مقدمة لفهم أنطون سعاده

العدد 6 كانون الأول 2005 : حسان نجار
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

لم يكن أنطون سعاده رجلاً عادياً، بمعنى أنه لم يكن فيلسوفاً على نسق كانت مثلاً، ولا على نسق دوركهايم فيلسوفا اجتماعيا، كما انه لم يكن كماركس اقتصادياً، درس الاقتصاد فلسفَةً واشتقَّ في ضوء معادلاته مقولته الديالكتيكية.

أنطون سعاده، شخصية جمعت كل ما مثله كانت ودوركهايم وماركس.

أكثر من ذلك، كل ما جاء به تلامذة هؤلاء وعلى مختلف مدارسهم. وعندما نقول ذلك لا ندّعي أمراً لم يَكنْهُ سعاده. فهذا الرجل قد مارس الحياة بكل ما تعنيه، فهو فيلسوف وعالم اجتماع واقتصادي ولغوي وشاعر وناقد وموسيقي.. وسياسي وصُحفي.. وبائع في متجر ورجل أحب كغيره من الرجال، دخل السجون وعرف التشرد في بلاد الاغتراب، خُدِعَ لكنه لم يَخدع.

اعتلى المنابر، فهو خطيب بارع، كانت خطاباته في مطلقها مرتجلة.

أنطون سعاده كان رجلاً لم تختطفه الأضواء ولم تجتذبه صدارة الصحف، كما لم تغره المغريات السياسية أو المادية أو الاجتماعية، كان زعيماً كما كان رجلاً كأي مواطن، يركب حافلة كهربائية كما كان يسير في الطرقات دون أبهة أو حماية.

أنطون سعاده في اقرب صورة له، كان قوس قزح، يجمع في شخصيته كل شيء، كل علم، وكل فن وكل فلسفة، وكان رجلاً متنوع المواهب والمزايا والصفات والخصائص، وكما كان كانت حياته فلسفة وعلماً وفناً، هاجسه الوحيد والدائم كان وطنه.. مجتمعه.. أمته، لم يأت بجديد لكنه في كل ما قاله وفعله وعمله كان جديداً لأنه ـ وهذه ميزة قلما تميز بها نظراؤه في التاريخ ـ مزج كل شؤون الحياة في بوتقة الحياة صاهراً لها مبلوراً وصاقلاً لكل ما من شأنه رفعة وطنه وأمته. لم يقتبس، لكنه أضاف، لفهمه، لابد من تمثّل كل ما تقدم في كل حرف حوته آثاره، لأنه /الحرف/ كان قطرة دم افتدى بها وطنه..

كان عقلانياً (رغم أنه لم يكن من الفلاسفة العقلانيين، دعاة العقل في كل شأن وأمر) ذلك أنه في تنصيبه العقل شرعا أعلى لم يلغ دور العاطفة والغريزة والغيب في الحياة، كان العقل له عقلا جمعيا، مجتمعيا كان العقل عنده، كل ما يجعل من موطنيه، نسيجاً واحداً لبنية واحدة، تنوعا منسجما في تأدية دوره في الحياة، كما كان هو بحد ذاته. العقل، عند سعاده كان كل ما يعمل على وحدة الحياة، على عدم تناقضها في مختلف شؤونها وأمورها، دون ذلك، لا معنى للعقل عند سعاده. العقل عند سعاده ليس عقلا نظريا، بمعنى آخر، ليس ربطا لتفرعات الحياة وتشعباتها وتشابك شؤونها وأمورها، ربطا فكريا منطقيا واقتناعا مثاليا في كل ما يمت لها بصلة فحسب، العقل عند سعاده وضوح في الرؤى، في المنطلق والأداة والغاية، وضوح شرطه الأول والأخير: التعيين. كل مطلق غير واضح عند سعاده مجرد افتراض يحتمل الخطأ والصواب، الوجود وعدمه، العقل عند سعاده وضوح، شرطه ليكون كذلك، أن يكون قابلا وقادرا وممكنا لأن يكون شأناً عملياً، المعرفة، تعيّن ووضوح وعقل، المعرفة معاشة عند سعاده، المعرفة فعل وعمل، المعرفة تجسيد لمقدرات الإنسان، تحريض لطاقاته، صهر وبلورة وصقل لكل ما هو إنساني، المعرفة، شرطها الوحيد والأخير أيضاً: الوجود.

الوجود عند سعاده، هو وجود إنساني، وجود له علاقة بالإنسان، والإنسان معنى الوجود ومعرفته ووضوحه، الإنسان كمعرفة ووجود، هو الحقيقة التي حاول سعاده تسخيرها لقضايا وطنه وأمته، العقل، كمعرفة ووجود كحقيقة، كوضوح وتعيين، كانسان هو المجتمع، المجتمع ـ العقل ـ الإنسان هو كل ما يجسد وحدته، تناغمه انسجامه وتنوعه عدم تناقضه مع ذاته مع الآخر.

يقف سعاده من هذا الفهم موقفا لا لبس فيه، المبادئ للشعوب وليست الشعوب للمبادئ، في سياق التطور، تسقط شؤون عدة كانت لفترات طويلة أو قصيرة، من المقدسات التي لا تناقش، حتى لا يمكن التفكير فيها، هي مسلمات أكثر من رياضية، رغم ذلك، عند سعاده، تسقط غير مأسوف عليها، كلما بلغ الإنسان قمة بدت له آفاق قمم أخرى، من قمة إلى قمة، من حقيقة إلى حقائق أخرى، وكل منها يقود حكماً إلى عدة أخرى، عند سعاده هذه المسألة ذات أهمية بالغة، لا معنى لها أن لم تمارس على الأرض، في الواقع في المكان والزمان لذلك هي نسق الحياة سلوك ممارس لحظياً، هي سلوك عقلي، فكري، نمط تفكير قدرة على مشاكسة التعنت، الخروج من المماحكة، من جدل ذاتي وموضوعي لا طائل منه، هي نسق حياة على نحو ما يقول سعاده، يسقط البعض في سبيل الكل وليس العكس، في العكس، يجرد العقل من خصائصه، الفرد في سبيل المجموع وليس العكس، الفرد ليس مجرد إمكانية، ليس نتوءاً سناً في مسنن عجلة الحياة، الفرد أكثر من ذلك بكثير، الفرد مجتمع فيما يعمل، فيما يصبو إليه، الفرد ـ سعاده، شأن من شؤون الحياة، فكما هي الحياة شؤون، ولا يمكن لشأن أن يطغى على الآخر، كذلك الفرد، الفرد حاسة من حواس المجتمع، وقد يكون عدة حواس، مع ذلك لا تلغي أي منها الأخرى، الفرد مجتمع في واجباته والمجتمع فرد في حقوقه، هذه مسألة جد حاسمة عند سعاده.

في معادلة الحقوق والواجبات، نلحظ نسقا اقتصاديا، الحقوق في تدني نسبتها عن الواجبات للفرد في المجتمع، يكون الفرد والمجتمع في حالة تخلف، الحقوق هي على نسبة الواجبات الفرد والمجتمع حالة ركود، الحقوق أعلى في نسبتها من الواجبات أي تتدنى الواجبات إلى أقل ما يمكن مقابل ارتفاع الحقوق إلى أعلى ما يمكن، هنا وهنا فقط، عند سعاده نبلغ مستوى الإنسان ـ المجتمع.