ما أشبه اليوم بالأمس أميركا : تاريخ الوجود الأميركي في المنطقة

العدد 6 كانون الأول 2005 : رشا عزيز محفوض
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

ـ الحروب الأميركية في المنطقة تعرض بشكل جزئي أو نوادر.

ـ رغم فيض المطبوعات لم يوضع تاريخ للسياسة الأميركية في المنطقة في القرن التاسع عشر.

ـ زمرة إيسكس لتجّار الأفيون مهمتها إعطاء الرشوات وأحد ممثليها وزير للأسطول البحري.

ـ الحملة الأميركية على طرابلس الغرب مخلدة في الأسطر الأولى لنشيد المشاة البحرية الأميركية.

ـ سبيرس 1897: تحت مواسير مدافع السفن أمليت على حاكم تونس شروط الصلح وهذا ما أدهش شعوب أوروبا لأنه لم يحدث هذا من قبل.

ـ هيئات المرسلين الأميركيين تسهم في توطيد النفوذ الأميركي في المنطقة.

ـ الجامعة الأميركية في بيروت حصنٌ للتوسع السياسي والإيديولوجي الأميركي في المنطقة.

ـ التجار الأميركيون ما استطاعوا الاشتراك في استغلال مصادر البترول لولا البعثة العربية.

تقوم الأوساط الحاكمة الأميركية باتخاذ التدابير اللازمة لكي يظل تاريخ التوسع الأميركي في مرحلته الأولى، الذي شمل عملياً العالم الإسلامي، غامضاً بكليته تقريباً ولكي يظل مجهولاً بالنسبة للرأي العام الإسلامي في آسيا وأفريقيا. وحتى في حال تسليط الضوء من جانب المؤرخين الأميركان على الحروب ضد الدول البربرية في أوائل القرن التاسع عشر أو على سابق تاريخ معاهدة المسقطية لسنة 1833 يلجؤون إلى حيلة الصمت، أو إلى العرض الجزئي المقتطع، ساعين إلى حصر كل شيء في بعض الوقائع التي تشبه النوادر. ورغم فيض المطبوعات التي تتناول تاريخ الاستعمار لم يوضع لا في الغرب ولا في البلدان النامية تاريخ إجمالي للسياسة الاستعمارية الأميركية في بلدان العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر.

فلو عرف الملايين من المسلمين الحقيقة ودرسوا التاريخ الأميركي في العالم الإسلامي لبطلت وتبددت مزاعم الإدارات الأميركية المتعاقبة والدبلوماسيين والمستشرقين والكتاب والصحافيين والاحتكاريين الأميركيين بأن الولايات المتحدة كانت ولا تزال منذ نشوئها وإلى الآن عدوة للاستعمار ومع حق الشعوب وحريتها بدأب وثبات وصديقة وفية ومنزهة للشعوب الإسلامية. ولكن من المستحيل وغير المعقول الأمل في أن تصدق الشعوب الإسلامية مزاعم واشنطن في أن الأسطولين الأميركيين السادس والسابع قد أنشئا وبأن أكثر من 1500 قاعدة حربية أميركية قد أقيمت خارج الولايات المتحدة، وبأن القيادة المركزية السيئة الشهرة قد أسست لأجل الدفاع عن شعوب العالم الإسلامي وحمايتها.

تاريخ الوجود الأميركي في المنطقة

في المغرب:

ظهر اهتمام الولايات المتحدة الأميركية بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية في أواخر القرن الثامن عشر أي بعد سنوات قليلة من تأسيس الولايات المتحدة. وتجلى هذا الظهور من خلال السفن التجارية والحربية الأميركية ومن خلال التجار والدبلوماسيين وعملاء المخابرات الأميركية.

وكان من اهتماماتهم بهذه المنطقة في المقام الأول يتمثل بتجارة الأفيون حيث كان التجار الأميركيون يشترون الأفيون من أزمير وغيرة من مرافق الإمبراطورية العثمانية وينقلونها بسفنهم عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وحول رأس الرجاء الصالح وعبر المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي إلى كانتون.

في أوائل القرن التاسع عشر أخذ التجار الأميركيون في زحمة التنافس مع التجار الإنكليز ينقلون سنوياً إلى تلك المناطق من أربعة إلى خمسة أطنان من الأفيون ويسممون ملايين الصينيين ويبتزون أكثر من 500% من فائدة رأسمال الموظف، أي مئات الملايين من الدولارات.

إن نجاح هذه العمليات التجارية كان يتوقف بمقدار كبير على مواقف الحكام المسلمين في المغرب والجزائر وطرابلس الغرب فكانوا يجبون رسوماً كثيرة عن مرور السفن الأميركية المحملة بالأفيون في مياههم الإقليمية وعن تزويدهم بالماء والمأكولات أثناء زيارة المرافئ العربية وعن ضمان سلامتها. لهذا عقدت الحكومة الأميركية في 1786 معاهدة مع حاكم المغرب تعهدت بموجبه بدفع 10 آلاف دولار، ما يعادل مليون دولار حالياً، سنوياً لحاكم المغرب لقاء دعمه التجار الأميركيين وإعفائهم من دفع رسوم النقل.

في عام 1796، تم التوقيع على اتفاقية مماثلة مع طرابلس الغرب في السنة الثانية مع تونس وشكل تجار الأفيون في ذلك الوقت كتلة متراصة عرفت باسم شركاء بوسطن أو بزمرة إيسكس وأصبح أحد ممثلي زمرة إيسكس وهو كراونن شيلد وزيراً للأسطول البحري، هذه الزمرة كانت تعطي الشيوخ والوزراء رشوات كبيرة، مؤثرة بذلك في سياسة رؤساء الجمهورية.

ولهذا عندما طالب حكام الدول الإسلامية في أفريقيا الشمالية بتغيير المعاهدات القديمة ووقف تعسف البحارة الأميركان وزيادة المدفوعات والإعانات سلكت الحكومة الأميركية على المكشوف تحت ضغط زمرة إيسكس طريق العدوان على مسلمي أفريقيا الشمالية.

في عام 1800 ظهر الأسطول الحربي الأميركي في القسم الغربي من البحر الأبيض المتوسط لتسويغ ذلك منذرين بضرورة النضال ضد القراصنة.

في عام 1801 إلى 1805 أعد الأميرالات والدبلوماسيون الأميركيون وشنوا حرباً ضد طرابلس الغرب وحاصر الأسطول الأميركي العاصمة طرابلس، وبدأ الدبلوماسيان الأميركيان القنصل إيتوان في تونس، والقنصل كاتكارت في طرابلس بعلم من الرئيس الأميركي جيفرسون وتعليمات من زمرة إيسكس، يهيئان انقلاباً في طرابلس الغرب والتدخل المسلح في الوقت ذاته في هذا البلد، ولهذا الغرض أقاما اتصالاً مع حامد كرمنلي أخي حاكم طرابلس الذي كان يعيش في المنفى في مصر، فوقع حامد كرمنلي وإيتوان اتفاقية تعهدت بموجبها الولايات المتحدة بتقديم الدعم العسكري والمالي للكرمنلي لكي تساعده في أن يصبح حاكم طرابلس الغرب.

بدوره تعهد الكرمنلي أن يوفر للأميركيين وضعاً مميزاً في البلد ويعزز النضال ضد التجار الأوروبيين المزاحمين ويعين القنصل الأميركي في تونس إيتوان قائداً لقواته المسلحة.

وفي رسالة إلى وزير البحرية الأميركية في 13 شباط 1805 أفاد إيتوان أنه يعتزم البدء الاستيلاء على المناطق الشرقية من طرابلس الغرب ثم يبدأ مع جيش حامد كرمنلي المؤلف في مصر بالأموال الأميركية من شتى المغامرين مهاجمة طرابلس الغرب، وكان ينبغي أن يلقى الهجوم الدعم من مدفعية الأسطول الأميركي المرسل إلى طرابلس ومن فصيلة من المشاة البحريين، وبدأ تنفيذ الخطة، وتم الاستيلاء على مدينة درنة وعلى قلعتها رفع العلم الأميركي.

بعد الاستيلاء على درنة لم تكن هناك حاجة لمهاجمة طرابلس، حيث تملك يوسف كرمنلي حاكم طرابلس الذعر وقام بتوقيع معاهدة ملائمة للجانب الأميركي ملاءمةً تامة مع القنصل الأميركي العام في أفريقيا الشمالية. وهكذا انتهت أول حرب استعمارية شنتها الولايات المتحدة في العالم العربي ومن خلالها فرضت على طرابلس الغرب أول معاهدة غير متكافئة.

إن اشتراك القوات المسلحة الأميركية في هذه الحملة على طرابلس الغرب مخلدة في الأسطر الأولى من نشيد المشاة البحريين الأميركيين.

من تلال مونتيسوما إلى سواحل طرابلس، في السماء، وفي الأرض خضنا معارك الوطن وهذا النشيد يتسم الآن بأهمية خاصة على ضوء المهمات التي طرحها المعتدون الأميركيون على مشارة البحرية في تنفيذ خططهم بحق الشعب العربي والشعب الأفغاني وبحق شعوب الشرق الإسلامية.

وبينما كان إيتوان وكاتكارت يهيئان التدخل المسلح ضد طرابلس الغرب، ساق الأميركيون سفن أسطولهم البحري المسلح إلى مرفأ طنجة، وبدأ حصار لا سابق له في زمن السلام للقسم الشمالي من ساحل المحيط الأطلسي والقسم الغربي من ساحل البحر الأبيض المتوسط في المغرب.

في عام 1804 من شهر تشرين الأول اضطر المغاربة إلى توقيع معاهدة مع الولايات المتحدة الأميركية مددت مفعول معاهدة 1786 لكنها تضمنت شروطاً أقل ملاءمة للمغرب.

شجعت النجاحات في طرابلس الغرب والمغرب الأميركيين فركزوا أنظارهم على تونس، وبالمؤامرات والتحدي والتحرش، استفز الممثل الدبلوماسي الأميركي في هذه الدولة الإسلامية داي تونس في 1804 ـ 1805 على اتخاذ تدابير مضادة، وفي تموز 1805 اضطر الداي إلى طرد الممثل الدبلوماسي الأميركي من البلد، وهذه الخطوة بالذات كان ينتظرها آمر الأسطول الحربي الأميركي الذي كان يجوب في الجوار، في آب 1805 أخذت سفن الأسطول تقصف مدينة تونس دون أي إنذار، وبعد ذلك أرسل روجرز قائد الأسطول الأميركي إلى حاكم تونس مشروعاً تعهداً ضمانياً من شأن الموافقة عليه أن يؤمن فوائد وتسهيلات إضافية لأجل الأميركيين. وأنذر روجرز داي تونس بأن التوقيع على هذه الوثيقة في الحال هو وحده الذي ينقذ عاصمته من قصف مدفعي أقوى، وهكذا تم التوقيع على معاهدة أميركية تونسية غير متكافئة.

وفي هذا الصدد كتب سبيرس، الذي وضع تاريخاً من عدة مجلدات للأسطول الأميركي ونشره في سنة 1897 عندما لم تكن الأوساط الحاكمة الأميركية لتخفي بعد اعتداءاتها على شعوب العالم الإسلامي وعندما لم تكن لتصور نفسها بعد بصورة صديقة الإسلام الدائمة تحت مواسير مدافع السفن، أمليت على حاكم تونس شروط الصلح، وهذا ما أدهش شعوب أوروبا، لأنه لم يحدث قط من قبل شيء من هذا القبيل ثم أشار بصفاقة ووقاحة إلى التأثير الإيجابي الذي مارسته القوات البحرية الأميركية في تطور تجارة الأمة الأميركية الخارجية.

سنة 1815 وفور توقيع معاهدة الصلح الأميركية البريطانية شرعت أميركا في تنفيذ خطتها للاستيلاء على الجزائر واتجه الأسطول الأميركي إلى ساحل الجزائر، وبحجة النضال ضد القراصنة قصفت السفن الأميركية مدينة الجزائر قصفاً ماحقاً. وبعد ذلك أرسل قائد الأسطول إلى عمر حاكم الجزائر إنذاراً بتوقيع معاهدة جائرة تتضمن بنوداً بشأن منح التجار الأميركيين فوائد وتسهيلات خاصة والأهم بشأن حصانة الأميركان. لم يوافق عمر داي الجزائر على هذه المعاهدة إلا بصورة مشروطة ومع ذلك استثار استياء جدياً في صفوف التجار الجزائريين ولهذا لم يعمد حاكم الجزائر في غضون 1815 ـ 1816 إلى إبرام هذه المعاهدة، ولذلك أرسلت أميركا إلى سواحل الجزائر سفناً جديدة مسلحة بمدافع بعيدة المدى، وفي هذه الأحوال طلب الداي من الدبلوماسي الأميركي شيلر أن يعطيه شهادة تفيد أنه اضطر لقبول هذه الاتفاقية تحت فوهات المدافع الأميركية، وبعد أن حصل الداي عمر على وثيقة بوضعه الذي لا مخرج منه أبرم في 23 كانون الأول 1816 المعاهدة الأميركية الجزائرية.

وبينما كانت تجري المفاوضات مع الداي عمر ورجال بلاطه، استخدم الأميركيون أسطولهم البحري لأجل تنظيم هجمات جديدة على مدن تونس وطرابلس الغرب البحرية، وفي المحصلة استطاع القراصنة الأميركيون أن يبتزوا غرامة كبيرة رغم معاهدة الصلح مع هذين البلدين 1802 ـ 1805.

ذلك هو تاريخ العدوان الأميركي المخزي على الشعب العربي في شمال أفريقيا التي كانوا في الولايات المتحدة الأميركية ينعتون بلدانها بازدراء واحتقار بالدول الهمجية. أما في الواقع فإن هذه البلدان كانت مراكز للثقافة العالمية خلال قرون قبل ظهور الأوروبيين في أميركا.

إن نجاحات القراصنة الأميركيين والدبلوماسيين المغامرين في الدول العربية في شمال أفريقيا قد أسهمت بقسط كبير في حمل واشنطن على اتخاذ قرار في عام 1820 تحت ضغط زمرة إيسكس بتشكيل أسطول حربي دائم في البحر الأبيض المتوسط وفضلاً عن ذلك تسنى للحكومة الأميركية أن تدفع إسبانيا التي ضعفت بعد غزوات نابليون بونابرت إلى الموافقة على استعمال مرفأ مارن (رجزر البالبار)، كقاعدة دائمة لهذا الأسطول السادس الأميركي في مياه البحر الأبيض المتوسط منذ ذلك الحين.

في المشرق:

الخليج العربي والمحيط الهندي

مع التوسع في حوض البحر الأبيض المتوسط بدأ الأميركيون يتغلغلون في العالم العربي من جانب المحيط الهندي أيضاً. في المرحلة الأولى من هذا التغلغل اضطلع بدور مهم صاحب السفن الكبير من ولاية نيو ـ همبشير أدموند روبرتس. ففي سنة 1823 ذهب إلى جزيرة زنجبار التي كانت آنذاك من ممتلكات سلطان مسقط سعيد بن سلطان والتي كانت من مراكز التجارة في أفريقيا الشرقية بما في ذلك النخاسة. وقد استطاع روبرتس أن يقيم اتصالاً مع حاكم مسقط وعرض عليه عقد معاهدة تجارية مع الولايات المتحدة، وقد وافق سعيد بن سلطان على منح التجار الأميركيين امتيازات كبيرة.

في أيلول وصل روبرتس على متن بيكوك إلى مسقط وسلم سعيد بن سلطان رسالة من الرئيس الأميركي جاكسون. وفي أيلول 1833 تم التوقيع على المعاهدة الأميركية المسقطية التي منحت الأميركيين حق الأمانة المفضلة والحصانة الدبلوماسية وحق إنشاء القنصليات، وألزم بند خاص حكام السلطنة بتقديم العون لجميع السفن الأميركية التي تقع في كارثة في مياه مسقط، وبإعالة طواقمها على نفقتهم. وقد كتب سعيد بن سلطان في رسالته الجوابية إلى جاكسون في 7 تشرين الأول 1833 ما يلي: كان لي شرف تلقي رسالتكم في يوم وساعة غمراني في السعادة والفرح لأن كل كلمة كانت واضحة كالشمس في الظهر ولأن كل حرف كان يشع ببالغ السطوع كالنجوم في الجنة.. أعدكم بتنفيذ جميع طلباتكم ورغباتكم في ممتلكاتي.

وفي سنة 1835 حين مضى روبرتس من جديد إلى مسقط لكي يسلم السلطان المعاهدة التي صادق عليها مجلس الشيوخ والرئيس، صارت بيكوك أول سفينة أميركية اضطرت إلى الاستفادة من بند المعاهدة بشأن المساعدة في حالة إصابة السفن بكارثة لأنها جنحت قرب جزيرة مصيرة. وقد ظلت المعاهدة الأميركية المسقطية سارية المفعول طوال أكثر من 100 سنة، وفي 20 تشرين الأول 1958 استعيض عنها بمعاهدة جديدة منحت الولايات المتحدة الأميركية امتيازات جديدة في السلطنة.

وقد استغلت الأوساط الحاكمة الأميركية المعاهدة الأميركية لسنة 1833 والمعاهدة المماثلة التي وقعها في السنة ذاتها روبرتس مع السيام حالياً تايلاند لأجل زيادة التوسع في المحيط الهندي. وفي هذا الوضع لم يعزز حكام الولايات المتحدة أسطولهم البحري في البحر الأبيض المتوسط وحسب، بل بدؤوا يبحثون بهمة وعزم عن قواعد حربية في هذه المنطقة. وقد استغلوا المعاهدة الأميركية التركية لعام 1830 ومصلحة السلاطين الأتراك في بناء السفن الحربية في الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت ذاته شرعوا في واشنطن عملياً في عسكرة المحيط الهندي. ففي سنة 1835، أي قبل أن تبني الولايات المتحدة في ديبغو ـ غارسيا قاعدتها الكبرى في المحيط الهندي بـ 140 سنة شكلت الولايات المتحدة أسطول الهند الشرقية لأجل القيام بالمظاهرات العسكرية السياسية، والضغط على حكام الدول في أفريقيا الشمالية الشرقية والخليج وفي سنة 1878 أرسلت الولايات المتحدة إلى البحر الأحمر والخليج العربي أسطولاً بقيادة الكومودور شوفلد، وقد جاء في التعليمات الموجهة له: توطيد وتوسيع النفوذ الأميركي في أفريقيا الشرقية والبلدان المجاورة.

وقد زار شوفلد مع قسم من سفن الأسطول الهند الشرقية مرافئ الخليج العربي ولكن هذا أيضاً لم يكف ممثل الوزارة البحرية الحربية الأميركية التي تعود أسطولها منذ أواخر القرن الثامن عشر على انتهاك سيادة البلدان الإسلامية، فقد استغل شوفلد ضعف مواقف الإمبراطورية العثمانية من جراء الحرب الروسية ـ التركية 1877 ـ 1878 ومؤتمر برلين حيث نسقت الدول الغربية سياستها للتدخل في الشؤون الداخلية للإمبراطورية العثمانية، فصعد على متن إحدى السفن نحو شط العرب والفرات بغية الحصول على معلومات كاملة عن الوضع في العراق وعن العلاقات المتبادلة بين الإمبراطورية العثمانية والعراق وكذلك بين السلطات التركية المحلية وشيوخ القبائل.

منذ أوائل القرن التاسع عشر، أخذت هيئات المرسلين الأميركيين تسهم بنشاط في توطيد النفوذ الأميركي في بلدان العالم الإسلامي وفي سنة 1823 تأسست في بيروت، بدعم فعال من تاجر الأفيون أوفلي الذي أصبح قنصلاً أميركياً، أول بعثة بروتستانتية أميركية. اهتمت هذه البعثة اهتماماً كبيراً، لا بنشر التوراة باللغة العربية وحسب، بل أيضاً بفتح شبكة من المدارس في الشرق وعلى هذا الأساس أنشئت فيما بعد الكلية البروتستانتية السورية التي صارت في سنة 1866 الجامعة الأميركية في بيروت.

إن هذه الجامعة على امتداد تاريخها كله حصن للتوسع السياسي والإيديولوجي الأميركي في الشرق، مثلاً في سنة 1919 استغل مدير الجامعة هوفارد بليس، ابن مؤسس الجامعة دانييل بليس، معرفته القريبة مع الرئيس الأميركي ويلسون لكي يرسل ويلسون إلى سوريا ولبنان وفلسطين بعثة حكومية أميركية برئاسة كينغ كرين بحجة دراسة الوضع السياسي في هذه البلدان. وقد أوصت بعثة كينغ كرين في تقرير قدمه الوفد الأميركي في مؤتمر الصلح في باريس بإنشاء دولة سورية فلسطينية واحدة تنتدب الولايات المتحدة الأميركية لحكمها وإدارتها.

وعلى تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين قام المرسلون الأميركيون بنشاط كبير جداً في حوض الخليج العربي، وهناك بذلت نشاطاً خاصاً منظمتان هما مجلس المرسلين الأميركيين وجمعية التوراة الأميركية. وهذه الجمعية التي عملت تحت شعار نشر المسيحية في العالم كله في حياة جيل واحد وزعت في بلدان الشرق في أوائل القرن العشرين أكثر من 4 ملايين نسخة من التوراة باللغات العربية والتركية والفرنسية ونظراً للصعوبات الكبيرة في ترجمة التوراة إلى هذه اللغات ونظراً لتكاليف الطبع الكبيرة، فمن الواضح تماماً أنه كان لا بد أن تقف وراء ظهر جمعية التوراة الأميركية أوساط نافذة تحت تصرفها ملايين الدولارات.

وبما أن هذا التدخل المكثف في حياة المسلمين الروحية أخذ يشير إلى مقاومة الشعوب في حوض الخليج العربي، فقد تقرر في واشنطن طمس نشاط المرسلين بعض الشيء وتنويعه، ولهذا الغرض أنشأ المستعرب الأميركي تسفيمر مؤلف كتاب العربية مهد الإسلام وعدد كبير من البحوث في الإسلام عام 1890 ما سمي بالبعثة العربية. وبعد سنة أسس مع معاونيه محطة للمرسلين في البصرة وفي الآونة الأولى قرر العاملون في هذه المحطة الانصراف إلى النشاط الطبي وليس إلى النشاط الديني فكتب تسفيمر: إن جميع المرسلين في العربية يؤكدون أن الشغيل الطبي الكفؤ والجراح الكفؤ يملكان إجازة مرور تفتح أمامهما الأبواب المغلقة ويكسبان أقسى القلوب.

وحين اقتنع أسياد مجلس المرسلين الأميركيين الذي كان يقوم قبل ذاك بنشر المسيحية بين العرب، بأن البعثة العربية قد اكتسبت نفوذاً في منطقة البصرة، بدؤوا يقدمون لهذه البعثة عوناً مادياً كبيراً، وفي سنة 1903 فتح معاونو البعثة مستشفى في جزر البحرين، وفي سنة 1911 منحوا محطة للمرسلين ومستشفى في الكويت رغم المقاومة العنيدة التي أبداها العميل السياسي البريطاني في الخليج.

وعن الأهمية التي اتسم بها نشاط البعثة العربية بالنسبة لخطط الاحتكارات الأميركية ومشروعاتها البعيدة المدى في بلدان العالم الإسلامي كتب المؤرخ الأميركي تشارلز هاملتون يقول: يعترف الكثيرون بأنه لولا عمل البعثة العربية البديع لما استطاع التجار الأميركيون أن يشتركوا في استغلال مصادر البترول الهائلة في الشرق الأوسط.

هذا بإيجاز بعض من تاريخ المرحلة الأولى من التوسع الأميركي في الشرق الأوسط والتي كانت سياستها تهدف إلى لفتح والاغتصاب ومهمتها فرض الرقابة على أهم سبل المواصلات البحرية ـ البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، والمحيط الأطلسي.

حاولت الأوساط الحاكمة الأميركية أن تستولي على أكبر نصيب ممكن من الدخل من تجارة الأفيون المخزية ومن الأرباح الطائلة الناجمة عن تجارة الأفاوية، وباللجوء إلى التجار والدبلوماسيين والمغامرين والجواسيس سعى الرأسمالي الأميركي إلى نيل التسهيلات والامتيازات والمراسي لأجل الأسطول والقواعد، وامتيازات الاستثمار وحقوق الحضارة الدبلوماسية في الجزائر والمغرب وتونس وطرابلس الغرب والإمبراطورية العثمانية وسلطنة عمان مسقط.. ، ومنذ 200 سنة أنشأ البيت الأبيض أسطول البحر الأبيض المتوسط وأسطول الهند الشرقية اللذين قصفت سفنهما درنا والجزائر وتونس، وباستغلال التوراة والدولارات. وبتأجيج نيران التناقضات بين المتنافسين الغربيين وكذلك بين الحكام المسلمين وبواساطة تجارة الأسلحة والتهديدات بمدفعية السفن استطاع الأميركيون أن يرسخوا أقدامهم في الإمبراطورية العثمانية وفي الخليج العربي، وقد نظموا أعمال التخريب الأيديولوجي في المغرب العربي وأعدوا الكوادر من العملاء في الجامعة الأميركية في بيروت.