العدد الرابع والثلاثون - تموز

حكمة وادي الرافدين وأثرها في العالم القديم

الاب سهيل قاشا
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

كانت الأسفار الحكمية في العهد القديم تعتبر أقدم النصوص التعليمية المدونة، والحقيقة أن ذلك شهادة زور على العهد القديم، إذ تبين وبالتحقيق العلمي الدقيق، أن الحكمة نبتت على ضفاف الرافدين ونمت وترعرعت حتى امتدت فروعها إلى الشعوب المجاورة وما بعدها، بدءاً بالسومريين ومروراً بالأكديين والبابليين وانتهاءً بالأشوريين الذين في عهدهم أينعت الحكمة وازدهرت على لسان احيقار وزير الملك سنحاريب الأشوري.

 

بطاقة احيقار الشخصية

هو شخص عاش فعلاً في زمن الملكين الأشوريين سنحاريب (704-671 ق. م)، وكان مستشاراً أو وزيراً لهما، وكان حكيماً عظيماً ذا مال وفير ومعرفة ورأي وتدبير. لم ينجب، فتزوج عدة نساء، ولكنه بقي من دون وريث. أشار عليه العرّافون والمجتمعون أن يذبح للآلهة، ولكنه لم ينل مبتغاه. إلا أنه سمع صوت الإله يوماً يقول له: خذ نادان ابن أختك واجعله وريثك؛ علّمه علمك، ولقّنه حكمتك، فأخذ نادان، وكان بعد رضيعاً، واعتنى بأمره. ولما شبّ علّمه الكتابة والقراءة والأدب والحكمة والعلوم. وبعد سنوات، كبر احيقار وشاخ، فأشار عليه الملك أن يعيّن من يخلفه في منصبه. فأجابه أنه قد اتخذ من ابن أخته ولداً، فأمره الملك بإحضاره، وعجب لأدبه وحكمته، فوافق على تعيينه خلفاً له. فأخذ خاله احيقار يبذل النصح له، ويطلعه على أسرار النجاح في مهمته، سارداً له تجاربه في الحياة.

إلا أن نادان يخيّب آمال خاله ومربّيه، فيصبح خاله وأهله عرضة لتقولات شتى، حتى يضطر احيقار أن يعاقب نادان ويسترد الميراث، مانحاً إياه إلى الأخ الأصغر، فيحقد نادان على خاله، ويضمر له العداء، ويدبر خطة للإيقاع به، فيلجأ إلى طريقة دنيئة، إذ يدس على احيقار خطابين موقّعين باسمه: الأول موجه إلى ملك الفرس، والثاني إلى فرعون مصر، يظهر احيقار في كليهما خائناً لوطنه وملكه، إذ يطلب من الملكين المجيء إلى بلاد آشور لكي يتسلّما المملكة بغير حرب. ويقع الخطابان في يدي الملك وفق الخطة المرسومة، ويزوّر نادان خطاباً ثالثاً موجهاً من قبل الملك إلى احيقار يطلب إليه أن يجمع العساكر ويحضر في موقع معين، فيطيع احيقار وتثبت التهمة عليه، ويتأكد الملك هكذا من خيانته، فيصدر أمراً بالقبض عليه وقطع رأسه، وتشاء الصدف أن يكون احيقار قد أنقذ سابقاً الرجل الموكل إليه أمر إعدامه، فيدبّر هو وامرأة احيقار أمر نجاته، وينفذ الحكم بأحد المحكوم عليه بالإعدام، في حين يختبئ احيقار في مخبأ حديقة الدار لا يعلم به أحد.

تمرّ السنون، ونادان مكان خاله مستشاراً للملك، لكنه غير متزن وضعيف الرأي، فيستغل ملك مصر الفرصة لإحراج ملك آشور، فيبعث إليه مخبّراً يخيّره بين أمرين: أما أن يرسل من يبني له قصراً في الهواء ويرد على أسئلته، فتدفع له مصر الجزية ثلاث سنوات، أو يعجز عن ذلك فيدفع الجزية لمصر.

وإذ يجمع ملك آشور العلماء والحكماء والعرّافين ويعرض الأمر عليهم، يقرّ الجميع وبعجزهم، ونادان أشد عجزاً منهم. فيغتمّ الملك غمّاً شديداً، ويأسف على قتل احيقار الحكيم، ويطول حزنه حتى يمثل السيّاف بين يديه ويصرح بأنه قد أبقى على حياة احيقار اعترافاً له بالجميل، فيستدعيه الملك ويعرض عليه رسالة ملك مصر. فيرضى بالسفر إلى مصر متحدياً ملكها، ويربح الشوط، ويرجع إلى نينوى غائماً ظافراً معززاً مكرّماً، مثقلاً بالهدايا، ويجري له استقبال حافل وكأنه منقذ البلاد.

وينتقم احيقار من نادان، فيربطه بسلسلة حديد، ويلقيه في مكان مظلم، ويؤنبه بكلام حكمة قاسية. وتقول القصة أن نادان انتفخ حتى انفجر ميتاً.

 

أثر حكمة احيقار في العهد القديم

 

إن أصول الحكمة العراقية القديمة، مبثوثة في التفكير السومري والأكدي، وانتقل تراث هاتين العقليتين إلى الأجيال الأشورية بنصوصه وترجماته الكثيرة، ويعتبر احيقار خلاصة الحكمة الرافدينية المتأثر بالحكمة السومرية والأكدية تأثيراً عميقاً، روحاً ونصاً، الأمر الذي يؤيد من سريان الحكمة وتناقلها من جيل إلى جيل.

وعليه، فإن مقابلة أمثال العراق القديم ممثلة بأمثال احيقار حكيم نينوى بكثير من الأمثال والحكم عند العبرانيين، ترينا أن كتّاب أسفار العهد القديم كانوا يعرفون هذه الأمثال والحكم؛ وقد اخترنا عدداً من الأسفار التي نجد فيها عناصر واضحة من حكمة احيقار.

والأسفار الحاوية بعض العناصر من حكمة احيقار وكتب نصها الأصلي بالعبرية:

 

أولاً: سفر الأمثال

 

إن لغة الأمثال لربما تعود إلى عهد أقدم من عهد الملك سليمان، وقد فاهت بها شعوب الشرق القديمة، وحكماؤها من آدوميين وآشوريين، ومن مصريين خاصة. فبعد أن كان سفر الأمثال العبراني يعد أقدم مجموعة من الحكم والأقوال المأثورة في تاريخ الإنسان المدوّن، اكتشف أن المدينة المصرية هي أقدم، إذ عثر على مجموعات من الأمثال والوصايا، وهي تسبق في زمنها سفر الأمثال التوراتي بسنين كثيرة.

ولقد وردت في هذا السفر نصوص غزيرة جداً تتفق وحكمة احيقار في مواضيع حياتية شتى منها:

في تربية الأطفال وتأديبهم:

1 ـ في فم الفطن توجد الحكمة، والعصا على ظهر فاقد اللب.

2 ـ من وفّر عصاه فهو يبغض ابنه، والذي يحبه يبكّر إلى تأديبه.

3 ـ السفه متأصل في قلب الصبي، لكن عصا التأديب تنقّيه.

يقابلها من حكمة احيقار ما يلي:

1 ـ يا بني، لا تحرم ابنك من الضرب (التأديب)، لأن الضرب للصبي كالسماد للبستان، وكاللجام للبهائم، وكالقيد في رجل الحمار.

2 ـ يا بني، أخضع ابنك ما دام صغيراً قبل أن يفوقك قوة ويتمرّد عليك، فتخجل من مساوئه.

 

ثانياً: سفر الجامعة

 

إن سفر الجامعة، لهو في الحقيقة أشد أسفار الكتاب المقدس غموضاً وأجدرها في تضليل القارئ السطحي.

يبتدئ الغموض بشخص المؤلف نفسه، الذي، في الفصل الأول، يقول إنه ابن لداود الملك وملك أورشليم، فيبدو لنا وكأنه مالك كل حكمة سليمان وغناه المضروب بهما المثل. وكان يجب أن لا تغش هذه التسمية الوهمية أحداً لأن المؤلف يتكنّى في ذات الوقت باسم آخر، أي الجامعة.

وفي نهاية السفر خلاصة كتبتها يد ثانية تضعه بين الحكماء دون ريب، أمثال الذين سيدعون في زمن الإنجيل المعلمين.

ثم أن كلمة الجامعة ليست اسم علم حقيقي، بل تعني شخص المؤلف من خلال وظيفته، هي دون ريب وظيفة معينة في الجماعة.

كتب النص الأصلي لهذا السفر بالعبرية، وقد وجد علماء الكتاب المقدس نصوصاً كثيرة بين فصوله لا يمكن أن يكون سليمان كاتبها، ويرتقي عهد هذه النصوص إلى نحو القرن الثالث قبل الميلاد، أو إلى العهد اليوناني.

وعليه، نجد خمسة نصوص على الأقل في هذا السفر تتفق وبعض ما ورد في حكمة احيقار وتدور حول:

المرأة الشريرة

النظر إلى الجاهل واستهتاره

الإنسان وحالته المادية

كلام الحكيم والجاهل

تأثير الحزن في قلب البشري

 

ثالثاً: سفر يشوع بن سيراخ

 

إن سفر ابن سيراخ هو أوسع من الكتب الحكمية الأخرى، وهو ينتمي إليها، وخاصة سفر الأمثال، إذ يحتوي السفران على عناصر عديدة مشتركة بينهما. يتألف ـ شأن سفر الأمثال ـ من مجموعة حكم تارة قصيرة، وغالباً طويلة نسبياً. فانه دون ريب قد اتخذ أكثرها، بعد أن طبعها بطابعه الخاص، من التراث العام المتداول الذي يرتقي إلى حكمة الشعوب المجاورة ـ الأشوريون والآراميون والمصريون ـ كما أننا نجد فيه ملاحظات لا تبعد عن أن تكون من وحي اختباره الشخصي، فتشكل، مع مقاطع أخرى، ضرباً من الترجمة الشخصية، ويظهر لنا فيها ابن سيراخ بأوصاف أثارت قريحة الشرّاح.

فهو رجل موسر، مهتم بصالحه وتربية بنيه وزواج بناته. ونحسّ أن لديه إيماناً قوياً وتقوى عميقة، وإن كانت قليلة الزهد. وأنه اكتسب خبرة واسعة خلال حياة قضاها في الأسفار وركوب الأخطار واحتمال المحن. وقد جعلت منه معرفته للأسفار المقدسة، وحكم الحكماء، معلّماً، وكتابه موجه خاصة إلى تلاميذه الشبان.

كتب النص الأصلي لأثر ابن سيراخ في الفترة الواقعة بين سنتي 190 و170 قبل الميلاد. لم يعتبر من الأسفار العبرية، كما أن بعض الكنائس المسيحية تعتبره من الأسفار المنحولة (ابو كريفا). وأقدم ترجمة له إلى اليونانية المعروفة بالسبعينية عملت نحو سنة 130 ق.م كما أخذت عنها الترجمة الآرامية، مع وجود ترجمة آرامية أخذت مباشرة من العبرية.

إن كاتب هذا السفر مطلع تمام الاطلاع على حكمة احيقار ـ إن لم يكن سفراً طوبياً سابقاً تاريخياً لهذا السفر، واطلع كاتبه على حكمة طوبيا المتأثرة هي الأخرى بحكمة احيقار كما سنرى ـ فقد وردت في آيات كثير تتفق وحكمة احيقار نصاً وروحاً بطريقة تفوق بقية الأسفار المقدسة، الأمر الذي يبرهن على اهتمام آداب الحكمة العبرية بهذه الحكمة الآشورية ابلغ اهتمام.

ويبين ابن سيراخ واحيقار علاقة وثقى، أهمها ما يدور حول:

تربية الأولاد

العلاقات الاجتماعية

حفظ اللسان وصون الأسرار

العلاقة بين الإنسان وصديقه

النظرة إلى أفاضل الرجال

سلوكه كانسان مهذب

شعوره في مآتي الحياة

الناس بين القوة والضعف

الأطماع البشرية

التطرق إلى ما يفوق قدرته

الذكرى الصالحة

عدم الشماتة بالأعداء