كيف تكون علمانياً في لبنان؟ *

العدد 6 كانون الأول 2005 : نصري الصايغ
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

هل، أنا العلماني، بمقدوري أن أكون علمانياً في لبنان؟

الجواب الأول: لا

لماذا؟ ما المعوقات التي تمنعني من ممارسة حقي في علمانيتي؟

الجواب المتسلسل:

أولاً: لأن النظام الطائفي، في كل مندرجاته القانونية، وفي كل نصوصه، وفي كل ممارساته وفي كل مؤسساته، غير معترف بي كعلماني. أنا بالنسبة إليه طائفي بحت، لا نافذة فيه للعلمانيين فهو يعترف بالطائفيين.

ملاحظة: الطائفي، ليس المتعصب طائفياً، أو الذي يفكر طائفياً، أو الذي يعتقد طائفياً، أو الذي يتسامح طائفياً، الطائفي هو من يسلك ويؤدي أدواراً في النظام الطائفي، أكان علمانياً متسامحاً أم طائفياً متعصباً. الفارق في حجم الأذى الذي قد يسببه هذا، أو ذلك.

ثانياً: لأن مؤسسات المجتمع المدني، في أكثريتها، تسير حتى من دون نصوص قانونية وفق المنظومة الطائفية. فالبلديات وقانون الانتخاب فيها، لا ينص على التوزيع الطائفي. ولكن تأليف اللوائح ولعبة الأكثرية والأقلية تتبع بدقة عرف التوزيع الطائفي. أما النقابات والمنابرة فهي أيضاً أقرت بضرورة التوزيع الطائفي، خوفاً عليها من نقمة "المحرومين". فقاعدة التمثيل في الدولة والنظام والمجتمع المدني هي قاعدة التوزيع الطائفي. إذاً، كن طائفياً، ولو بالتمثيل أو بالعرف، ستجد لك مكاناً في النظام. كفاءتك طائفيتك.

ثالثاً: لأن معظم المؤسسات الإعلامية الفاعلة، موزعة على الطوائف، وتقيم في جغرافيا طائفية. العلماني في هذه المؤسسات جسم غريب. فاعليته محدودة. والإعلام اليوم، جهاز فعّال، قوي، ذو سحر وقدرة على الإقناع. يوظف موقعه في طائفته، بغائية مثالية. الإعلام سابقاً، كان في أكثريته، يفتح باباً وسيعاً للعلمانيين.

رابعاً: المؤسسات التربوية والتعليمية والجامعية والصحية، في معظمها، خاضعة للمنبع الطائفي. راقبوا توزيع هذه المؤسسات على الطوائف. فيما مؤسسات الدولة موزعة، عرفاً، على زعماء الطوائف. كما تدرس تحفظ وتفكر. الإنسان اللبناني، محاط بالطائفية من كل الجهات.

خامساً: لأن الطائفية، المشتومة، الملعونة، المطلوب التخلص منها، المدمرة للمواهب والطاقات والإنسان، التي تهدر الكرامات والجهود والفعالية، هذه الطائفية المعيبة مقدسة. تنزل في السياسة مرتبة القداسة. لا تمس حصتها. تنزل في الإدارة منزلة الحقوق. لا عدل، إذا ظلمت الطائفية.لا مساواة، إذا ظلمت الطائفية. تعيش على المدح قليلاً، وعلى الذم كثيراً. كلما شتمتها نمت وتطورت.

سادساً: لأن الطائفية تتمتع بدينامية اجتماعية، وليس فقط بدينامية سياسية، هي نظام شمولي. تتغلغل في كل مفاصل الوطن. الجغرافيا طائفية. التاريخ اللبناني طوائفي. التعدد الثقافي طائفي. فهي لذلك، إطار ينتظم فيه الناس. الناس غير ملزمين أن يكونوا طائفيين. يختارون طائفيتهم بحكم التربية المنزلية، سلالة التربية العتيقة، سلالة التربية المدرسية، التربية الإعلامية. يختارون ما يشعرون بميل إليه. وأقرب الميول إلى اللبناني، ميوله إلى طائفته.

سابعاً: لأن الطائفية حققت إنجازات مهمة، فقد سجلت انتصارات على صعيد الدولة، عندما انتزعت منها الكثير، وجيرته إليها. وعندما سجلت إنجازات في المجتمع، فأفضل المدارس مدارس الطوائف، كذلك الجامعات والمستشفيات والإعلام و...

فكر قرون وسطى، استخدام منجزات الحداثة، وتفوق فيها. الطائفية تربح على كل الجبهات، حتى عندما تقاتلها.

ثامناً: لأن الطائفية زوجت السلطات المذهبية، إلى الزعامات التقليدية، إلى الوراثات العائلية، إلى صناديق المال ورجالاته، إلى مؤسسات الإعلام، فأضحت قوة عظمى، وسط قوة دولة تتلاشى. فالطوائفيات ثرية جداً جداً، مالاً وعقاراً ونفوذاً وسلطة وتأثيراً. فيما الدولة مفلسة مالاً وتأثيراً وسلطة.

تاسعاً: لأن العلمانيين لم يعرفوا كيف ينتصرون على الطائفية. وهذا بيت القصيد.

فلنسأل: إذا كانت الدولة دكتاتورية، فإن المشروع الواجب تبلوره، هو المشروع الديموقراطي. مشروع الحريات العامة. دولة القانون والمؤسسات. سلطة الشعب وأحزابه ونقاباته ومؤسساته.

إذا كانت الدولة طائفية، فما المشروع البديل؟ هال ترون مشروعاً بديلاً للنظام الطائفي؟

كلام عن الماضي يدلنا على ما يلي:

1 - عندما تقاتلت الطوائف انتصرت كلها (عام 1860، عام 1958، أعوام 1975 - 2000) حتى اتفاق الطائف. الذين يتقاتلون طائفياً يفوزون جميعاً.

2 - عندما تهادن الطائفية تنتصر أيضاً. وعندما تتحالف معها، تتقدم هي وتلغيك أنت.

3 - عندما تلتحق بالمشروع الطائفي، تأخذ الفتات الطائفي، وتمنع عنك الوطن.

4 - وعندما تشتمها... تتغذى وتنمو وتكبر.

ما قالته الحكومات عن الساعة الجميلة والرائعة التي تلغى فيها الطائفية، تواكب مع عما دؤوب لهذه الحكومات، لتغذية وتطوير وتنمية وإنجاح المؤسسات الطائفية وحصصها، داخل الدولة وفي المجتمع.

-  العنف ضد الطائفية خاسر. الطائفية تتغذى من عنفين، العنف المضاد والعنف الخاص.

-  الالتحاق بالطائفية، ومداراتها، والاحتياال عليها، والتغلغل فيها، وسائل خاسرة. الطائفية تستقوي بمن ينضم إليها عنوة أو طواعية.

-   الاشتراك معها في السلطة، في مراكز القرار، يعطي براءة ذمة للطائفية، لأن الآلية التي تسير بها، هي آلية طائفية.

إذاً، ماذا؟

هل يستطيع العلماني أن يكون علمانياً؟ وكيف؟

نعم

كيف؟

أولاً: أن يعرف أن علمانيته هي نقيض الطائفية.

ثانياً: أن يقيم حداً فاصلاً في السلوك بينه وبين الطائفية.

ثالثاُ: أن يبلور برنامج عمل مرحلي لبلوغ الحد الأدنى من الموجبات العلمانية. وأقترح

ما يلي:

أولاً: لأن النظام اللبناني، ديموقراطي طائفي، يقوم على المحاصصة والتوافق، وتمثيل جميع شرائح المجتمع، فإنه يتوجب علينا أن نبلور المطلب التالي، وأن نخترع له آلياته.

المطلب هو: نحن العلمانيين نريد حقوقنا في هذا النظام. نريد أن نكون علمانيين في دولتنا. نريد أن نكون علمانيين ممثلين في كل مؤسسات النظام اللبناني، على قدر حجمنا.

إذا كان من حق الطوائف الـ 18 أن تتمثل في النظام، فليس من حقها، ديموقراطياً، أن تحرم تمثيل عشرات الألوف من الذين ليسوا طائفيين. نريد حصتنا، كعلمانيين، في هذا النظام.

ثانياً: لتحقيق ذلك يتوجب علينا ما يلي:

-  أن نكون مجتمعين وموحدين، برغم خلافاتنا العلمانية الكثيرة، حول شعار: نزيد حقوقنا. ارفعوا عنا الظلم.

-   أن نكون أقوياء.

إعلامياً

إجتماعياً

ثقافياً

وفي الشارع.
-  أن نصبح الحدث اليومي، في موازاة الحدث الطائفي.

-  أن نقنع النخب الثقافية والعلمية والاجتماعية، بدعم هذا التحرك.

-  أن نغرق مؤسسات الدولة وأجهزتها برسائل يومية حول هذه الحقوق.

-  أن ننشئ مؤسسات إعلامية وثقافية وتربوية، علمانية.

-   أن نطالب بتشريعات علمانية، فكما أن للطائفيين تشريعاتهم، نريد تشريعات خاصة بنا.

ثالثاُ: إن وجهة الصراع في لبنان تتحدد، مستقبلاً، في داخل النظام المختلط، بين الطائفيين وبين العلمانيين. والاحتكام في الصراع يكون عبر الديموقراطية. فمن يكسب يتقدم.

إذا كسبت الطوائفيات في معركة الديموقراطية، فإن ذلك يعود لضعف العلمانيين وليس لأي شيء آخر.

أخيراً: لم أتطرق إلى علاقة الطوائفيات بقوى خارجية. فهذا أمر يحتاج إلى دراسة مستفيضة.

* محاضرة ألقاها نصري الصايغ في ورشة عمل نظمها، مؤخراً، تيار المجتمع المدني عن "العلمانية" في مدرسة مار جرجس في بكفيا