الهاجس الأوروبي بين إقصاء اقتصاديات الهجرة وانتقاء هجرة الاقتصاديات

العدد 6 كانون الأول 2005 : المعتصم حاتم خربيط
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
ترجمت الشعوب العربية في بدايات القرن الماضي تمردها ضد تقسيم الوطن العربي الكبير إلى حركات وأحزاب تدعوا أغلبها إلى الإتحاد بمختلف أشكاله، سواء على النطاق الإقليمي أو الديني أو العربي عموما، وكان من أبرز نتائج تلك الحركات والأحزاب أن شجعت على استيراد وتصدير الخبرات والثقافات وتبادل الأيدي العاملة بين دول المنطقة.

غير أن الأسباب التي أدت إلى ضعضعة الحالة الاقتصادية في الوطن العربي عموما إضافة لتزايد النمو السكاني وظهور جيل شاب يبحث عن فرص العمل كان من أبرز العوامل التي أدت إلى هجرة الشباب العربي باتجاه الدول الأوروبية التي استطاعت عقب الحرب العالمية الثانية أن تباشر بصناعة قوى اقتصادية تحولها من دول مرسلة للهجرة ومصدرة للأيدي العاملة إلى دول مستقبلة لها.

ورغم المعاناة التي يصطدم المهاجر العربي بها هناك حيث ما من أحزاب عربية أو إسلامية أو وطنية تحميه من الاضطهاد والاتهام وخاصة لتبعيته الدينية، فإن أعداد الأيدي العاملة والعقول العلمية المهاجرة إلى دول أوروبا ما تزال في ازدياد، حتى وإن أصبحت قوانين استقبال المهاجرين صارمة؛ تبقى الهجرة غير الشرعية وخاصة من بلاد المغرب العربي وسيلة للتخلص من أعباء الفقر والبطالة.

لقد أمست أزمة الهجرة غير الشرعية من بلاد المغرب العربي إلى دول أوروبا عبئا ثقيلا ومثار بحث وجدل مستمر للحكومات المستقبلة، فالخروج من تحت وطأة خط الفقر الذي ارتفع في المملكة المغربية فوق 14 بالمائة من السكان، إضافة إلى 12 بالمائة ممن يعانون البطالة، و 23.7 بالمائة من سكان الجزائر الذين يعانون أزمة البطالة ذاتها، و15 بالمائة منهم أيضا في تونس، وتضييق قوانين الهجرة إلى جانب مختلف طرق الترغيب بها سواء الإعلامية منها أو الإعلانية أو الاجتماعية كحلم الهجرة الممنوع وتكوين ثروة تضمن العيش الرغيد، كل ذلك دون استبعاد جغرافية المنطقة التي تكاد لا تتعدى 14 كيلو مترا بين الشواطئ المغربية وأوروبا عامة لتصل إلى حد التقارب الشديد عند مضيق جبل طارق مع الشواطئ الاسبانية. كل ذلك يؤدي إلى تزايد أعداد الهجرة غير الشرعية وتفاقم الأزمة الاقتصادية الإنسانية الأوروبية، ويحولها إلى إشكالية يتناولها علماء الديموغرافيا ويقول عنها أحدهم، وهو العالم الفرنسي ألفريد صوفي: "إما أن ترحل الثروات حيث يوجد البشر، وإما أن يرحل البشر حيث توجد الثروات". وبحسب ما أكد محمد الخشاني رئيس الجمعية المغربية لدراسات وأبحاث الهجرة بجامعة محمد الخامس في الرباط في مقالة له أن الحد من هذه الظاهرة يقتضي تنمية فاعلة ومستدامة قادرة على خلق حوالي مليون فرصة عمل سنويا بالنسبة لدول المغرب العربي الثلاث (المغرب 400 ألف فرصة عمل، والجزائر 500 ألف فرصة عمل، و100 ألف فرصة عمل في تونس)، مؤكدا أن الأزمة لن تزال قائمة طالما أن: "الحد الأدنى للأجور في أوروبا يفوق بـ 3 إلى 5 مرات المستوى الموجود في دول المغرب العربي".

من جهة أخرى يؤكد محمد نظيف أستاذ كلية الحقوق في الرباط وعضو مكتب الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة أن: " صدمة البترول الأولى والأزمة الاقتصادية التي واكبتها في جل الدول الأوروبية، اضطرت تلك الدول لاتخاذ عدة تدابير من أجل التوقف عن استيراد اليد العاملة الأجنبية منها:

أن العاطلين الأوروبيين سيحلون محل العمال المهاجرين.

أن التقسيم الدولي للعمل قد يجعل الهجرة دون جدوى.

أن التقدم سوف يعوض الهجرة.

كما شرعت تلك الدول في نهج سياسات انتقائية في ميدان الهجرة لتتمكن من استقطاب بعض المتخصصين في مجالات معينة من العلم والمعرفة (البطاقة الخضراء بألمانيا).

هذه السياسة الانتقائية ينتج عنها جلب للأدمغة من دول الجنوب وجعل عدد كبير من الأشخاص الآخرين يقعون في وضعية السرية واللاقانون".

كما نوه نظيف إلى أنه وخلال الحربين العالميتين "لم تتردد" بريطانيا وفرنسا مثلا من اللجوء إلى مستعمراتها من أجل تجنيد عدد كبير من الشباب، تراوح عددهم بين 70 و90 ألف شاب مغربي، وقال: "بعد الحرب العالمية الثانية ساهم العمال المهاجرون في عملية إعادة إعمار أوروبا في مجال البناء والأشغال العمومية كما تم استعمالهم كيد عاملة في المناجم وقطاعات الصناعة والفلاحة والخدمات".

وقد ينتهي القول إلى أن سياسة (انتقاء هجرة الاقتصاديات) من العقول العلمية كالإعلاميين والمهندسين والأطباء وذوي الخبرة والاختصاص في مختلف المجالات، التي تتبعها الدول الأوروبية، تعتبر بشكل أو بآخر سياسة منطقية للدول ذات المستوى الاقتصادي المتقدم تحتله أوروبا عالميا، وأسلوبا ناجعا لإقصاء اقتصاديات الهجرة غير الشرعية تحديدا التي باتت تكلف على المستوى الفردي ما بين 600 إلى 5500 دولار للمهاجر الواحد في مضيق جبل طارق أما على المستوى الاستراتيجي فإنها تكلف الكثير للطرفين العربي والأوربي معا.