العدد الرابع والثلاثون - تموز

سيكولوجية القتل في الجماهير المنفعلة:مجزرة حلبا نموذجا

خالد سليمان
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

ان جرائم القتل التي حصلت ابان الاحداث الاخيرة عكست حجم الكراهية المستشرية في نفوس المواطنين ودرجة الحقد الذي تمثل بتشويه جثث الضحايا في مناطق نزاع مختلفة من لبنان كان ابشعها بالطبع ما حصل في مدينة حلبا حيث عمد المهاجمون الى قتل عناصر الحزب القومي ببشاعة وتشويه الجثث والاجهاز على الجرحى وتصوير ما حصل عبر الهواتف النقالة وارسالها عبر تقنية البلوتوث لتحدث اكبر اثر في نفس المتلقي.

يظهر في الصور عدد من الرجال والفتية يتحلقون حول الضحايا امام ساحة مركز الحزب القومي حاملين هواتفهم ليصوروا الجثث المتراكمة فوق بعضهاالبعض فيما يبدو احد الشبان يقترب من جريح يلفظ انفاسه الاخيرة يطلب المساعدة، مخاطبا اياه بعبارات الانتقام والثأر اما اصوات التعقل والتهدئة التي تسمع فلا تجد لها اذانا صاغية بين الجماهير الغاضبة والمنتشية بانتصار على خصم يجب سحقه بكل الطرق.

ومهما تكن الاسباب السياسية التي ادت الى وقوع هذه المجزرة وبغض النظر عن تحميل اي فريق سياسي نتيجة ما حصل فان دراسة اسباب المظاهر العنفية لدى الجماهير الغاضبة تعيدنا بالذاكرة الى ما حصل في "غزوة الاشرفية" منذ نحو عامين ونيف وكيف تصرفت الحشود وقتها لنصل الى تحليل سلوك الفرد حينما يكون منصهرا في جمهور غير متجانس وموحد وتحليل سلوك الجماهير نفسها التي سبق ان وصفناها بانها"جماهير مجرمة، منفعلة، منظمة" (سيكولوجية التظاهر لدى اللبنانيين،مجلة تحولات،حزيران2006).

قبل ساعات قليلة من حصول معركة حلبا بدأت الجماهير تجتمع في ساحة حلبا تلبية لدعوة الى "اعتصام سلمي" استنكارا لما حصل في مدينة بيروت ليخرج عدد من الفتية والشبان من الجماهير ويتوجهون الى مركز القومي الذي لا يبعد سوى مسافة قصيرة عن مكان الاعتصام محاولين اقتحامه واحراقه مما ادى الى اطلاق النار عليهم من قبل حراس المركز فسقط شابان وجرح البعض الذين نقلوا على اكتاف رفاقهم الى المستشفى مرددين عبارات التكبير والدعوة الى الجهاد والاقتصاص من الفاعلين لتندلع شرارة المواجهات بعدها ويحدث ما يحدث.

هكذا انحرفت الجماهير الغاضبة في حلبا عن هدف الاعتصام السلمي تماما كما حصل في 5 شباط 2006 في الاشرفية حين انحرفت الجماهير المنفعلة لما حصل من اساءات للرسول محمد في الصحف الدنماركية عن اهدافها فعمدت الى تحطيم المباني المجاورة لمبنى القنصلية الدنماركية واحراق السيارات والاعتداء على دور العبادة ليخرج الامر عن المنظمين الذين لم يقصدوا بالطبع هذه الامور فخذلتهم جماهيرهم، وهذا امر متوقع.

ومرد تفسير هذا السلوك العنفي هو بالطبع التنفيس عما حصل في بيروت او قل "التنفيس عن حال احتقان للجماهير الغاضبة"كما قال احد المسؤولين الحزبيين ولكن مرده ايضا الى غياب العقل الفردي لدى الافراد حينما يكونون في جموع غفيرة وغير منظمة ،فالفرد حين يكون في جمهور ما يكتسب شعورا بالقوة لا يقاوم لا بل قد يرتكب اخطر الجرائم واببشعها ويتصرف بطريقة وحشية لا على انه كائن بشري .

وسلوك هذا الافراد نلاحظه في الجماهير الغاضبة في مدرجات ملاعب كرة القدم حيث تتحول الى جماهير مجرمة فتعمد الى التكسير والتحطيم والسباب وتنتقل العدوى بين افراد هذه الجماهير فتراهم يرددون العبارات ذاتها ما ان يردد احد الحاضرين عبارة ما.

اضافة الى ذلك ان وجود الفرد في جمهور ما يجعله يتصرف بسلوك مشابه لمن حوله لضمان سلامته فتراه ،بحسب تعبير ماك دوغال،يعوي مع الذئاب في مقاربة توصيفية لسلوك الفرد داخل الجماعة وهو يرفض القبول للامر الواقع ويتصرف من دون عقل موجه تماما كما قال احد الجرحى عبر الهاتف "انه مستعد للقتال حتى الموت" من دون ان يعرف من اجل ماذا يقاتل وعندما التقيته في المستشفى بعد ايام من المعركة كان مترددا ونادما لما حصل مقدما تبريرات لمكان وجوده في ارض المعركة يوم حصول الاشتباكات لانه استعاد عقله وتفكيره ولم يعد ينقاد لاهوائه وغرائزه التي حركها منظمو الاعتصام باثارة الحمية في نفسه وتصوير الصراع السياسي الدائر بانه يهدد وجوده ووجود طائفته.

ويفسر غوستاف لوبون  le bon في كتابه الشهير"سيكولوجية الجماهير"(ترجمة هاشم صالح) الفرد المنخرط في الجماهير افضل تفسير قائلا"ان الفرد بمجرد انضوائه داخل صفوف الجمهور ينزل درجات على سلم الحضارة.فهو عندما يكون فردا معزولا ربما يكون انسانا متعقلا ولكنه ما ان ينضم الى الجمهور حتى يصبح مقودا بغريزته و بالتالي همجيا.وهو عندما يتصف بعفوية الكائنات البدائية وعنفها وضراوتها وحماستها وبطولاتها ايضا.ويقترب منها اكثر بالسهولة التي يترك نفسه فيها عرضة للتأثر بالكلمات والصور التي تقوده الى اقتراف اعمال مخالفة لمصالحه الشخصية بشكل واضح وصريح.ان الفرد المنخرط في الجمهور هو عبارة عن حبة رمل وسط الحبات الرملية الاخرى التي تذروها الرياح على هواها".

كذلك تمتاز الجماهير المنفعلة بانها تصبح اكثر تطرفا واكثر تعصبا وسريعة التأثر والتصديق لكل ما يحدث ولا يمكن ابدا الوقوف امام طروحاتها ولكن هذه الجموع غيرالمتجانسة سرعان ما تتلاشى كما تتلاشى الامواج العاتية على سطح البحر،على حد تعبير فرويد(علم النفس الجمعي وتحليل الانا،ترجمة جورج طرابيشي).

وسرعان ما يتحول السلوك التعصبي لدى الجماهير الى اعمال عنف اجرامية وعنصرية عمياء تماما كما حصل في حلبا وبعض المناطق الاخرى حيث يروي احد الناجين من المجزرة ان المهاجمين قاموا باطلاق النارعليه وعلى رفيقه من على مسافة قريبة رغم معرفتهم بانهما ينتميان الى طائفتهم وبلغت اعمال العنف حدا وصل الى القضاء على الخصم غير الاساسي في المعركة(النقلة) كما حصل مع العمال السوريين في المنية وعكار.

ولكن الجماهير ليست دائما مجرمة كما يقول سيغهيل sighele (الجماهير المجرمة) وتارد tarde(الرأي والجماهير) بل تكون ايضا بطلة كما يصفها لوبون فمن السهل اقتيادها الى المذبحة والقتل باسم النضال من اجل انتصار عقيدة ايمانية او فكرة ما،ومن السهل تحريكهم وبث الحماثة قي مفاصلهم من اجل الدفاع عن المجد والشرف وبالامكان تجييشهم واقتيادهم بدون خبز وبدون سلاح تقريبا كما حصل في الحروب الصليبية من اجل تخليص قبر المسيح من ايدي الكفار او من اجل الدفاع عن تراب الوطن (لوبون،ص61).

لنأخذ دليلا على ذلك جماهير عاشوراء التي ينظمها سنويا حزب الله في الضاحية الجنوبية للتـأكيد على ان الجماهير ليس دائما مجرمة رغم انها تضم الالاف من الاشخاص المنفعلين مع حادثة دينية(مقتل الامام الحسين) فهذه الجموع انصهرت كمركب كيماوي مع كثير من الدقة والتنظيم فما السبب في ذلك؟

ان ما يميز تظاهرة عاشوراء وجود القائد المحرك للجماهير الذي تنصاع له خاضعة من دون اي تردد فلا يكاد امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ينطق بعبارة او قهقهة صغيرة حتى يردد من بعده الالاف عبارات الشكر والثناء والتضحية ،يضاف الى ذلك ان تظاهرة عاشوراء ذات نسيج موحد يرتبط افرادها ببعضهم البعض وهم يرتبضون بذات الوقت بالقائد وهذا ما يفسر التنظيم والانضباط الذي تمتاز بهما.

وهذه الامور مفقودة في جماهير حلبا المنفعلة والعابرة وغير المتجانسة حيث لا قائد ولا محرك سوى الكثير من التحريض وردات الفعل الغاضبة التي تحولت الى جماهير مجرمة في لحظة من اللحظات تريد ان تجتاح كل شيء وتحرق وتنهب ما يأتي امامها كما يروي قحطان المرعبي وزوجته(كافيتريا المرعبي القريبة من ساحة المعركة) اللذان شاهدا عمليات السرقة والنهب التي قامت به الجماهير بعد سقوط مركز القومي وتحطيم عدد من المؤسسات والمحال واحراق السيارات المركونة الى جانبي الطريق.  

* محام-باحث في علم الاجرام العيادي