العدد الرابع والثلاثون - تموز

ثمار بستان تتهاوى... ومياهه محاصرة!!

مرعي حيادري: يحكي من المجتمع
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

مع بداية يوم مشمس، ترك وراءه طل الصباح المبكر، ومع حياة يوم اتسمت فيه علامات الدفء والاستقرار، ومناظر الربيع بطبيعته السحرية، وما إن مررنا بجانب طريق قروية في زقاقات البلد القديمة، حتى شممنا روائح عطرة تفوح بطعم البرتقال والإزهار المختلفة بأشكالها وأنواعها، حتى ردت إلي روحي لعذوبة الماضي وخيراته التي طالما تعودنا عليها وإلفنا منظرها المريح، وما إن قطعنا شوطا لا بأس به من المشي بجانب الحارات ومساراتها الضيقة، إلا وحانت أيام الخوالي طيبة الذكر والحكايات القصصية من قصص جدي وجدتي وكما في قصص كتاب اليوم التي تحكي دقة وتفصيلا سرد قد حيك بخيوط عنكبوت، كنا نألفه واليوم نخافه لانعدامه وفقدان نوعه وخصوصيته من دور هام في طبيعة حكايات وقصص الماضي التي خلت وتألقت بحيوانات وحشرات تعودنا على تربيتها ومشاهدتها، ولكنها سرعان ما انقرضت في عصر الحداثة الهزيلة.

ومع الجزء الثاني ومن الطرف الآخر للقرية، وصلنا إلى أروقة مؤدية إلى نهاية طريق الخروج من القرية، نحو هضاب وسهول وتلال القرية المزروعة بنباتات متنوعة، منظرها من بعيد مبهج للقلب والفكر والضمير، وروائح نباتها ليس بالأصل الأصيل، كما لو كان في الأيام السالفة، من زراعة الحنطة والسمسم والشعير والذرة ورغيف الخبز العربي الأصيل, وليس من فاكهة الصيف التي ألفناها بروائحها الشهية حين كانت تشق القلب، برائحة شمامها العربي القديم وبرائحة عطر بطيخها الحلو المعطر بطل الصباح، كما لو كانت مخزنة في براد معتق، باختصار تعودنا لهذه المناظر القديمة الأزلية، وفقدنا شهيتها بمجرد جولة ميدانية ليست ببعيدة عن الواقع المر الحياتي الذي يصرخ وينادي أعينوني... أغيثوني، ذهب الصح وجاءت الأخطاء وتبدلت الأصالة بالحداثة .. فهيهات هيهات نعود لأيام زمان، ففقدان الثمر والفاكهة والشجر، سعت إلى تغيير أنواع البشر.

وبعد تفقد القرية وضواحيها، لمست والمرافقين من الرعية، فقدان الشهية حتى لقطف ثمار البستان التي أضحت، ثمارا مزيفة كما هي فعلا على ارض الواقع، فألا رض المزروعة بها اضمحلت وقلة خصوبتها، وأضحت ترش وتخلط بالسماد الكيماوي، والمياه الطبيعية التي ألفناها لري البساتين عبر قنوات الري التقليدية، تبدلت برشاش الحداثة, فأضحت المياه شحيحة، وبذلك تغيير، تغيرت الطعمة من حلوة متميزة إلى طعم فاتر لا رائحة ولا لون، تماما كما هو حال البشر الذي جاع وعطش، وبانت منه علامات الألم والعنف والافتراس، أضحت معالم القرى والتقاليد والعادات التي دأبنا عليها مجهولة مطمورة، منقرضة، زاد البطش والاستيلاء والاعتداء على حرمات المواطنين كما هو الحال لدى الطير والشجر والبساتين،

وهل يمكن إن يحدث ذلك في عصر توفرت فيه كافة الإمكانيات والآليات الحديثة والمتطورة, ولماذا أضحى العديد من قطاعات مجتمعنا ينادي بالماضي وأيام زمان؟!..

ومع اقتراب غروب الشمس من خلال جولتنا الممتعة والفاتنة بأجواء الطبيعة الخلابة، إلا أنها بعثت نوعا من الملل ومن المتغيرات في حالة الطبيعة والأرض في القرية، والمؤسف حقا (ألأنهار والوديان والمجمعات المائية) التي أضحت جافة ضحلة، لا ماء فيها ؟!

فسألني احد المرافقين :ماذا حدث لتلك الأنهار والوديان والبرك: فأجبته لقد تحولت إلى مياه محتلة ومستعمرة من قبل الحكومة، ومن يرغب بمياهها الطبيعية يجب إن يستأذن وبرخصة مقابل الدفع على ذلك ؟!! تعجب ودهش السائل من الجواب: وقال لكنها مياه ربانية من السماء؟! فقلت له الا تعرف إن حربنا القادمة في الشرق الأوسط والعالم حربا على المياه ومصادرها ؟!.. فأجاب ألان عرفت لماذا الثمر لا رائحة ولا لون ولا طعم له، لان مياه الري مياه المجاري المكررة ؟؟!.

وحينها سمع الحاضرون تفسيرا واضحا، عن مسببات وتغييرات واختلال الموازين على الكرة الأرضية بين الناس أجمعين, وما وصلوا إليه من طمع وقمع في آن واحد وكل يرغب في الهيمنة والسيطرة على جزء من الأرض والممتلكات من اجل تقوية موارده المادية على حساب الآخرين، وحتى لو كان بالقوة وهذا هو حصيلة حاصل مجتمعنا العنيف بكافة إشكاله المتعددة زراعة وحداثة متخللة في جوامع الشرائح الجماهيرية وبدون استثناء في حين، يتعلمون الدرس من المثل الأعلى لدولتهم وحكومتهم في الاستيلاء على الموارد وكل مورد بثمن، وهل للمجتمع حيلة غير استعمال نفس الأسلوب الحكومي الدارج بنهب وسرقة الثروات الشعبية، ولكن بطرق قانونيه.

وعليه إخوتي وأخواتي : كثيرة هي التساؤلات بين الواقع الأليم والحقيقة الفاصلة تجاه مجتمع يتحدى القيم الإنسانية، مدار موجه من قبل رأس حكومة علمته التحدي والعنف والقتل وسفك الدماء وبتعاون وتمييز حقيقي بين إنسان لآخر.

وهل سيكون هناك فرقا بين تهاوي الثمار المزيفة وبين سقوط الضحايا وبدون ثمن ؟! هذا نهاية حديثي وسردي من خلال جولة ميدانية قروية, فكيف لو تجولنا في مدينة الصخب والحداثة, باعتقادي لوجدنا العنف الحقيقي وبكم وافر من حيث لا يحصى ولا يعد.

فتعقيباتكم هامة، دونوها وبدون تردد حتى تصل إلى القارئ والمشاهد في هذا المجتمع البادي عليه علامات الانحلال والتردي وان كنت على خطأ صححوني أو أعينوني.