العدد الرابع والثلاثون - تموز

تشويه الجسد: جوع جنسي أو غياب العقل والروح أم اشباع غريزة القوة؟

أسماء وهبة
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

إنها أعمال عنف وحروب نقالة قصيرة الأمد، التي تعبر عن الصراع بين القوى الكبرى على غير أرضها من أجل إعادة تموضعها لإحكام سيطرتها على مناطق نفوذها، والتي تتنقل بين أفغانستان وفلسطين والعراق ودارفور ولبنان والجزائر وغيرها من الدول التي يمكن أن تشتعل تحت عنوان عريض هو الصراع على النفوذ العالمي، والذي من نتائجه حدوث مواجهات عسكرية رسمية كانت أو غير رسمية والتي يرتكب في ظلها جرائم مخلة بالقانون والعرف الإنساني وأهمها تشويه الجسد، بعد أن اتخذ الصراع في المناطق المشتعلة طابعا طائفيا ومذهبيا، كما ترسخ في لاوعي الأفرقاء المتقاتلين المختلفين ضرورة إلغاء ذلك الآخر لأنه يهدد وجوده. وهنا يصبح قد أي فعل إجرامي مباحا من أجل البقاء. وبدأت تتداول في الأوساط الإعلامية الأخبارية أنباء عن مجازر بشعة وقعت بحق مدنيين من قتل وتنكيل وتشويه والتي تتبناها بعض التيارات الأصولية، الشيء الذي يطرح علامات استفهام حول الطبيعة الإنسانية التي تقوم بهذا الفعل الإجرامي؟ وما هو موقف القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان منها بعد ما شهدناه من تمثيل بالجثث والتنكيل بها في مجزرة حلبا في الاحداث الاخيرة ؟!

ففي تقرير حول انتهاك حقوق الإنسان في الموصل كشفت لجنة حقوق الإنسان في نقابة المحاميين العراقية عن عمليات تعذيب مروعة في الموصل. ونقل عن محام في الموصل قوله: إن خطيب مسجد وهو الشيخ صبار الدليمي الذي اعترف باللواط داخل الجامع استخدمت معه أبشع أنواع التعذيب، حيث تم وضعه لمدة يومين في حفرة كبيرة مخصصة لأئمة المسجد مليئة بالماء العفن والذي يحتوي على مجموعة من الجثث المتفسخة. وتوفي الدليمي بعد يومين من إطلاق سراحه بعد إصابته بالغرغرينا جراء قطع أطرافه السفلية. كما سجلت المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان حالات عديدة لضحايا التعذيب، حيث وثقت المنظمة حالة تعذيب خطيرة لضحية فارق الحياة بعد أن تعرض إلى أعمال تنكيل وتعذيب. وتمثلت تلك الجرائم بقطع أسفل الأنف والأذن، وبتر أكثر من أربعة أصابع للقدم بطريقة تشير إلى أن عملية البتر تمت باستخدام آلة قاطعة، فضلا عن ممارسة شتى أنواع التعذيب الأخرى كالصعق بالكهرباء والضرب بشدة على كل أجزاء الجسم.

سيرورة التنكيل

وليس جديدا على الإنسان أن يسمع عن تشويه جسد إنساني سواء كان حيا أو ميتا. فلقد عرف التاريخ  أنواعا كثيرة من القتل والتشويه والتنكيل. ففي اليونان وروما كان سجناء الحرب يقتلون فور سجنهم أو فور القبض عليهم. وكان أحد أساليب التعذيب التي صممها الإمبراطور تيبيريوس شخصيا عبارة عن جعل الضحايا يشربون كمية كبيرة من النبيذ وبعد ذلك يربط كل الضحايا إلى بعضهم البعض بواسطة حبل يشد ليضغط على مثاناتهم المليئة بالسائل. وكان خليفة تيبيريوس كاليغولا يستمتع بمراقبة تعذيب سجنائه خلال تناول الطعام. وكان يأمر في بعض الحالات بتعذيب يشبه ما كان يعرف بالموت الصيني الذي كان عبارة عن طعنات متكررة بالسكين، حيث يشعر السجين الذي يتعرض لذلك التعذيب بأنه يموت موتا بطيئا. وكان يأمر أيضا بنشر ضحاياه بواسطة المنشار. أما الطاغية نيرون فكان المكان المفضل لديه للتعذيب هو حدائق قصره، حيث كان يتم ربط كل مجرم بجلد الذائاب ثم يسلم للكلاب المفترسة المتوحشة التي كانت تقطعه إربا. وكان يتم إشعال بقية المجرمين بالنيران بعد دهنهم بالزفت ثم إطلاقهم في المدينة ليكونوا شعلة للذئب في ليل روما.

تطور مدني أم عنفي

إلا أن التطور الذي شهدته الإنسانية لم يستطع أن يكبح جماح غريزة القتل والتشويه الوحشية لدى البعض، حتى أنهم لم يميزوا بين العسكريين والمدنيين! في حين أن البشرية كانت تتنظر أن تتراجع حدة العنف لصالح السلام والإستقرار. فمثلا خلال الحرب العالمية الثانية في الشرق الأقصى عانى سجناء الحلفاء أكثر المعاناة، خاصة وأن قانون المحارب الياباني يعتبر الإٍستسلام للعدو نوعا من العار فيجب على المساجين أن يعانوا من سوء المعاملة المهينة على أيدي آسريهم. فكانوا يضربون بالسوط أو يتعرضون لحالات تشبه الشنق حتى الرمق الأخير دون الموت.

الحماية القانونية

إزاء ذلك وفي ظل تطور القوانين الدولية وإطلاق شرعة حقوق الإنسان: ما هو موقف القانون الدولي من المجازر التي ترتكب بحق الإنسان من عمليات قتل وتشويه للجسد؟

يؤكد دكتور حسن جوني أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية على أهمية الجسد الكبيرة في مجال حقوق الإنسان في ظل تطور الإنسانية والذي تكرس من خلال الأديان السماوية التي قالت أن الله خلق الإنسان على صورته، الشيء الذي يعد تكريما كبيرا له. من هنا بدأ الإهتمام بالجسد وإعطائه أهمية قصوى. وهو مقدس قبل الموت وبعده وبالتالي لا يجوز أن يتعرض للتعذيب. ويتابع د. جوني: من هنا بدأت تطرح التساؤلات حول ملكية الإنسان لجسده إن كانت مطلقة أم لا؟ ومن خلال النصوص الدينية والأعراف تكرس في القوانين أن الإنسان لا يستطيع التصرف في جسده لأنه لا يملكه ملكية مطلقة، مما أحاط الجسد بهالة كبيرة من الأحترام. وبالتالي يمنع أن يمارس ضده أعمال التشويه والقتل والتعذيب والبيع والتجارة التي يعاقب عليها القانون المحلي والدولي.

إذن خاص

 

انطلاقا من احترام الجسد الإنساني وجدت شرعة حقوق الإنسان ومن ثم القانون الدولي الإنساني حسب د. جوني اللذان يمنعان التعرض للجثة والتنكيل بها وتشويهها ثم جرمت هذه الأفعال وغيرها المتصلة بها مثل نبش القبور أو التعرض للجثة سواء بعد الوفاة مباشرة أو بعد الدفن حتى إن كان ذلك لأسباب طبية أو قضائية والتي تحتاج إلى إذن خاص!

شروط القتل

وعلى هذه القاعدة لا يمكن القبول حسب د. جوني بما حدث في حلبا من قتل وتشويه وتنكيل. ويتابع: إن ما حدث في حلبا هو قتل أشخاص كانوا على قيد الحياة وضربهم حتى الموت ثم التنكيل بجثثهم، الشيء الذي لا تقبله أي شرعة أو قانون أو دين في العالم. صحيح أن هذه المجزرة حدثت في ظل معارك دائرة على الأرض بين فريقيين لبنانيين متقاتلين إلا أنه حسب القانون الدولي الإنساني الذي يطبق أثناء المعارك العسكرية يمنع التنكيل بالجسد وقتل أي إنسان أصبح خارج المعركة أو التعرض له طالما أن ذلك لا يشكل فائدة عسكرية محددة، أي أن هذا القانون وضع شروط محددة لقتل الإنسان أثناء الحرب.

تصنيف الجريمة

لذلك يدرج د. جوني مجزرة حلبا تحت الجرائم الجزائية حسب القانون الجنائي، ولكنها أصبحت لاحقا جريمة دولية لأنها ارتكبت أثناء معارك عسكرية والتي يطبق فيها قواعد القانون الدولي الإنساني وخصوصا قواعد القانون الدولي للنزاعات العسكرية المسلحة الداخلية، أي المادة السادسة المشتركة من اتفاقية جنيف التي يطبق فيها البروتوكول الثاني من نفس الإتفاقية، لأن الذي حصل يشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني ومبادئه. فلا يجوز قتل أي إنسان أثناء المعارك حتى لو كان مسلحا إن لم يكن يشكل خطرا عسكريا بالغا. وبالتالي تعتبر مجزرة حلبا جريمة حرب عملا بالمادة الثامنة من اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية. وأيضا تعتبر من الجرائم الجسيمة عملا باتفاقية جنيف حسب المواد خمسين من اتفاقية جنيف الأولى والمادة واحد وخمسين من اتفاقية جنيف الثانية وتسعة وعشرين من اتفاقية جنيف الثالثة و142 من اتفاقية جنيف الرابعة. كما أن إعطاء أمر بأن لا يبقى أحد من المقاتلين الذين استسلموا يعتبر جريمة حرب حسب المادة الثامنة من اتفاقية روما المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية، وأيضا المادة 85 من البروتوكول الأول الذي اعتبر كل هذه الأفعال جرائم حرب.

 

 

من هو القاتل؟

وبالرغم من تطور الشرعات القانونية الدولية التي تجرم هذه الجرائم التي يشهدها العراق وشهدها لبنان في الآونة الأخيرة وغيرها من البلاد إلا أنه لا يوجد من يردع هؤلاء المجرمين الذين تتضارب التحليلات النفسية حول تحليل سلوكهم الإجرامي العدواني الذي يدفعهم للقتل والتشويه وأيضا تصوير أنفسهم وهم يرتكبون هذا الجرم. فبعض المحللين النفسيين يرجعون هذا السلوك إلى شهوة جنسية سادية تتملك المجرم، أو هو إنسان قد غاب عقله في لحظة القت،ل أو غاب عنه وازعه الإيماني، أو هو من يقوم بترجمة رغبته في إظهار القوة العسكرية واستعراضها على الآخر الضعيف من خلال فعل القتل وتشويه الجسد.

من هنا يؤكد د. جوني على أنه لم يحصل في تاريخ الإنسانية ما شاهدناه في حلبا الذي له مدلولات خطيرة، والتي تشكل انتهاكا للشرائع والأعراف الإنسانية والإنسان بحد ذاته وحقوقه الإنسان وقانون العقوبات اللبناني وبالطبع القانون الدولي الإنساني.

العقوبة

أما عن العقوبة التي تطبق بحق المجرم الذي يقدم على فعل تشويه الجسد فيقول د. جوني أن قانون العقوبات اللبناني يطبق أقصى العقوبات ضد المجرمين الذين يرتكبون هذه الجرائم. ولكن ما حصل يعتبر جريمة ضد الإنسانية لذلك يجب متابعة هذا الملف في أروقة القضاء اللبناني من أجل الإقتصاص من الجناة. وإلا سنكون أمام رواج مفهوم فاشي جديد في لبنان يتعاطى مع الإنسان بأسلوب همجي لا يجد من يردعه! فيجب أن ينال من ارتكب مجزرة حلبا أقصى العقوبات الممكنة حتى لا نجد أنفسنا نعيش في مجتمع همجي ووحشي أقل ما يقال فيه أنه لا يحترم الإنسان ولا جسده الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.