العدد الرابع والثلاثون - تموز

التسوية وآفاق الحل الشامل

زهير فياض
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

التسوية هي مدخل للحل، ولكنها ليست حلاً، لأنها قد تنهي مظاهر الأزمة ولكنها لا تحلها جذرياً، ولا تنهي تداعياتها وذيولها وإمكان تجدد الأزمة عند كل مفترق...

ولكنها ـ بهذا المعنى ـ تبقى أفضل من استمرار الأزمة مع ما يتركه هذا الاستمرار من انعكاسات سلبية تلقي بظلالها على مصير البلد كله...

ما حصل في الدوحة هو تسوية سياسية أو اتفاق سياسي عالج نتائج الأزمة ولكنه لم يعالج الأسباب الحقيقية الكامنة وراءها...

اتفاق الدوحة ليس دستوراً جديداً للبلاد، وليس عقداً اجتماعياً جديداً، وليس اتفاقاً حول إصلاحات سياسية واجتماعية تطال البنية الأساسية للنظام السياسي القائم، هو اتفاق حول آليات وإجراءات لتصحيح وضع الحكم القائم كانتخاب رئيس للجمهورية أو تشكيل حكومة اتحادية تضم كافة أطياف القوى السياسية اللبنانية...

اتفاق الدوحة ليس بمكانة اتفاق الطائف لأنه تسوية سياسية آنية جاءت لتعالج وضعاً شاذاً في الحكم نجم عن صراع سياسي محتدم استمر على مدى سنوات ثلاث، وأدى إلى حالة من الشلل والفراغ في مؤسسات الحكم القائمة، وكاد أن ينزلق بالبلاد إلى آتون حرب أهلية مدمرة وفتنة طائفية ومذهبية كادت أن تشتعل لولا حكمة الحكماء، وعناية القدر السياسي الذي لطف بالناس في دولة لم تعرف الاستقرار الحقيقي منذ قيامها إلى يومنا هذا...

التسوية - بهذا المعنى أيضاً ـ هي فرصة لا بد من تلقفها لتحويلها إلى منصة انطلاق باتجاه الحل الشامل في خطوة الألف ميل، وهي ـ إلى ذلك ـ فرصة حقيقية للتبصر والتمعن في قضايا ومشاكل هذا الـلبنان لوضع الأمور في نصابها الحقيقي، وتحصين هذا الاتفاق السياسي وتطويره ليرقى إلى مستوى العقد السياسي والاجتماعي الثابت في نظرته إلى مسائل أساسية لا بد من الاتفاق حولها، ليكون اللبنة الأولى التي ترتكز عليها الوحدة الوطنية الحقيقية لا الشعاراتية...

وهذه المسائل تتمحور حول هوية لبنان وعلاقته بمحيطه الطبيعي وعالمه العربي، وتحديد طبيعة هذه العلاقة، وأيضاً يتمحور جزء من هذه المسائل حول ضرورة إصلاح النظام السياسي اللبناني، ذلك أن البنية القائمة تعيق الدور الرسالي لهذا الكيان...

فلبنان الرسالة الحضارية لا يمكن أن يخطو خطوة واحدة باتجاه المستقبل مع بنية طائفية مهترئة تقوم على توازنات داخلية دقيقة تعيق حركته وفعله في تعميق وترسيخ النموذج للوحدة، وللانصهار والتلاقي والتلاحم والتفاعل البناء الايجابي...

الطائفية وهي سمة هذا النظام تمثل مرضاً مستفحلاً لا يمكن شفاؤه بالمسكنات بل بالعلاج الجذري، وبسلسلة من الإصلاحات الجدية للحد من تداعيات الحالة الطائفية المأزومة والمفتوحة على كل الاحتمالات السيئة في المستقبل...

أي اتفاق بين اللبنانيين وأي اتجاه للمصالحة الحقيقية هو اتفاق ايجابي وبناء ومرغوبٌ به، ولكن، الحاجة الحقيقية هي لأكثر من اتفاق، ولأعمق من مصالحة صورية، وألا نكون كمن يخدع نفسه ويدفن رأسه في الرمال...

وهنا، لابد من الإشارة إلى مسألة خطيرة تمثل شائبة من شوائب اتفاق الدوحة وهو إقرار التقسيمات الإدارية لقانون الانتخاب المقبل على قاعدة القضاء ودون اعتماد النسبية، بما يشكل خطوة تراجعية عن وثيقة الطائف التي قالت بالمحافظة كوحدة انتخابية مع النسبية، وهذا أمر مستغرب، ذلك أن قانون الانتخاب هو القاعدة الأساس لتشكيل السلطة، وهو أيضاً يؤدي وظيفة أخرى في كيان يعاني هذا الكم من المشكلات البنيوية لها علاقة بتعزيز الانتماء الوطني بديلاً عن كل الانتماءات الجزئية الأخرى...

من هنا، لا بد من دعوة كل القوى العلمانية الوطنية لأخذ زمام المبادرة وتفعيل الدور والعمل والنضال الدؤوب لإصلاح حقيقي وجذري يضع لبنان على سكة التطور النوعي باتجاه المستقبل..