العدد الرابع والثلاثون - تموز

الرواية كون والكون إحساس في أدب قاسم قاسم

نادية كريت
الثلاثاء 22 تموز (يوليو) 2008.
 

ولد الخيال العلمي أثناء القرن التاسع عشر عندما غرق العالم الغربي بما يسمى بالثورة الصناعية، وكان ذلك خاصة في أوروبا حيث وجد أرضاً خصبة في أسفار جون ثيرن Jules Verne الرائعة ومن ثم الدارونية الاشتراكية لهربرت ولز Herbert Wells وذلك قبل انتشاره في الولايات المتحدة الأميركية، حيث أصبح وبشكل سريع، صنفاً أدبياً، يومها كان التيار الواقعي في الأدب يترجم أو يعكس الفكر العلمي في الحياة اليومية وعملية دمج أو توجيه كل ما هو مطابق للعقل أو المنطق.

أخذ الخيال العلمي على عاتقه كل ما يتعلق بالتطور العلمي خاصة مع ماري شيلي عام 1818 حيث أنتجت شخصية فرانكشتاين وفي عام 1886 نشر لويس ستيفنس دكتور جيكل ومستر هايد أما رجل عصره فكان Jules Verne الذي أدهشه التطور الكبير للعلوم والتكنولوجيا، فكتب روايته المعروفة من الأرض إلى القمر عام 1856 وذلك قبل وصول الإنسان إلى القمر بسنوات عديدة جداً، وكان سيد الخيال العلمي آنذاك ومخترع قواعد علم الخيال أو رواية الخيال العلمي حيث العالم المخترع مختلف تماماً الاختلاف عن عالم الواقع!!

ولكن ما هو موقع الأديب الروائي قاسم قاسم من رواية الخيال العلمي خاصة بعد إنتاجه سلسلة من هذه الروايات، وبالتحديد في روايته جسد حار؟؟

عندما يصل الفرد إلى حد رفض الواقع بكل تفاصيله ومرارته، يلجأ إلى عالم الخيال وبالتحديد إلى عالم الخيال العلمي، كما هو الحال عند قاسم قاسم، حيث أبطال روايته يسبحون في فضاء خارجي، في كون استثنائي وجميل!! استثنائي؟؟ نعم!! حيث يلامس القارئ مقاطع وصفية رائعة خاصة بالأديب، تتعاقب مع شلالات أو تراكمات من الأفعال، سرد يلامس نقاء وصفاء ودنس الوضع البشري البائس!!

يتمتع الأديب بفكر علمي واقعي، مدقق، مستفصل، فيزيائي بحت إن الزمان الأطول الذي حاول أي كان قياسه، هو طول عمر البروتون الذي يزيد على (1) عشر منه، وأطول زمن قاسه أي كان بدقة هو طول عمر الكون الذي يبلغ نحو ستة عشرة بليون مليار عام. وفي الوقت عينه، فهو خيالي، شاعر وشفاف إلى أقصى حد، ترى الرومنطيقية البحتة تلامس الخيال العلمي، والوهم بمواجهة دائمة مع الحقيقة الموضوعية: صحيح أن الضوء غير موجود كجسد، إلا أنه موجود في داخل كل إنسان، الجمال ضوء صغير يبحث عن مخرج له ويلزمه جهد ليقاوم الواقع، لينقذ الذات من ورطه اليومي والمعاش... وهذا ما لا نلحظه في روايات الخيال العلمي في الغرب.

عالم قاسم قاسم هم عالم المخلوقات البشرية التي تتفاعل وتشعر وتعاني وتتحرك ولكن ضمن فضاء خارجي ساكت، صامد، غامض خفي ومتعذر بلوغه، حيث هنالك توق إلى الأحاسيس الإنسانية الحقة، وحيث المشاعر تحافظ على الدور والقيمة التي يسندها إليها الكاتب!! هنالك جسر عملاق يمتد بين العالم الإنساني، العاطفي الشرقي وعالم الخيال العلمي الموضوعي بالغرب!! وهذا ما يعطي لرواياته النكهة الشرقية، الخاصة والمتألمة، واقع فيزيائي، الكتروني، فضائي خارجي بمواجهة لا قياسية ومحدودية النفس البشرية والآلام الإنسانية!! وهذا ما لا نعثر عليه في روايات الخيال العلمي الخاصة بعالم الغرب. وأخيراً خلف هذا العالم الكوزموغرافي الرائع نسمع خفقان قلب ذو نبضات واختلاجات عدة، فتغدو رواية الخيال العلمي، كما سبق وقلنا، كون والكون إحساس قائم بذاته.

نادية كريت