العدد الرابع والثلاثون - تموز

المعاهدة بدل الاحتلال.. اختلاف تسمية وتكريس هيمنه

عبد الرحمن هزاع كاتب صحفي عراقي
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 صدر قرارا مجلس الأمن الدولي 1500/2003 و1511/2003 على أن الولايات المتحدة الأميركية محتلة للعراق ويترتب عليها عدم المساس بسيادة العراق وسلامته الإقليمية. وتحميل الحكومة الأميركية مسؤولية حماية العراق بوصفها دولة الاحتلال، وإن هذا الاحتلال لا ينقص من سيادة العراق.

بعد مرور خمس سنوات من الاحتلال الذي جثم على صدور العراقيين وما لحق بهم من ظلم واضطهاد وجور وما قدموه من ضحايا جراء العمليات العسكرية وأعمال العنف الطائفية الذي سعى المحتل لإذكائها بين مكوناته، تحاول إدارة بوش إبرام معاهدة سياسية وعسكرية طويلة الأمد مع الحكومة التي نصبتها عبر العملية السياسية المقيتة والمشؤومة التي قامت على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية.

إن من بين بنود هذه الاتفاقية التي يصر الرئيس بوش على توقيعها نهاية تموز يوليو القادم، الوجود العسكري الأميركي بدون تحديد لعدد القوات العسكرية وعدد القواعد التي تتمركز فيها وعدم تحديد جدول زمني لهذا التواجد والأسلحة التي تستخدمها والتي قد تكون نووية أو كيماوية وتعطي المعاهدة الحق للقوات المحتلة في تسيير دوريات في أنحاء العراق وإلقاء القبض على المواطنين والاشتباكات المسلحة ويشمل هذا المتعاقدين مع الجيش الأميركي من شركات الحماية الخاصة دون الإشارة إلى القانون الذي سيحكم نشاطات القوات المحتلة. وتتضمن التزام أميركا بالدفاع عن العراق في حالة تعرضه لعدوان خارجي وحماية السلطة الحاكمة كذلك تعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذا كله تعمل به القوات المحتلة حالياً فما هو التغيير سوى استبدال كلمة الاحتلال بمعاهدة. وأين مصلحة الشعب العراقي؟

ففي الوقت الذي أميركا هي المسؤولة عن حماية العراق والعراقيين كما نص قرارا مجلس الأمن آنفاً فإن قواتها وشركات الحماية الخاصة تقتل العراقيين بدم بادر وتدنس مقدساتهم دون أي قانون رادع وتتعرض القرى الكردية في الشمال لقصف إيراني مستمر ومنذ شهرين دون أن يكون هناك أي احتجاج أو رد وكذلك فإن أميركا هي التي سمحت للقوات التركية باجتياح شمال العراق وقدمت التسهيلات لذلك كما أن أعداد الضحايا العراقيين الذي تجاوز المليون ونصف وتهجير أربعة ملايين في الداخل والخارج على أيدي المليشيات التي أسست وتدربت وسلحت بعلمها وهي التي سمحت للمخابرات الإقليمية بتنفيذ أجندتها بقتل العلماء والكفاءات وأساتذة الجامعات وسمحت للمافيا بسرقة المتاحف وتخريب المواقع الأثرية وأمام أنظارها تتم أكبر عملية فساد مالي وإداري في العالم بعد الصومال فهل ستكون حقاً مسؤولة عن أمن العراق ومواطنيه وثرواته أم هي التفاف قانوني لذر الرماد في العيون.

إن إبرام المعاهدة في هذا الوقت يأتي بسبب الفشل الذريع للمشروع الذي أرادته إدارة البيت الأبيض لمنطقة الشرق الأوسط و(كسر شوكة الجيش الأميركي في العراق) حسب تعبير أحد جنرالات الحرب الأميركيين حيث تريد الخروج بشيء يحفظ ماء وجهها ولاسيما أنها في نهاية فترة حكمها وبقائها في المنطقة لتأمين أمن إسرائيل وحماية مصالحها الاقتصادية ويأتي كذلك من مصلحة الحكومة العراقية التي تريد مخرج قانوني لتسمية التواجد العسكري الأميركي الذي يضمن بقائها في السلطة ولاسيما أنها (المعاهدة) النهاية لكل عملية غزو أو احتلال.

المعاهدة بهذه الصيغة ما هي إلا تكريس لحالة الاحتلال واستعباد العراقيين والسيطرة على مقدراتهم وثرواتهم وإضاعة حقوقهم بالحرية والاستقلال.