العدد الرابع والثلاثون - تموز

أعتبر أن لبنان على أبواب كونفدرالية مذهبية رسمياً

نديم محسن لـتحولات: حلّ الأزمة اللبنانيّة دولة علمانيّة مدنيّة
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

لكلّ مشهد في الوطن عطره. حتّى المخيَّمات المكتظَّة البائسة المظلومة، لها عطر العودة، جملة تختصر مذهب الملحن والكاتب والفنان نديم محسن. هو لبناني من طائفة الوطنيين الحقيقيين، والعلمانيين الأوائل. يغني الوطن والإنسان والحب، بلا ضجيج، ويكتب عن سياسة الأمس واليوم والغد بلا تصفيق وهتافات. باختصار، نديم محسن فنان لبناني يحكي الفن والسياسة والأدب دون ملل أو كلل.

تحولات التقت نديم محسن وكان معه هذا الحوار:

1 ـ يعيش العالم العربيّ اليوم حالة حادّة من الفنّ الهابط. لماذا برأيك يستقطب هذا النوع من الفنّ جمهوراً أوسع من جمهور الفنّ الراقيّ؟

أعتقد أن الفنّ الهابط المنتشر في العالم العربيّ على علاقة عضويّة بالحالة السياسيّة الهابطة التي يعيشها هذا العالم، والدِّين الهابط، والاقتصاد الهابط، والإرادة الهابطة، والطموح الهابط! وفي مقاسات الهبوط، الخضوع أسهل من الرفض، والتبعيّة أسهل من الحرّيّة، والتماثل أسهل من التمايز، والتكرار أسهل من الابتكار، والحفظ أسهل من الإنشاء، والتسميع أسهل من الإبداع!

في أي مرحلة من مراحل التطوّر البشريّ، يشكّل الفنّ درجة متقدّمة من الوعي والتعبير عنه، قياساً إلى حالة اللا-فنّ! ولعلّنا، مع الفنّ التجاريّ الطاغي والمنتشر، نشهد عكساً للتاريخ البشريّ، بحيث أنه يروّج لمستوى من الوجود بدائيّ ومتأخّر عن حقيقة القضايا وعمق الاختبارات وغنى المشاعر ونضوج العقل.

ثمّ أن دورة الإنتاج
-  الإعلام تؤسّس لتيّار جارف يصعب على الفرد مقاومته أن لم يكن على دراية بقواعد الموجة
، ما ظهر منها وما احتجب! ودورة الإنتاج - الإعلام التي تعتاش من الفنّ الهابط وتشجّعه وتدعمه وتموّله، قويّة ومنظّمة وعصريّة. وهي تطال المجتمع بكلّ أعمار أفراده، من الأطفال، وأكاد أقول الرُضَّع، بل الأجنّة، إلى عجائزه. والنتيجة، أن الجماهير الواسعة تتلذّذ بفنّ الشركات التجاريّة تماماً كما نتلذّذ بالتشيبس والشوكولا والسكاكر، مستسلمين لطعمها السهل الجذّاب، من دون أن ندري ما تخبّئه من دسم ومواد اصطناعيّة. وكما منتجو الطعام الأورغانيك قلّة وشركاته قليلة والمقبلون عليه قلّة، كذلك حال الفنّ الأورغانيك! غير أن الخير يبدأ في القلّة. التحدّي هو في إرادة النُّور وقوّة الإشعاع!

2 ـ ما هي برأيك الآليّة ليصل الفنّ الراقي إلى شرائح أوسع من الناس؟

أحزاب فكريّة علمانيّة أخلاقيّة جديدة! وطبعاً، شركات إنتاج جديدة، وإعلام جديد.

3 ـ وما دخل الأحزاب في إيصال الفنّ الراقي؟

الأحزاب الفكريّة الجديدة التي أثق أن الشباب الحرّ يستأهلها ولا شكّ سيبتدعها، بانياً على إرث من المشرق التمّوزيّ الخلاّق، الأحزاب هذه، توفّر البيئة الثقافيّة والسياسيّة الصحّيّة لتنمو فيها شبيبة الروح، وتخلق أجواء مغزولة من نبض وتَوق وليس من أمان الطوق! فتضغط بحيويّتها المنتجة المبدعة باتّجاه مجتمع لا يرتضي اختصار حياته الفنّيّة بجملة موسيقيّة على مقام العجم!

حين تستشرس شركات الفنّ الغرائزيّ، بعضاً من مؤسّسات الثقافة الغرائزيّة، فلا مفرّ من أحزاب للعقائد الجميلة تؤسّس لحياة روحيّة ـ ماديّة أخلاقيّة فكريّة فنّيّة كبيئة مضادّة تحرّض الطاقة على الجمال.

وحين تستشرس شركات الإنتاج الفنّي في جعل الحياة الفنّيّة حبيسة زوولوجيا الغريزة وسُخف المقال، فعلى الواعين الطامحين الأنقياء مجتمعين أن يصرّوا على إنسانيّتهم، وعلى روعة الخيال، كما وعلى لبّ المعنى، فلا يخيفهم الرمز، مثلاً، وإنّما يحرّرهم من أحاديّة التجربة، ولا ينفّرهم الإيحاء، وإنّما يتّضح عبره الذكاءُ الشعوريّ.

مجتمع يضجّ بالأحزاب، الفكريّة المُحِبّة المنفتحة الحركيّة أقصد، لا الطائفيّة الحاقدة المنغلقة الجامدة، هو مجتمع يستدرّ بإصراره، بل بمجرّد وجوده، فنَّ الحياة، كما يستدرّ الرضيع المقبل على الحياة نسغ الأمّ وحليبها المتجلّي!

4 ـ وماذا عن شركات الإنتاج الجديدة؟

لن يقوم تيّار فنّيّ بديل إلا برعاية ماليّة. وإلى أن يستفيق الميسورون جداً والمتموّلون والأثرياء ممّن يعرّفون عن أنفسهم كوطنيّين أو قوميّين أو مثقّفين أو مناضلين اجتماعيّين، أو ما طاب من التعاريف المنَكَّهة، إلى أن يستفيق أحدهم أو مجموعة منهم من غيبوبة الضمير وصدق الاتّجاه، فيؤسّسوا شركة، أو حتّى يدعموا مباشرة كأفراد إنتاج أعمال فنّيّة، سيبقى الفنّ البديل محدود الانتشار، بطيء التشكّل، وضعيف الاستمراريّة.

ثمّ، لم يعد الأمر ينتهي بإنتاج الأعمال. فالإعلام بات الوسيط القويّ في العلاقة بين الإنتاج والجمهور. لذا، فما قلته عن شركات الإنتاج يسري على الإعلام، خاصّة المرئيّ والمسموع منه، إذ أن الإعلام قادر أن يخنق أي إنتاج، ويحدّ من انتشاره، كما العكس.

5 ـ في أغنية واو القسم من عملك الثاني رقص النار، تقول: في مَيّ بدّا نخَلّصا من نوح.... ماذا استدعى أن تكون الأسطورة معكوسة؟

أوّلاً، تحرير الأسطورة المشرقيّة، وامتداداتها المتوسّطيّة إلى مصر فاليونان، من التهويد والأسرَلة! وثانياً، إعادة التركيز بحركيّة على المعاني الحضاريّة والاجتماعيّة والجماليّة والقيَميّة للأسطورة، بدل تحويل أبطالها ورموزها إلى أنبياء، وأحداثها الفنّيّة الأدبيّة إلى مسلّمات دينيّة وحقائق تاريخيّة! أن الماء بما فيها من حياة مهدّدة فعلاً من طاغوت الوهم! ومخيف أن البشر الذين أبدعوا الدِّين كبعض نظرة إلى الحياة والوجود، باتوا أسراه!

6 ـ وتتابع، ... في نار بدّا نحْمِيا/ عم يطْفِيا بتمّو الشبح... ويروح...

كلّ ما حولنا يشير إلى أن الوهج يخبو، واللهفة تبرد، والاندفاع يتباطأ، والوجدان يتصنّم. العواطف كلّها أدمنَت الوسط، والنبض إثر الحفيف.

إنّ النار، حامية الإنسان من الكواسر والوحوش، الموحية بامتدادات الدفء وجنون الرقص، المنيرة، الفاعلة، المبادِِرة، الواثقة، المهاجِمة، المرتفعة، الطليعيّة، الجاذبة، باتت مهدَّدة ومداهَمة من أقرب الناس إليها، وباتت بحاجة إلى مَن يحضنها، يحميها، ويؤجّجها. الفكرة مستهدَفة من مدّعييها، وأشدّ أعداء الفكرة هم مَن يحملون لواءها!

7 ـ أيّة فكرة؟

الفكرة بالمطلق! اليسوعيّة مستهدفة من المسيحيّة، أي من المؤسّسات الكنسيّة؛ المحمّديّة مستهدفة من الإسلام السياسيّ والتلقينيّ؛ القوميّة الاجتماعيّة مستهدفة من الأحزاب التي تدّعيها؛ الديمقراطيّة من الدول الطاغية التي تدّعيها؛ الموسيقا من الشركات التي تنتجها وترعاها؛ الحبّ من المؤسّسة التي ادّعته فسخّفته زواجاً تقليديّاً مدبّراً أو طائفيّاً محتّماً أو ماليّاً محسوباً؛ المعرفة من المدارس والجامعات التي تسلّعها؛ الـدولة من الأنظمة؛ والدِّين من أنبيائه!

8 ـ كيف تردّ على من يتّهمك بالأنانيّة لقيامك بعمل متكامل من كتابة القصيدة وتلحينها وغنائها؟

لعلّ مَن يستنتج ذلك فارغ حتّى الحضيض! أو جاهل حتّى الجفاف! أو على الأرجح، حاقد من شدّة فقر الروح! وعلماً أنني أدّيت أغنية واحدة فقط من مجمل أغانيّ، إلا أنّنا لو اتّبعنا منطق مَن يتّهم، في أن الجمع بين الكتابة والتلحين، أو بين التلحين والغناء، تعبير عن أنانيّة، لاستحال زكي ناصيف، الذي يكتب ويلحّن ويغنّي، والأخوان الرحباني وروميو لحّود ووديع الصافي وملحم بركات ومخّول قاصوف ومارسيل خليفة وزياد الرحبانيّ وسميح شقير وسامي حوّاط وفرقة صابرين وهبة القوّاص وجاهدة وهبة ومحمّد عبد الوهّاب وجون لينون وإلتون جون وستينغ ولورينا ماكينت وفيل كولينز، على سبيل المثال لا الحصر أبداً، إضافة إلى ثلاثة أرباع الفنّانين في العالم، أنانيّون، واستطراداً، لاستحال أنانيّاً كلّ مَن يجمع كتابة النصّ المسرحيّ إلى إخراجه، أو كتابة النصّ إلى التمثيل، وكلّ مَن يستطيع، توازياً، تنفيذ عملين أو أكثر. والحال لم يبقَ غير الفارغ الجاهل الحاقد غير أنانيّ، لأنه على ما يبدو غير قادر على خلق أو إبداع أو فعل أي شيء بذاته! أللهمّ، إلا الفحيح!

لن أعتذر أبداً عن جمع كتابة المقال السياسيّ والتعليم الجامعيّ والتلحين وكتابة الشعر والعمل الوظيفيّ، فالعشق لا يأتي متفرّقاً!

9 ـ ما الذي يستفزّك ويغريك للكتابة أو التلحين؟

لا أكتب مستفَزّاً ولا ألحّن مستدرَجاً، بردّ فعل أو استجابة لمباشَر ما، مهما قسا أو أثّر. ولكنّها لحظات فيض من امتلاء الحياة؛ لحظات متطرّفة، حاسمة، وإراديّة بامتياز.

كلّ ما يَعبُر حواسي إلى دواخلي، ينصهر، يندفع، أو ينغرس. بعد ذلك، يصعب التمييز بين البركان والطوفان والبستان!

 

الحل.. علمنة

10 ـ لو كنتَ حاضراً على الساحة السياسيّة اليوم، كيف تتصّور الحلّ للأزمة اللبنانيّة؟

إنّ المآزق الدوريّة اللانهائيّة التي تمرّ بها السياسة اللبنانيّة، هي من طبيعة النظام الإقصائيّ الجامد، المبني على خوف الطوائف داخليّاً، وارتباطاتها بمعاقل خارجيّة. وليست الانفراجات الآنيّة الظاهريّة، إلا فترات هضم الطوائف لما ابتلعت من أشلاء بعضها ونهشت من معنى الكيان، واستعدادات لجولات دمويّة جديدة.

إنّ حلّ الأزمة اللبنانيّة، المتعدّدة المستويات، رهن إرادة التغيير الشعبيّ كما والمؤسّساتيّ نحو دولة علمانيّة مدنيّة، لا طائفيّة؛ إرادة تتجلّى بدءاً وتوازياً في قانون انتخابات نسبيّ في لبنان دائرة انتخابيّة واحدة، وفي نشوء أحزاب أفكار وبرامج، وفي قانون مدنيّ موحّد للأحوال الشخصيّة. ثمّ من مصلحة لبنان أن يكون عضواً في مشرق متعاون اقتصادياً وثقافيّاً وعسكريّاً، وفاعلاً فيه. بعد ذلك، يمكن التعامل مع التأثيرات الإقليميّة والدوليّة بطريقة أفضل.

11 ـ أين ترى المشكلة الحقيقيّة: أفي الشعب اللبنانيّ أم في سياسيّيه أم في التدخّلات الخارجيّة؟

لا بدّ للنواة، للخليّة، أن تتمتّع بالعافية ليكون لأي كيان فاعليّة. المشكلة مثلّثة. أنا أفهم أن يقوم السياسيّون بما يضمن منافعهم ولو على أنقاض مصالح الشعب اللبنانيّ؛ وأفهم أن تعمل القوى الخارجيّة لتحقيق مصالحها ولو فوق رماد الأرز؛ ولكنّني لا أفهم أن يمعن اللبنانيّون في جلد الذات مرّة طائفيّة إثر مرّة إقطاعيّة ـ عائليّة إثر مرّة مذهبيّة!

12 ـ إلى أين يتّجه لبنان بنظرك؟

يتّجه لبنان إلى كذبة جديدة على نسق ربيع لبنان الذي بزّ غودو بالقدرة على عدم الحضور! وكما اعتاش مثلّث رفيق الحريريّ ـ البعث العسكريّ الشاميّ ـ أمراء ميليشيات الطوائف من وعود ربيعٍ لم يأتِ على مدى 15 عام منذ مطلع تسعينيّات القرن الماضي، سيحصد مقتسمو الدولة، الذين توافقوا في الدوحة، الآن القريب! أمّا المدى الأبعد، فنذيره أن اتّفاق الطائف أتى أسوأ من الميثاق الوطنيّ، واتّفاق الدوحة أسوأ من اتّفاق الطائف، والانحدار على الجرار. فلم يبقَ غير التشريع دستوريّاً لانتخاب كلّ طائفة، بل كلّ مذهب، لنوّابه، فيكتمل الموت! لبنان على أبواب كونفدراليّة مذهبيّة رسميّاً، فيما الشعب غارق في نيرفانا فتح الطرقات بعد قطعها ومبتهج بكرنفال عودة الوسط الأركيليّ والعشق التجاريّ. في كلّ مرّة تلتهب الطوائف السياسيّة والإقطاعيّات المذهبيّة، وتندلع الدماء، لا ينلجم المقتتلون إلا باتّفاق يزيد من تقويض الدولة اللبنانيّة ومن تحصين دولة كلّ مذهب.

 

عن مثقفي الطائفة...

13 ـ برأيك هل يقوم المثقفون بدورهم، أم تحوّل معظمهم إلى أدوات عند أصحاب المال والسلطة؟ وكيف تصف دور المثقّف اللبنانيّ في ظلّ أزمة بلاده؟

المثقّفون هم جزء من الأزمة، وليسوا في مذود طُهرانيّ. وكما هناك جهلة طائفيّون، هناك مثقّفون طائفيّون. ومثلما هناك جهلة مادّيّون، هناك مثقّفون مادّيّون. وهكذا، هناك مثقّفون متحجّرون، ومثقّفون عبيد، وتابعون، وجبناء، وانتهازيّون، وأزلام، ومنافقون و... مثقّفون جاهلون! أمّا الدور الذي أراه للمثقّف، فهو الدور الذي أراه لكلّ مواطن ومواطنة، ويتلخّص بنقيض الأوصاف أعلاه!

14 ـ ما هو اللـه بالنسبة إلى نديم محسن؟

الله تنويع على فكرة الآلهة؛ ترميز لأحاديّة الحاكم / الرجل المستأثر في الدولة والعمل والعائلة؛ انعكاس الجماعة الواضحة المحدَّدة في مطلق مبهم لا محدود؛ تمنّي البعض وحبّهم، وخوف آخرين؛ سلّة ملأى بكلّ مجهول؛ قياس تجريديّ لنفسيّة الجماعة وقيَمها وأخلاقها واهتماماتها ومخيالها ومستواها.

15 ـ إلى ماذا تطمح؟

أطمح إلى يومٍ من كون!

16 ـ يعمل الفنّان عادة بجدّ ليحقّق الانتشار بشتّى الوسائل. لماذا لا تسعى إلى ذلك؟

لست متفرِّغاً للفنّ. فأنا أعمل خارج إطاره. الفنّ بعضٌ من تعبير وموقف. وسأوليه اهتماماً أكبر.

17 ـ ماذا يعني لك الوطن؟ وماذا تعني لك الغربة؟

الوطن توكيد والغربة نفي.

18 ـ يحضر الوطن في أغانيك من دون ضجيج.

لكلّ مشهد في الوطن عطره: ليافا البرتقال. لتدمر التاريخ. لديار بكر الانتظار. لبيتنا في الحدث أمّي. حتّى المخيَّمات الفلسطينيّة، والآن العراقيّة، المكتظَّة البائسة المظلومة، لها عطر العودة. وهذه كلّها تأتي بلا ضجيج، كأنّما على هودج من غيم، أو من ياسمين!

19 ـ بجملة واحدة، صِف لنا ماذا يعني لك الفنّ بالمطلق.

بجملتين: الفنّ مستوى من الوجود متقدّم! والفنّ ابتداعٌ أجملٌ لاحتمالاتِ معنى من مبنى حتميّ.

 

 

كادرات

1 ـ مخيف أن البشر الذين أبدعوا الدِّين باتوا أسراه!

2 ـ أشدّ أعداء الفكرة هم مَن يحملون لواءها!

3 ـ مثلما هناك جهلة طائفيّون، هناك مثقّفون طائفيّون.

 

 

حاوره: زاهر العريضي - لين هاشم