العدد الرابع والثلاثون - تموز

فنانون شباب في متحف سرسق: أعمال تجمع بين الموت والحياة في بيروت

أسماء وهبة
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

شهدت بيروت أضخم تظاهرة سنوية تشيكلية في صالون الخريف الثامن والعشرين التابع لمتحف سرسق، والذي تضمن 108 أعمال لـ76 فناناً اختارتهم اللجنة التحكيمية من بين 273 عملاً لـ132 فناناً.

وفي هذا المعرض نجد عيون فنية ترصد أحوال مدينة بيروت المحاصرة بالقلق، فاستوحت أعمالها من الأحداث السياسية التي باتت الملهم للفنون اللبنانية الطالعة من عمق الأزمات وأهمها الخوف والهجرة والانقسام والفوضى.

وأهم ما يميز المعرض هو مشاركة جيل الشباب الأكثر جرأة في الألوان والأدوات والعناصر والأشِكال في حس جماعي. وبالتالي يمثل المشهد التشكيلي العام للمعرض فرصة نادرة لتنفس الحرية والاٍستمتاع بأناقة وهندسة العرض.

من ناحية أخرى تم التعرف على بعض الأعمال المعروضة في صالون الخريف في معارض سابقة لفنانين مثل شوقي شمعون وفلافيا قدسي ووجيه نحلة، لكن لم يمنع ذلك من إطلالات الشباب الجدد وفي طليعتهم شارل خوري الذي حاز جائزة المتحف في لوحة تمثل قراءة فنية مكثفة الصور، يكشف معها غموضاً رمزياً جمالياً تظهر فيه عناصر تصويرية وتمثيلية وتوزيع دقيق بنظام وإشارات وقوة داخلية حسب تعبيره. كما نرى نمو الرسم المنمنم عند لور غريب بشكل تراكمي وساحر وحيوي، يواكبه مضاعفة النبض والحركة والمساحة ومحاورة خصبة للألوان على طريقة ألعاب الأطفال.

ويمكن مقاربة مربعات منصور الهبر بترددات الرؤوس لمتاهات جميلة في عمق الأشكال وخلفياتها ومكعباتها وأصواتها ونشراتها الداخلية وصخب الحركة واللون. أما ايثل عدنان فلوحته تشبه كتابة شاعرية عميقة مركبة أشبه بالأكورديون ذات تمثيلية حساسة باللون والخط والكلمة.

 

قتل وشهداء

وفي واجهة العرض وسادة مكتنزة بالأزهار الصغيرة تحت عنوان ذاكرات وعنوان لجلبير الحاج الحائز على جائزة لجنة التحكيم الثانية. أما الشهادة والشهداء فنجدهم في لوحة زينة قمر الدين ضحايا الانفجارات والاغتيالات وشيئاً ما في مجزرة الزيتونة لدافيد كوراني، والأرامل بالأسود في لوحة منى باسيلي، وأكره هذا البلد. أحب هذا البلد هو الموقف الذي أعلنته زينة عاصي فرح في أربعة أعمال جدارية تصور كآبة وجه مصدوم بالحيرة على مسطح من مواد خشنة تطغى عليه ألوان الأحمر والأٍسود والترابي. كما تظهر انعكاسات التصريحات السياسية المتشنجة في لوحة ثلاثية لريما صعب ذات طابع ساخر تحمل شعار نشرة سياسية على السطح والتي كتبت بالقلم الأصفر النافر على حبل الغسيل في واجهة بيت. وتستدعي ديالا خضري بأسلوب ساخر ساحة المدينة التي يهيمن عليها الركود والترقب والملل في لوحة تمثل خلفيتها أبنية سكنية، على واجهاتها صور ضخمة لفتيات الإعلانات، وفي الأسفل مرآب للسيارات يتقاطع مع عبور أحد المارة متقدما وهو يتثاءب.

 

وجه آخر لبيروت

وتبدو بيروت من منظار آخر بمثابة أجنحة وأمكنة للعيش كما تظهر بريشة ريما أميوني. أما بيوت بيروت فهي مضاءة بالحكايات كما تتراءى من الأعلى في سلسلة سطوح بيروت لمارال ديربوغوسيان والتي تستعرض فيها برؤية بانورامية غنائية التركيب المديني لمكعبات متراصة الألوان والخطوط والتفاصيل، أما سمر مغربل فتتأمل قاع مدينة بيروت في تجهيز من تسع قطع سيراميك برؤية لا تخلو من الدعابة والعمق. إذ تترصد فقط الشوارع الشريدة، وتجسدها متسلقة مواسير الأبنية القديمة، حيث تجلس أو تستسلم إلى قيلولة. أما عبد الرحمن قطناني الحائز على شهادة خاصة من لجنة التحكيم فانتقل من بيروت إلى الأزقة الضيقة للمخيمات الفلسطينية، فأخذ من ملابس سكانها المعلقة على حبال الغسيل ألواناً متفرقة ثم بسطها وطواها ونسقها ليلصقها على خشب في تكوين متعرج وكأنه حاجز يحجب المعاناة القابعة خلفه، لأن الملابس لم تعد تستر عورات الشعب الفلسطيني ولحمه المكشوف للقنابل الحارقة والقتل! وهي في ثناياها المتعرجة شبيهة بخريطة ممزقة في الفراغ. ومن بيوت التنك الفقيرة الهشة لشعب مشرد تخرج امرأة لا يظهر منها سوى ظلها والتي تسعى إلى جمع نسيج الذاكرة الفلسطينية.

 

بورتريه وتصوير فوتوغرافي

وفي جناح البورتريه يبرز وجه الكاتب الياس خوري في ذروة الإنكباب على الأوراق بريشة غريتا نوفل التي عمدت بتلقائية لونية إلى قطف اللحظة المواتية من حياة الكاتب وعزلته.

وفي مجال التصوير الفوتوغرافي يبرز وجه الوسادة المزهر لجلبير الحاج، وزهرة الخريف لمارك نادر، ووجه إلسا لجوان عيسى. لكن ما من أحد يضاهي براعة الفنان العراقي حليم مهدي هادي في تصوير ثغرات النور التي تظهر كنجوم الليل على مساحة فضاء كبير في ثلاثية بغداد في الجنة التي استخدم فيها الصوف والأكريليك وكحل العيون، مضيفاً مناخات شفافة ومتميزة على نوافذه البغدادية.

 

أساليب متعددة

على خط آخر يقول هوفسب غيربويان عن لوحاته التي يطل فيها العشاق بضبابية الألوان أنه توسم الرسم المائي ليقوم برحلته مع الوجوه، حيث ينساب الحب خلفها وهي الخالية من التعابير، فيجلس العشاق بتهذيب يمهد للشغف الذي سينفجر ألواناً. أما يوسف نعمة فتوسل تقنيات تعكس روح المغامرة في أعماله ويقول: أطلق العنان للمرذاذ الهوائي وأسلوب الترانسفر الذي من خلاله أحافظ على لون أوراق الصحف حتى لا تصفر مع الأيام، ثم أعود إلى الأكريليك العتيق الطراز ومن بعده الحفر المتمرد على الخشب. أما ريا حداد فاعتمدت التصوير بالأبيض والأسود، حيث يتشاجر الضوء في الصور التي تعرضها حالياً في متحف سرسق. وتتابع: فالضوء هو الوسيلة التي أستطيع من خلالها أن أغوص في كل ما يخرج عن الواقع.

إن الرسم بالحياة ينبع من ثقافة الحياة. وفي الخارج أمتار وقماش كثيف من ثقافة الموت والعبث ومواد معتمة جدا. لذلك يأتي المعرض فرصة جمع جوهرية وضرورية، تحرض على الإنتاج والاطمئنان إلى ركائز تشكيلية تتفاوت تعبيرياً. ولكن ثمة ضرورة ملحة داخلياً لتوفيرها بقوة ولو ببراعات سريعة وأدوات وعناصر قابلة للنقاش في فعل تشكيلي متوازن لا يمكن معه اختزال الأشياء والأسماء والفضاءات التشكيلية الحديثة واتجاهاتها وتياراتها المتحركة والدينامية في دمج الفن والرسم، والتعرف على مزيد من الأفكار والأشياء والكثير من الحركة الملونة واندفاعة الرسم، بما يحير الإدراك في المحترفات المدنية الحديثة لجهة تحديد المحتويات والتيارات والتجارب. إلا أن الأبرز في المعرض هو التأكيد على أن الحياة مازالت تنبض في بيروت.