديقة الغبيري، أكد أمين عام حزب الله سيد حسن نصر الله على وجوب احتفاظ لبنان بعناصر قوته المتمثلة في المقاومة.

وقد استعرض سيد نصر الله الخيارات المطروحة اليوم أمام الشعب اللبناني لمواجهة التحديات والتهديدات والمخاطر التي يواجهها اليوم:

الخيار الأول: وهو خيار الاستسلام الذي يدعو إليه الرئيس بوش وقد رفضه سماحته لأن هذا الخيار لا يصح لا بمنطق القيم ولا بمنطق المصالح، لأن الاستسلام يعني تسليم البلد بغض النظر عن محاولة البعض تجميل هذا الاستسلام بعبارات تحفظ ماء الوجه.

الخيار الثاني: اللجوء إلى المجتمع الدولي، وهو الخيار الذي اتبعته الحكومات العربية منذ بداية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، دون أن يوصلها إلى أي شيء. فالمجتمع الدولي عندما يتخذ القرار لا يتابعه مع إسرائيل، ولكن إذا كان القرار يتعلق بلبنان أو بأي بلد عربي أو بسلاح المقاومة فإنه يضع آلية للتنفيذ ومندوباً خاصاً.

لكن كلامه هذا يجب ألا يفهم منه الدعوة إلى مجابهة المجتمع الدولي ومحاربته ولكن إلى مناقشة هذا المجتمع ومحاورته دون الخضوع لإرادته عندما تتنافى مع القيم والمصالح الوطنية، وتساءل سماحته: لماذا من المقبول دوليا أن يكون لدى الإسرائيلي أسلحة نووية ولا يجوز أن يكون لدينا مقاومة وبعض الأسلحة المتوسطة والصواريخ؟

الخيار الثالث: خيار المفاوضات، حيث تساءل سيد نصر الله ما المنطق في أن يذهب لبنان إلى المفاوضات وليس لديه موقع قوة لأن العاقل لا يقول هكذا تخلَّ عن قوتك واذهب إلى المفاوضات. وذكر بتاريخ المفاوضات في لبنان دون عناصر القوة الذي انتج اتفاق 17 أيار سيئ الذكر.

الخيار الرابع: وهو خيار الدفاع والصمود والمقاومة، وهو الخيار الذي ينتهجه حزب الله، حيث أكد أن المقاومة تستعيد الأرض، والمقاومة تستعيد الأسرى وتحمي، والمقاومة تعمل توازن رعب الذي يتحدث عنه الإسرائيلي، هذا الخيار لا يسعى إلى توريط المنطقة وجرها إلى الحرب، فعقيدة المقاومة اليوم تختلف عن العقيدة التي سادت المقاومة الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت التي كانت قائمة على فكرة تحمية الوضع في الشرق الأوسط لتعجيل قيام حرب التحرير بين الدول العربية وإسرائيل، أما المقاومة اللبنانية اليوم فهي ليست بحاجة إلى حرب إقليمية لاستعادة الأرض كما أثبتت من خلال الانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني.

وبعد استعراض هذه الخيارات الأربعة ختم سيد نصر الله بسؤال الدولة والحكومة والقوى السياسية اللبنانية: إذا كنتم تستطيعون من خلال المجتمع الدولي والعلاقات الدولية أن تعيدوا الأرض المحتلة إلينا ومعها أسرانا فنحن نرحب بذلك، ولكن إذا لم يكن هناك من خيار لاستعادتهم إلا خيار المقاومة، فهل نتخلى عن هذا الخيار المتبقي لنا؟

ثم انتقل سيد نصر الله إلى النقطتين اللتين تثيران القلق اليوم لدى الشارع اللبناني والمتعلقتين بالمقاومة وسلاحها وهما انتماء المقاومة إلى طائفة لبنانية معينة بأغلبيتها، وقرار الحرب والسلم.

وقد أجاب سيد نصر الله حول النقطة الأولى حيث أكد مشروعية مثل هذا القلق لدى بعض الأطراف وأكد ضرورة التباحث حول الضوابط والآليات التي تثير هذا القلق؟ ما هي الأمور التي تطمئن اللبنانيين وبالتالي لا يكون هذا السلاح سبباً لقلقهم؟، وعاد إلى السيرة التاريخية للمقاومة حيث أكد أن المقاومة ليست سلطة ولا مليشيا وهي لا يمكن أن توجه سلاحها في وجه هذا الشعب، وبالتالي فلا معنى لهذا القلق.

أما المسألة المتعلقة بقرار الحرب والسلام فقد أكد سماحته أن المقاومة منذ انطلاقتها إلى اليوم كانت تقاتل بمسؤولية، ومع ذلك فهي مستعدة لأن تناقش مسألة توحيد قرار الحرب والسلم أو أن تقنع الآخرين بمصلحة الاستفادة من الهامش الذي يوفره عدم سيطرة الحكومة على المقاومة، حيث ذكر سماحته أنه عندما كانت تأتي الوفود لزيارة الحكومات اللبنانية والضغط عليها كانت هذه الحكومات ترد بأنها لا تملك السيطرة على المقاومة، وأكد أن هذا الهامش مازال موجوداً اليوم برغم اشتراك حزب الله في الحكومة اللبنانية اليوم، وأنه لا يزال من الممكن استغلال هذا الهامش.

أما في القسم الثاني من خطابه فقد انتقل سيد حسن نصر الله من الشأن الداخلي البحت إلى الانعكاسات الداخلية للوضع الإقليمي حيث أكد أن هناك مَنْ يريد أن ينقل كل التوترات والصراعات والحساسيات والأحقاد الموجودة اليوم أو التي تطفو على الساحة العراقية إلى لبنان، وأكد أن على اللبنانيين العمل على منع ذلك وعدم الانجرار إلى الفتنة بالحكمة والصبر والشجاعة والعضّ على الجراح، وشدد على أهمية الوحدة الوطنية حيث أكدت التجربة في لبنان بحسب سماحته أن الجميع فيه بحاجة إلى بعضهم البعض، ولا يستطيع أحد أن يشطب أحداً أو يلغي أحداً، البديل هو التعاون، إما أن نتقاتل وإما أن نتعاون، التقاتل لا يبني بلداً لأولادنا ولأحفادنا، التعاون هو الخيار المنطقي الطبيعي ولذلك يجب أن يكون التعاون والحوار سلوكنا الطبيعي، وسقفنا يجب أن يكون ممنوع الفتنة.

وعرج سماحته في خطابه على موضوع الفلسطينيين الموجودين في لبنان حيث قال: لا يجوز أن يتصرف أحد مع الموضوع الفلسطيني في لبنان على أنهم أعداء أو أن الفلسطينيين عامل توتر، هذا غير صحيح.. الفلسطينيون في لبنان إخواننا وأهلنا وأحباؤنا.. شعب مضطهد عانى ما لم يعانِه شعب في هذه المنطقة، وعلينا من موقع الأخوّة ومن موقع الإنسانية ومن موقع الوطنية والمصالح المشتركة أن نتعاطى مع هذا الملف بهدوء وحكمة وحرص ومسؤولية.

وكعادته دائماً كان لابد لسيد حسن نصر الله من التذكير بأهمية العلاقة بين سورية ولبنان حيث قال: لا يمكن أن يتحول لبنان إلى بلد معاير لسورية، هذه ليست هي قيم لبنان ولا مصالح لبنان، وإذا كانت من التباسات بين لبنان وسورية ومشاكل فيجب أن نعمل على معالجتها ويجب أن نفهم أن السوري أخ وصديق، ومع الأخوة والأقرباء نتعامل معهم كما نتعامل مع أبناء الوطن الواحد بروح المسؤولية وتخفيف المشاكل ومعالجتها وعدم المبالغة فيها وعدم دفعها إلى المجهول.

إن سيد حسن نصر الله قد أوضح تماماً في هذا الخطاب اعتماده ثنائية المقاومة والحوار، فكما أن بقاء سلاح المقاومة هو أمر ضروري وأساسي في لبنان اليوم لمواجهة التحديات والوصول إلى الأهداف، كذلك بقاء الدعم الشعبي وقبول جميع الأطراف واحتضانها للمقاومة هو شرط ضروري آخر لتؤدي المقاومة دورها في حماية لبنان، ومن هنا تأتي أهمية الحوار المستمر مع الجميع في لبنان، وإن أفضل تشبيه لهذا الوضع هو التشبيه ذاته الذي استخدمه سماحته حين قال: إن الإنسان إذا ما كانت يده تؤلمه وهو بحاجة إليها فهل يلجأ إلى قطعها؟ أبداً.. يحاول أن يعالج المشاكل والأمراض التي طرأت على يده.

والبداية الموفقة من قبل سيد حسن نصر الله لهذا العلاج بدأت بالاعتراف بمشروعية القلق عند الأطراف اللبنانية الأخرى من سلاح المقاومة كخطوة أولى وأساسية لإزالة هذا القلق وتبديده عن طريق الحوار والتفاهم.