العدد الخامس والثلاثون - آب

التحية الأخيرة - من أجلك هذا القليل (2/2)

منصور عازار
السبت 30 آب (أغسطس) 2008.
 
New Page 1

بالعودة إلى انتخابات العام 1957، حصل تشكيك وتردد في اتخاذ القرار من قبل المجلس الأعلى للحزب الذي اقتنع أكثرية أعضائه بخوض المعركة انسجاماً مع قناعات الوحدات الحزبية، انما توقف اما اختيار المرشح الحزبي لهذا المنصب كون المؤسسات الحزبية العليا لم تكن مقتنعة خوض المعركة بشخص رئيس الحزب، لأن في هذا خطراً كبيراً لمكانة الرئاسة في حالة الخسارة الانتخابية، فرئاسة الحزب أهم بكثير من مركز النائب وعمّت الحيرة صفوف المسؤولين في المنفذيات والمديريات إلى أن طرحت فكرة اختيار مرشح آخر غير رئيس الحزب الأمين اسد الأشقر في تلك المرحلة، فالحزب مليء بالإمكانات.

 وبرز الاتجاه الى مرشح آخر يخوض المعركة الانتخابية، وبدأ البحث في هيئة منفذية المتن الشمالي وهي المؤسسة المعنية مباشرة بدراسة الوضع الانتخابي واستخلاص الاتجاه الأسلم للحزب. وفي هيئة المنفذية حيث كنت أحد اعضائها، طال الحوار إلى أن اقترح بشير عبيد، وكان ناظراً للتدريب، أن تتقدم هيئة المنفذية باقتراح معلل إلى المجلس الأعلى بترشيحي إلى هذا المقعد، وبهذا يكون الحزب قد حل مشكلة الاختيار وبقي في المعركة الانتخابية بأحد مرشحيه وإن سقط فلا بأس، فالمهم هو بقاء الحزب في المعركة وإثبات قدرته الانتخابية وحضوره العقائدي والنظامي على ساحة المتن، هذا المتن الذي كان ولم يزل معقلاً من معاقل الحزب، فهو مسقط رأس الزعيم، وهو يؤيد الحزب منذ مطلع تأسيسه وإليه انضمت أغلب النخب المتنية في تلك الأيام، إذ كانت له قوة في الجرد والساحل وهو منتشر في كل قرية ومدينة من قرى المتن ودساكره وله شعبية هائلة ونظامه يجمع قوى الأعضاء تحت خفق الزوبعة ولا مجال لاختراق صفوف القوميين الاجتماعيين الذين كانوا قد فرضوا وجودهم في أحداث هامة سابقة، خصوصاً في معركة بكفيا، وبحضور الزعيم بالذات عام 1938، كذلك في معركة المتن الانتخابية، حيث خاضها عام 1947 القطبان المارونيان بيار إده وبيار الجميل، فوقف الحزب إلى جانب بيار إده فتأمن له الفوز.

كل هذا التاريخ وهذا الرصيد الهام في المتن رافق الحوار في المجلس الأعلى فوافق على اقتراح هيئة المنفذية بترشيح الناظر منصور عازار إلى الانتخابات، وسمح له قرار الترشيح بالتحرك نحو المرشحين الآخرين من أجل تأليف اللائحة التي سيكون مرشح الحزب عضواً فيها، وكان المرشحون البارزون في تلك المعركة المرتقبة: سليم لحود والدكتور ألبير مخيبر وموريس الجميل وغبريال المر وخليل أبو جودة، وكان على هيئة المنفذية أن تقوم بالنشاط الواسع لتأليف اللائحة التي منها مرشح الحزب، وكان التباعد بين آل لحود وآل مخيبر مستحكماً، وتحركنا بشير وأنا نحو فكرة جمع القطبين تسهيلاً للتفاهم بينهما، فقصدنا أولاً المهندس سليم لحود وكان بيننا حوار طويل وآل لحود متمرسون ومجذّرون في السياسة المتنية ولهم أنصار مرتبطون معهم منذ عهود والدكتور ألبير مخيبر كان قد خاض الانتخابات عدة مرات ولم يوفق، ولكنّ رصيده صار قوياً في المنطقة، فهو الطبيب المعالج لجميع القاصدين دون أي أجور وهو الانسان المندمج بالناس يتعامل معهم وكأنه واحد منهم. أطلعنا المجلس الأعلى على تحركنا ونتائجه وكان الدكتور عبد الله سعاده والدكتور جورج صليبي وفؤاد أبو عجرم من أعضائه، كما كنا نطلع رئيس الحزب أسد الأشقر على النتائج الذي شجعنا للمضي بهذه الخطة الى الآخر، وتوصلنا أنا وبشير إلى إقناع لحود ومخيبر بالتحالف معنا وقبول مرشح الحزب منصور عازار عضواً في هذه اللائحة.

عند هذه اللحظة وبعد العمل المضني الذي أخذ من هيئة المنفذية وهيئات المديريات الكثير من الوقت والجهد وبعد تأمين تشكيل اللائحة، تحركت أصوات تطالب بتنحية منصور عازار والعودة إلى فكرة ترشيح رئيس الحزب .

كنت ما زلت في الثلاثين ودخلت في امتحان خطير: ما العمل؟

الحزب هو الذي دفعني الى خوض المعركة بقرار من المجلس الأعلى، والمرشحون كلهم اخذوا علماً بذلك، واللائحة تألفت ولكنها لم تعلن بعد، وموعد المعركة أصبح على الأبواب.

ما العمل، بعدما تطاولت الأحداث لتنال من شخصي وتمس كرامتي وقطعت بأخلاقي ومناقبي؟

وضعتني تلك الحادثة في أجواء مؤلمة جداً، وما كنت ادرك أن العقيدة يلزمها الكثير من التمرد كي تنتصر في النفوس، التي تربت على الذاتية المفرطة والعائلية المتأصلة. قلت: لم تنضج النفوس بعد، فالعقيدة لم تصهر الكثيرين في روحيتها النضالية العالية كي تقمع الفردية والذاتية والعائلية والرغبة الجامحة في تولي المسؤوليات.

وقف أعضاء هيئة المنفذية وأعضاء المجلس الأعلى مبهوتين امام هذه الحالة المعقدة وحلّ الوجوم والصمت محل الحركة والتقدم، وكان عليّ حسم الموقف على الرغم من أن هيئة المنفذية كانت ترفض رفضاً باتاً أن أتراجع عن قرارها وقرار المجلس الأعلى، فما كان مني إلا أن اتخذت موقفاً ارتاح له ضميري وعبّر عن حقيقتي وشرفي ومعتقدي أن أعلنت عزوفي عن هذه المعركة وخضنا المعركة بقوة وشراسة عز نظيرها ونجحت اللائحة كما توقعنا وأصبح رئيس الحزب أسد الأشقر نائباً عن المتن الشمالي.

إني اليوم وأنا أكتب لكم هذه الواقعة بعد أربعين سنة ونيف، أعود إلى نفسي وأتفحص ما تبقى فيها من آلام تلك السنين وجراحها لأجد أنني مرتاح الوجدان والضمير، أني كنت منسجماً مع قناعاتي ومضحياً بذاتي في سبيل ايماني العميق. مهما أصابنا من رفقائنا ومن (ذوي القربى) تبقى الانتصارات الأخيرة هي للنفوس التي أبى البعض أن تساوم وأن تلتوي أمام التجارب الصعبة. إنها تجربة شخصية مرّة جداً مرّت في حياتي تلك الأعوام ولم تبقِ عندي أي حقد أو ضغينة، بل كانت تجربة قاسية جداً خرجت منها منتصراً على عوامل الفردية والأنانية وحب الذات، وكان خوضي المعركة إلى جانب قرار الحزب انتصاراً لنفسيتي وذخراً أحتفظ فيه مثالاً للأجيال الطالعة، إذ كم نحن بحاجة إلى التأمل والتبصر بالصعوبات الهائلة التي مرت وتمر بنا في كل هذه السنين المنصرمة، وكم عانى حزبنا من جراء النزعات الفردية والأنانية وكم يعاني الآن؟

وخلال كتابة هذه الذكريات، أعتبر أن المتاعب والصعاب مردها كلها إلى التكوين الانساني الذي يؤلف ويكوّن شخصيتنا القومية، هذه الشخصية التي تحمل الكثير من الأمراض والعاهات التاريخية التي جاءت عقيدتنا للتغلب عليها والانتصار بمفاهيمها الجديدة الحية المحيية، فهل فقدنا الأمل؟ وهل كل هذه التضحيات وهذه الدماء ذهبت هباء منثوراً؟..

جوابي هو أن الحياة في بلادنا فاسدة ومزيفة وأن طغيان المصالح الفردية الآنية على مصلحة الجماعة هو العلامة البارزة في هذا العصر، فشعبنا اليوم يعاني أكثر فأكثر من أمراضه المزمنة ونحن قد نبَّهَنا سعاده من زمان بعيد:

"ان آلاماً عظيمة، آلاماً لم يسبق لها مثيل تنتظر كل ذي نفس كبيرة فينا، إذ إنه ليس على واحد منا أن يسير بلا عزاء ولا أمل ذلك أن حياتنا الاجتماعية فاسدة".

فهل كان سعاده جاهلاً ما ينتظره من صعاب عندما بدأ عمله الانقاذي؟ أوليست هذه الجملة المدونة أعلاه هي من إنتاج وجدانه وعقله وحدها الكافية من إقناعنا أنه كان العالِم المدقق والفاهم أمراض شعبه والمحدد لمعالمها والواضع المبادىء الشافية لفسادها الاجتماعي؟؟؟

إن سعاده قد أصبح اليوم خارج الحزب أو يكاد، لكنه باق في وجدان الأمة وحياتها وتاريخها وتؤكد الأحداث صدق عقيدته، لكن هذا الحزب الذي أسسه قد ابتعد عنه كثيراً، إلى أن أصبح هو خارج هذا الحزب. كل ما قدمته آنذاك كان من أجل أمتي، ولم يكن من أجلي.