العدد الرابع والثلاثون - تموز

المسرح العراقي قبل الاحتلال وبعده"

سليمان بختي
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

 

نظمت مؤسسة سعاده للثقافة محاضرة للدكتور جواد الأسدي في قاعة نادي خريجــي الجامعــة الاميركيــة بعنوان المسرح العـراقــي قبـل الاحتــلال وبعده وننشر هنا الكلمة التي القيت في تقديم الدكتور جواد الاسدي

 

 

غالباً ما يأتي الأمل من خارج الدائرة لسِكب فوق الجرح بلسماً ووروداً وافقاً. ولنكتشف مثلاً ان ثمة من يعول على البلد ويبني عليه في الابداع والثقافة والانسان، ويدرك ان الطاقات والاجواء والتفاصيل التي فيه لا تعوض. ومع ذلك، يعرف جواد الاسدي في المغامرة الحقيقية التي يجترحها وفي الفيروس المقدس الذي يحمله اي بؤس عربي ينتظره في عمله المسرحي، وأي جدار يضرب به رأسه راية محرمات وكوابيس، ولكنه مع ذلك أقدم وفعل. باع ما فوقه وتحته وجمع تحويشة العمر وأسس مسرحاً يومياً في رأس بيروت، وأسماه بابل.

 

يبدو الامر حقاً، وسط هذه الظروف كمن يكتشف نبعاً في الصحراء. أعرف الصديق جواد الاسدي وأعرف ان هذا  الحلم من الاحلام الاثيرة لديه، والتي راودته طويلاً علها تسهم في مكافحة الكوابيس الظلامية العربية. جميل ان ينهض مسرح في بيروت، اليوم وغداً وبعد غد، ولكن الأجمل ان جواد الاسدي هو على قدر التحدي، فنان أصيل بريادته وعلمه. وصاحب العنف العالي (عنف الروح) وشراسة الاداء كميزتين في عمله كمخرج. وهو مخرج الحواس والابعاد الانسانية القصوى. وهو المخرج الكاتب يكتب الممثل وينتجه ليصبح كريستال المسرح. يكتب النص الذي يخرجه تأليفياً فلا تعرف أصله من فصله ولكن يمسسك بناره. يكتب القضية التي يطرحها بعرقه ودم قلبه. ولا عجب، فالمسرح جنتي، يقول. وهو يقترف خطايا كثيرة ليبقى في ذاك النعيم.

 

جواد الاسدي، خريج اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وحائز الدكتوراه من جامعة صوفيا، بلغاريا. غادر العراق بحثاً عن أفق ولم يزل. أقام لفترة في دمشق واشتغل في المسرح الفلسطيني والسوري. وأبرز مسرحياته: "العائلة طوط" (1983) و "ثورة الزنج" (1984) و"خيوط من فضة" (1985) حازت جائزة مهرجان قرطاج للمسرح. و"الاغتصاب للراحل سعدالله ونوس (1990) وكذلك "رأس المملوك جابر" (1991) و"تقاسيم على العنبر" (1993) ونالت جائزة الاخراج في مهرجان القاهرة و"المصطبة" (1996) و"حمام بغدادي (2005) و"نساء السكسوفون" (2007) وعرضت الكثير من أعماله فوق الخشبة اللبنانية والعربية والدولية. كما صدرت له كتب مسرحية عديدة، ترجم معظمها الى لغات عدة.

 

وها هو اليوم جواد الاسدي امامكم يؤسس مكانه من جديد وسط طليعة نخبوية متنورة أحبها وتفاعل معها وشاركها الهموم والاحلام. ويراهن ان بامكان بيروت ان تكون فلورانس اوروبا، وان اللبنانيين كما قال عنهم طه حسين ذات مرة "نهضة ثانية للعرب".

ماذا يريد جواد ابن الحاج كاظم الاسدي من المسرح؟ " لذة الوجود ومواجهة القضايا" يقول.

 

وبعد، أقمت مسرحك في بيروت وأهديته الينا. وكأنك ترفع معنوياتنا وتقنعنا بالربيع الآتي وتطلق أملاً جديداً في سماءنا. وأقصى ما نستطيعه هو ان نحييك ونشد على يدك ونقول لك شكراً ونهديك حباً.

 

أراد هذا المخرج العراقي المبدع المجروح بالبعد والشوق والمنافي، والذي يحمل بلاده في قلبه نخلة باسقة ان يدق على الخشب في بيروت، ويحرسها من صيبة العين. فدعنا نقول لك باللهجة العراقية المحببة " اتدلل عيني... قلبي".

 

     بقلم سليمان بختي