العدد الرابع والثلاثون - تموز

الديمقراطية العجيبة

سركيس ابو زيد
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

بعد المبادرات العربية والدولية وتفاهم فينيسيا واتفاق الدوحة، أين أصبحت الديمقراطية اللبنانية؟

يقول الرئيس سليم الحص في هذا الصدد في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية.

لذلك نسأل اليوم: هل تعتبر الديمقراطية اللبنانية واقعة في أزمة؟ وما هي أزمتها؟ وكيف المعالجة؟

بداية: بلادنا قادرة على لبننة كل شيء... حتى الأنظمة السياسية. الديمقراطية في لبنان لها خصوصية وقاموس تتفرد به. وكل فريق يستعمل تعبير الديمقراطية كصفة او نعت او ملحق لأي نظام او موقف او جماعة، ويقصد معنى مختلفا عن الآخر. وغالباً ما نتحاور بكلمات متناقضة في المضمون لأن كل طرف يحمل قاموسه الخاص به. وعامة، يتجنب السياسي اللبناني شرح معنى مصطلحاته وتحديدها وتعريف مفهومها كي لا تتضح أفكاره.

ثالوث الأزمات

وفي الاجابة عن السؤال الأساسي المطروح: نعم الديمقراطية اللبنانية في ازمة لأنها متعددة ومتنوعة وتواجه مأزقاً في التطبيق بصرف النظر عن منابعها النظرية ومصادرها الفلسفية.

الديمقراطية اللبنانية مدارس مختلفة عجيبة، وسأكتفي بالاشارة الى ثلاث:

1- الديمقراطية العددية وهي المعروفة في العالم لكنها محرمة في لبنان الطوائف والمذاهب حيث الاستفتاء والاحصاء والتعداد ممنوع لأن المواطن مغيب والرقم له لون فئوي وصبغة طوائفية.

2- الديمقراطية الميثاقية وهي نابعة اصلاً من صيغة 1943 التي انتجت نظام اتحاد فيدرالي بين الطوائف تفجر في الحروب اللبنانية ثم تجدد ثانيا في اتفاق الطائف في العام 1989 الذي وصل الى مأزق الآن بعد مسيرة نجحت في ادخال لبنان في مسيرة السلم الأهلي وأخرجت اسرائيل من معظم الجنوب لكنها فشلت في محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنية.

3- الديمقراطية التوافقية، وهي تراهن على امكانية التوافق المبدئي بين الطوائف والمذاهب بالاضافة الى شرائح الطبقة السياسية العائلية الاقطاعية المالية ، فضلاً عن الملل والنحل واصحاب النفوذ.

لكن اذا استحال هذا التفاهم او تعثر، ما هي آلية تجاوز الصعوبات والعقبات؟ وكيف تستمر وتتفاعل المؤسسات عندما تتعطل القاعدة المجتمعية التي تقوم عليها؟

الديمقراطية التوافقية تسير بطريقة مثالية طالما الخلافات غير موجودة وهي فرضية جميلة الى درجة انها مستحيلة في بلد متنوع مختلف متعدد، ويعيش في منطقة ملتهبة ومشتعلة بالأزمات والحروب والصراعات، لذلك يستحيل الاحتكام الى مؤسسات ونظم وآليات عندما تتفاقم الأزمات.

ديمقراطيتنا نبنيها أولا على قاعدة وحدة المجتمع التي تُغلّب الولاء الوطني على الانتماءات العائلية والعشائرية والطائفية والقبلية والمذهبية والعرقية. ديمقراطيتنا هي احترام هذا التنوع والاختلاف ضمن وحدة المجتمع. ديمقراطيتنا نابعة من الانسان أولا، وهي تعتبر أن الأنظمة والقوانين والمؤسسات والدولة نفسها هي لخدمة الانسان والمجتمع، وكل الامكانيات المادية والنفسية تسخر لرقي هذا الانسان ورفاهيته وسعادته وحريته ونوعية الحياة التي يختارها.

من هنا، ديمقراطيتنا قائمة على التربية والوعي والثقافة وبناء انسان جديد حر مستقل سيد وسعيد. لا حرية من دون أحرار، ولا ديمقراطية من دون اناس ديمقراطيين. الانسان أولا هو مقياس القيم والمناقب والأخلاق.

ديمقراطيتنا تحرير للانسان من كل القيود، وافادة من طاقاته المادية والروحية وقدراته في خدمة عملية المشاركة والتعبير عن مصالح الناس وتطلعاتهم.

الديمقراطية التي نحلم بها هي مسار ينظم العلاقات الانسانية بطريقة دائرية تشمل المستوى الأفقي الذي يطال علاقة المواطن بمؤسسات الدولة وتراتبية الحكم بالاضافة الى المستوى العامودي الذي يشمل علاقة المواطنين فيما بينهم داخل المجتمع الواحد.

في الختام، لا حرية من دون نظام ديمقراطي عادل ولا ديمقراطية من دون حرية الانسان وبنائه واعداده أولا.

هذه الديمقراطية التي نحلم بها ، هل نحن قادرون على ابداع بنى ومؤسسات وآليات من أجل تجسيدها؟ الواقع الطائفي الفاسد ما زال أقوى، والثورة الديمقراطية ما زالت بعيدة المنال.