العدد الرابع والثلاثون - تموز

التحية الأخيرة — من أجلك هذا القليل (1/2)

الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

عندما افتح النوافذ على أوراقي الماضية، أتنشق منها رائحة تعب وتضحيات وهموم كثيرة. وعندما اقلبها صفحة صفحة اشعر أنني قد أديت واجبي. لم أكن حجر عثرة أمام احد، أضفت ما يمليه علي عقلي وواجبي. نجاحاتي كانت صعبة، وخسائري كانت مرة. ولا اشمت بأحد أبداً، لأن الحياة، نهار وليل، شمس وفيء، وتناوب خير وشر.

لست أريد في هذه الذكريات، أن انكأ جراحاً اندملت من زمان بعيد. ولست من أولئك الذين، يرغبون بتصفية حساباتهم قبل الرحيل. أقول بصراحة، أنني أتحمل كل ما قمت به. وأنا مسؤول عن خياراتي، وعن كل ما اعتمر مسيرتي من آلام وأشواك وإنني إذ أعود إلى ذلك الماضي ليس لأغسل نفسي، وأتطهر من عذابي، إنما للعبرة، وأحياناً للتصويب.

نادراً ما قرأنا أوراقاً من الماضي، لم يكن فيها تصفية حسابات شخصية، ووضع اللوم على الآخرين، نادراً ما يسرد إنسان قصة حياته ويظهر فيها أنه مخطئ فالحق بنظر البعض الكثير على الآخرين.

ابدأ: الحق عليّ. هذه هي خياراتي، وأتحمل مسؤوليتي، ولا ينفع الندم وإنما تنفع العبرة.

كان أبي يلومني وإنما على طيبة قلبي. كان يظن أنني مبذر جداً، وأن ما أقدمه للآخرين هو غشمنة مني. لأنني طيب القلب. ومن كان طيب القلب، لقب بالغبي في عالم العلاقات الإنسانية.

اعترف، كنت أفضل هذه التهمة على البخل والنورنة، ولست نادماً على من رمى في البئر حجراً، وكانت الحجارة كثيرة، ولست عاتباً على عدم الوفاء، لأنني استعيض عن هؤلاء بالأوفياء، الذين عرفوني وعرفتهم، وبقينا معاً إلى هذه اللحظة.

لقد دفعت الكثير من رصيدي، لأنني انطلق من مبدأ إنساني: الإنسان مطبوع على الخير هو طيب في أصالته، وعندما يطلب حاجة فلأنه محتاج. قدمت الكثير وكنت أظن أن الوفاء هو بالصداقة وليس برد المعروف. لم يحصل ذلك إلا نادراً.

حالة العطاء بتجرد، أدخلتني متاعب كثيرة حتى مع عائلتي الصغيرة. كان أبي يرى أن من حولي يستغل طيبة قلبي، ويؤكد على نوايا المصالح خلف من يتقرب مني، وكنت في صراع دائم بين نصائحه وميولي الطبيعية: الحب والعطاء والمساعدة. ذات يوم قرأ علي والدي الفرمان التالي: لقد أصبحت اباً لعائلة، وان كنت غير قادر على وقف هذا النزف المستمر من العطاء، فما عليك إلا أن تشتري من السائل ما هو طالب منك. فإذا أراد استدانة ألف ليرة مثلاً فأشترها منه بـ500 ليرة، شرط أن لا يكون النصف الباقي ديناً بل هبة. ارتحت لهذا الفرمان، لأنه يلبي حاجة الطالب، ولا تشتر عداوته، لأنه لن يعيد لك ديناً تسلّفه إياه، فتخسره ويكرهك.

نفذت في مرات كثيرة هذا الفرمان. واطمأنت نفسي على أنني مضطر هنا أن أسرد أحداثاً لا اعلق عليها، برغم ما أثارت في من آلام، وما خلفته من الجراح بسبب سوء الفهم، وسوء التقدير، ولارتباطي العائلي والحزبي.

شكّلت هذه السنوات الخمس بين عودتي الأولى إلى الوطن وسفري الثاني أواخر عام 1958 اختباراً قاسياً لي، إذ تكّشفت لي حقائق كثيرة كنت اجهلها، وتراءى أمام ناظري أفراد أحببتهم واحترمتهم، فإذا بالواقع يشوّه الصورة التي تكونت في ذهني عن هؤلاء مما سبب لي آلاماًً صامتة عميقة جداً، إنما صراعي مع نفسي ومع من حولي خلل على وتيرة متصاعدة فيما أنا أتقدم في أعمالي ومسؤولياتي. وإذا بحادثة مقتل عدنان المالكي عام 1955 تغيّر كل ما كنا عليه، وتنقلنا إلى حالة جديدة، تضعضع فيها الحزب وانتقلت بعض قياداته إلى لبنان، في حين اعتقل البعض الآخر وادخل السجون الشامية. وكان لهذا الحادث الجلل دويّه في نفوسنا، فتغيرت الأحوال، وبدأت الخلافات الداخلية في الحزب تزداد يوماً بعد يوم، والاتهامات حول مقتل المالكي تهيمن على أجواء العلاقات بين أهل السلطة في الحزب. كنا، نحن الجيل الثاني بعد جيل سعاده، نتحلّق حول المسؤولين في المراكز العليا لتقصي الحالة ولما كان انتقال عبد المسيح من الشام إلى لبنان فقد نقل، بطبيعة الحال، مركز السلطة الحزبية العليا إليه. وحلّ جورج في منزل أسد الأشقر وصار يستقبلنا مداورة ويفسر لنا نتائج نتائج مقتل عدنان المالكي هذا الحادث المؤلم. كما أن غسان جديد قدم هارباً متخفياً بسبب اتهامه مباشرة وعدم صحة اشتراكه واطلاعه على مقتل المالكي. في هذه الأثناء تعرفت إلى سعيد تقي الدين، الذي دخل الحزب وكان من الناشطين جداً في المعركة الإعلامية التي خاضها الحزب في وجه السرّاج وهيمنته الناصرية على المنطقة. وكان سعيد رجل المهمات الصعبة وقد دخل الحزب وهو صاحب مكانة اجتماعية وعائلية عالية جداً، فاستقطب الكثير من الطاقات الحزبية والفكرية وأصبح قطباً من الأقطاب العاملين في سبيل التصدي لما آل إليه القوميون الاجتماعيون من تشتت وضياع جرّاء ما هو حاصل في المنطقة، وكان كميل شمعون رئيس الجمهورية آنذاك، على صداقة وعلاقة مع الكثير من المسؤولين وأهمهم أسد الأشقر الذي بدأ نجمه يتألق ومواهبه تؤهله لتسلم رئاسة الحزب. وكان عبد المسيح قد شعر أنه مطوق جداً من كل الجهات، فاتخذ لنفسه حالة الدفاع أمام هذه الموجة الصاخبة في الاتجاه العارم نحو اتهامه بالتدبير والإيحاء لاغتيال المالكي!...

انتخب المجلس الأعلى أسد الأشقر رئيساً للحزب، وطرد عبد المسيح ووقعت الواقعة: انشق الحزب وبدأ مخاض الكارثة. كنا في هيئة منفذية المتن المؤلفة من اميل رعد وبشير عبيد ونصري أبو سليمان ومني إلى جانب المؤسسات، فتجولنا في مناطق الحزب ومديرياته ودعونا القوميين الاجتماعيين لقبول سلطة المؤسسات العليا. كان الحزب في غالبيته مؤيداً لعبد المسيح، انما بعد تحرك المؤسسات الحزبية، بدأ الاتجاه يعود إلى قبول المؤسسات انطلاقاً من أن الأفراد مهما علا شأنهم تبقى المؤسسات أضمن وأفعل. إلا أن رصيد عبد المسيح أبقى عدداً من الرفقاء والأمناء إلى جانبه، واعتبر نفسه المرجع الصالح والحقيقي للاستمرار في العمل الحزبي وانشأ بدوره المجالس الحزبية وأكمل نشاطه ما جعل الحزب حزبين.

في العام 1975 جرت انتخابات نيابية، وقبل موعدها، تحرك الحزب كعادته لخوضها وكان الاتجاه في المجالس العليا، أن يدعم الحزب بعضاً من أصدقائه ومناصريه، مفضلاً عدم خوض المعارك الانتخابية بأعضائه، وبهذا يتجنب المنافسات والحساسيات بين المرشحين القوميين الاجتماعيين ويوفر الكثير من المصاريف التي سيتحملها عن مرشحيه.

لم يلاق هذا الاتجاه
-  الحل ترحيباً وقبولاً عند الأعضاء والمسؤولين في المنفذيات والمديريات، ذلك أن الصف الحزبي كان يرى أن عدم خوض المعركة الانتخابية سيخرجنا من الساحة السياسية ويتهمنا ببيع أصوات القوميين الاجتماعيين إلى الذين سننتخبهم، وحصلت تباينات عميقة في الصفوف الحزبية، فكانت الغلبة لفكرة خوض المعركة ولو خسرناها. أحدثت هذه الحالة ظرفاً دقيقاً في منطقة المتن الشمالي حيث للحزب قوة لا يستهان بها، وقد خاض انتخابات سابقة حيث اثبت وجوده كقوة هامة جداً في تقرير مصير المعركة في هذه المنطقة، فمنذ أول معركة انتخابية بعد الاستقلال وتحديداً في العام 1943 والمسؤولون الحزبيون في السجون، اتخذ الحزب في المتن مواقف انتخابية هامة، وقد لعبت شخصياً دوراً بارزاً في تلك المعركة، ولم أكن بعد قد تجاوزت الواحدة والعشرين من عمري. وكان المرشح الذي دعمه الحزب هو وديع الأشقر من عين عار، وهو عضو في الكتلة الوطنية آنذاك، إلا أنه كان متعاطفاً مع الحزب ومع قريبه بالذات أسد الأشقر، ولما كان الحزب قد اختار حينئذ الكتلة الدستورية وعلى رأسها الشيخ بشارة الخوري، الذي تألفت لائحته من سبعة عشر مرشحاً يمثلون جبل لبنان، وقفنا في حيرة من أمرنا في المتن أدت بنا إلى تأليف

لائحة مشكلة من مرشحي الكتلتين الوطنية والدستورية، ولكن كانت قوتنا تتجه لدعم مرشحي الكتلة الدستورية نظراً لعدة أسباب، منها العلاقة بين المسؤولين الحزبيين في معتقل المية ومية وبين الأستاذ كميل شمعون قريب نعمه ثابت المسؤول الحزبي الأول خلال غياب سعاده القسري، واقتناع الحزب أن حريته وعلنية عمله تؤمن من خلال دعمه لخط بشارة الخوري الذي كان يريد الاستقلال التام الناجز عن فرنسا، وعقد أفضل الصلات مع العرب وأقربهم إلى لبنان أهل الشام.

وهكذا تجاوزنا المسألة الطارئة في المتن، بأن قمنا بانتخاب أعضاء الكتلة الدستورية وأبرزهم متنياً في تلك الأيام كان المحامي اميل لحود، وأدخلنا عدة أسماء على اللائحة الدستورية وأهمها وديع الأشقر وجبرايل المر، اللذين فازا بالانتخابات عام 1943.