العدد الرابع والثلاثون - تموز

فلسفة أميركا الإسرائيلية - القيامة هي نفسها «3»

محمود حيدر
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

الحلقة الثالثة من فلسفة أميركا الإسرائيلية من كتاب سيصدر قريباً للكاتب تحت عنوان «لاهوت الغلبة ـ التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأميركية»، في الحلقات السابقة كنا فد نشرنا البيان المشترك اللاهوتي بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والفيزيائية المقدسة عند المحافضين الجدد وحماية مملكة يهودا، وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثالثة حول لاهوت التماهي بـ «الهولوكوست».

 

لاهوت التماهي بـ «الهولوكوست»

 

الحلقة 3

 

هنالك زاوية في الأصل المشترك الأميركي ـ الإسرائيلي على جانب وازن من الأهمية، وهي تتصل بتماهي أميركا بالمحرقة. في هذا الصدد يمضي الباحث الفرنسي اليهودي جان مارك درايفوس في ما يشبه الاستطلاع السوسيو ـ ثقافي لأثر الهولوكوست في الشعور الأميركي، وتداعيات هذا الشعور في السلوك الإجمالي للنخب الحاكمة. وهو يرى وجوب إعطاء موقع متقدم للهوس الأميركي بالخير والشر حيث يتم النظر من خلال هذه الثنائية إلى حركة التاريخ نفسه. وحيث تحل هذه الرؤية أحياناً محل دراسة الماضي بشكل منهجي إلى درجة تتعارض فيها مع المقاربة التاريخية. فالمحرقة تمثل الشر المطلق، وعلى ذلك يصبح التثقيف بذكراها، البديل الزمني لرؤية دينية يمكن أخذ عناصرها من مجمل مكوِّنات المجتمع الأميركي، وليس فقط من قبل عنصره البروتستانتي التقليدي. يضيف درايفوس:

«وإذا ما دفعنا خطوة أخرى إلى الأمام بفكرة أولوية ثنائية الخير والشر، يصبح بإمكاننا طرح فَرَضيِّة جديدة، قوامها أن ذكرى المحرقة من شأنها أن تكون استبدالاً بسيطاً يغذيه شعور مكبوت بالذنب إزاء إبادة الهنود الحمر. فبما أن أميركا لم تتوصل إلى تحمل التبعات المباشرة لتاريخها الخاص ولخطيئتها الأصلية الخاصة، فإنها تفعل ذلك بواسطة إبادة أخرى لم تجر على أرضها. وبالمناسبة فإن بناء متحف للأميركيين الأصليين أيضاً، أي الهنود، فوق ساحة «مول»، سيعرض ثقافة سكان البلاد الأصليين لا كيفية إبادتهم، للإضاءة على هذا الجانب من السيكولوجيا الجمعية التي يمثلها الافتتان بالشر المتجسد بالفعل، أي بالكارثة وتطبيقه لـ«مصلحة» «المحرقة». ويشير درايفوس إلى الخطاب الديني التنبؤي الذي يكتسب موقعاً متزايد الأهمية منذ السبعينيات. وهو الخطاب الذي يظهر بقوة في أجهزة التلفزة حول أخبار الأعاصير، والكوارث الطبيعية المحدقة، والتي تصوّر أميركا وكأنها تمكث كل لحظة من عمرها على شفا هاوية مدمّرة»(14).

ويبدو أن نشاط السينما الأميركية يتركّز بشكل متزايد الإيقاع منذ حوالي ثلاثين عاماً حول موضوع الكارثة النهائية. أما نجاح الأفلام الكارثية التي تظهر كل شهر، ولا تختلف فيما بينها إلا من حيث درجة التقانة في المؤثِّرات الخاصة وتنويعات أشكال الدمار، فهو من الأمور التي يمكن دحضها. وكذلك الأمر بالنسبة للنتائج: مدينة تختفي من الوجود وينعدم فيها كل حضور بشري. كوارث الشاشة صارت عملة رائجة، وهذا السيناريو عن الدمار يعج بعناصر النوع الكارثي. أما أفلام الخيال العلمي والأفلام البوليسية والأفلام الحربية فتعرض فيضاً كاسحاً من أشكال العنف وحروب المدن على خلفية من الأبنية المدمرة والصروح المهمَّشة. ويكاد فيلم «يوم الاستقلال» (1996) يكون إعادة لهذا الاتجاه، حيث يمكن للمشاهد أن يرى بفرح سادي كل صروح الديمقراطية الأميركية وهي تنفجر الواحد بعد الآخر بفعل أسلحة الدمار الشامل المنطلقة من أحد الصحون الطائرة. وحده النصب التذكاري الخاص بالمحرقة هو ما أبقى عليه كاتب السيناريو والقادمون من الكواكب البعيدة. ومنذ فيلم «أسنان البحر» (1975) ـ هنالك مسلسل ضخم جيد الإخراج من الفئة «ب» لستيفن سبيلبرغ، تحول منذ ظهوره إلى فيلم معبود يُعاد عرضه باستمرار على شاشات التلفزة؛ وتمكن قراءته ليس فقط كحرب بين الخير والشر، بل أيضاً كقصة حول سفينة يتم تدميرها بكل عناية (...) هنالك إذن، في الوعي الأميركي المعاصر هوس حول الدمار الشامل الذي قد يجعل أميركا أمة تسبح في أجواء الكارثة. ولا يقتصر الأمر على الخوف من الحرب، أو من الإرهاب، أو من العنف المديني، أو انهيار المجتمع، بل يتعدى ذلك إلى تصور يقضي بأن النهاية أمر ممكن في أية لحظة. فأميركا، البلد البروتستانتي منذ حقبة طويلة، أدمنت قراءة «سفر الرؤيا»، على خلاف البلدان الكاثوليكية. وهي تواصل الاستماع إلى المتنبئين، والوعَّاظ الكثر. وهم يبشِّرون بنزول الروح على جماهير المؤمنين المحتشدين في غمرة الانجذاب داخل الملاعب الرياضية. وكثيرة هي شاشات التلفزة المتخصصة بالوعظ المتواصل، وهي تقوم بتأبيد تراث الوعَّاظ الأوائل. حتى القنوات الكاثوليكية راحت تبتعد عن الخطاب الأوروبي، وتعطي الأولوية لمسألة الخير والشر والعقاب الذي ينتظر الخاطئين. وربما يكون انتحاريو «القاعدة» قد فهموا الأمر عندما قاموا بتدمير برج التجارة العالمي. وخلافاً لما كان قد قيل وكتب في أوروبا، فإن الأميركيين لم يروا اللاَّمفكر فيه ماثلاً أمام أعينهم، بل رأوا تحقق ما كانوا يخشونه أكثر من غيره. وعلى هذا النحو من التوصيف الدرامي للثقافة الأميركية المعاصرة، تُستعاد المحرقة ضمن التصورات الموغلة في القدم. وتقدم واقعاً تاريخياً ينسجم انسجاماً كاملاً مع هذه الترسيمة. ويشكل تدمير يهود أوروبا دليلاً ظاهراً على المخاوف الأميركية حيث أنه العنصر الواقعي الذي يغذي رؤية الخطر غير المعقول والمطلق والموشك على التحقيق. على ذلك، تدخل الحكايات عن المحرقة، وعمليات إحياء ذكراها في علاقة مع تصورات لا علاقة لها بها. يمكننا أن نتساءل عن السبب في كون هذا التدمير بالذات هو الذي حاز على كل هذه الأهمية في حياة الولايات المتحدة بدلاً، على سبيل المثال، من القنابل الذرية الأميركية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، أو من عمليات الإبادة في كمبوديا؟ لقد كان المطلوب من أجل ذلك وجود عنصر إضافي هو تماهي الأميركيين باليهود. والواقع أن ذلك لم يكن البديهي والسبب هو، وجود تراث أميركي معاد للسامية ومتجذراً جداً حتى فترة قريبة من الزمن. فمن هامشيين في المجتمع، تحول اليهود إلى أبرز الممثلين المرموقين لهذا المجتمع. والحقيقة إنهم يشكلون نموذجاً لا يعلى عليه في مجتمع يريد لنفسه أن يكون منفتحاً، ويعطي الأولوية للنجاحات الفردية عن طريق التجارة والصناعة والمال والتعليم. فالثروة المكتسبة والانتماء التاريخي إلى السلالة والمواريث لم تعد تشكل جزءاً من الوعي الأميركي (حتى وإن كانت لا تزال موجودة على نطاق واسع بالطبع). واليهود الذين ينظر إليهم جميعاً بوصفهم أناساً يصنعون أنفسهم بأنفسهم، ويصلون بأعداد كبيرة إلى كراسي الأستاذية في الجامعات، وإلى إدارات المصارف، ولوائح كبار الأغنياء في أميركا، باتوا يشكلون القدوة التي يجب أن تحتذي، الأمر الذي يعني انقلاباً غريباً بالفعل(15).

 

هوامش

 

(14) جان مارك درايفوس ـ كيف تماهت أميركا بالمحرقة ـ ترجمة د. عقيل الشيخ حسين ـ مجلة «مدارات غربية» العدد الخامس ـ كانون الثاني (يناير) شباط )فبراير) 2005.

(15) ـ Jean ـ Marc Dreyfus ـ comment L’Amérique: S’est identifieé à la shoah، Le Débat، Mai ـ Aout 2004

 

باحث في الفكر السياسي ـ رئيس تحرير مداراة غربية *