العدد الخامس والثلاثون - آب

الفلسفة الاجتماعية عند سعادة

د. ميشال سبع
السبت 30 آب (أغسطس) 2008.
 

بدعوة من مكتب الدراسات العلمية ألقى الدكتور ميشال السبع ، محاضرة حول فلسفة

" سعادة " . بداية رحّب الأستاذ منصور عازار بالحضور و قال :

 

إذا كان الحزب الذي أسسه "سعادة " يدور الآن على محور غير محوره العقائدي والنظامي والمناقبي فإن سعاده حاضر في الشعب كله تفعل مبادئه فعلها الهادىء والعميق من أجل تغيير حياتنا من التفكك الى الوحدة ومن الاستسلام الى النهوض الفعال الحي.

واذا كان هذا الحزب العظيم يمر الآن في مرحلة صعبة جداً من تاريخه، فإن سعاده قد أكد أن هناك انتفاضات دورية يمر بها هذا الحزب، ويستعيد أصالته وينطلق كطير الفينيق من رماده إلى نور هذا العالم.

 ولم يعمل "سعادة " لحزبه فقط، بل اتّجه بفكره وعقيدته إلى الشعب بكامله، إلى كل واحد من هذه الأمة وهو القائل: "نحن ننتصر بالشعب ولا ننتصر عليه".

 

بعد تقديم الزميل "سركيس ابو زيد" ألقى الدكتور سبع المحاضرة التالية :

 

 

  الإنسان موجود في مكان ما، مولود من أهل معينين، يحمل في ذاته موروثين، الأول موروث معرفي تراكمي منذ آلاف السنين عبر خبرات اهله وأجداده وهو موروث دفين فيه، والثاني موروث بيولوجي - بسيكولوجي من أهله المباشرين وأعمامه وعماته أو أخواله وخالاته تتمثل في اللون والحجم والطباع.

 الشكل الذي يتمظهر فيه الإنسان أمام المجتمع هو من الموروث الثاني، الشكل الذي تتفاعل فيه الأمور وتنبثق الرؤية الإبداعية إنما هي من الموروث الأول وعليه فالسنوات الاولى التي تتمثل بالتفاعل والتأقلم هي من الموروث الثاني أما ردات الفعل العفوية التي تنبع من الداخل ومن ثم ردات الفعل التي تأتي بعد نضج العقل الواعي تجاه المؤثرات والافكار فهي تأتي من الموروث الأول، وبعض الناس تتفوق فيهم ذكريات الموروث الأول على الموروث الثاني وهذا له تفاسيره الكيموبيولوجية.

 الموروثان ليسا خارجين عن البيئة، والبيئة تلعب دوراً كبيراً إن على مستوى الموروث الأول أو الثاني لأن الأول هو موروث الجماعة منذ نشأتها على أرضها.

 والثاني موروث الفرد في محوراته وتفاعلاته القريبة ضمن أرض ايضاً فالارض أو البيئة لا تعني فقط الأرض الجغرافية بل بكل ما تحتويه من حرارة وبرودة وطعام وحيوان فهذا كله يدخل في التركيب الجسمي والعقلي والذهني والنفسي أيضاً.

 منذ بدأ الوعي الانساني وعى أولاً ذاته من خلال أحاسيسه الإدراكية ومن ثَمّ راح يعي ما حوله من خلال تفاعل حواسه معها ثم انتقل من الحواس إلى الإحساس أي تلك التي تتجاوز الكيمياء إلى الفيزياء ومن ثم وصل إلى الحدس حيث راح يفكر ويتنبأ نتيجة الملاحظة الاستقرائية فالغيم صار يجعله يتنبّأ بالمطر وطلوع الشمس جعله يتنبأ بنهار قد طلع وحشرجة اإنسان أمامه جعلته يتنبأ عنه بالموت.

 إن تطور هذا الحدس ناتج عن زيادة الخبرات المعرفية وهذا يحتاج إلى زمن طويل، لذا فالشعوب القديمة التي تطورت ونمت في مناخات طبيعية متوسطية شكلت الوضع الأمثل لشعوب العالم وبالتالي فخبراتها كانت الأفضل لذا حققت حضارات وسجلت إبداعات تجاوزت سواهما وهذه الإبداعات تمثلت في حقول التقنيات الحياتية والفنون والثقافة الطقوسية الدينية وهذه الحضارات وبسبب تفاعلاتها مع بعضها البعض الصراعية لأن الصراع هو الوجه الأبرز للتفاعل حتى الحب لا يخلو من صراع بل هو الوجه الايجابي للصراع بقدر ما القتل هو الوجه السلبي له. فإن النتيجة كانت تدميراً لبعضها البعض بالشكل لكن كل فرد من أفراد أمم هذه الحضارات ما زال يحمل في داخله الوعي الحضاري أي أن الجوهر باقٍ راسخ لا يضيع.

 الحضارة لتقوم تحتاج إلى لزومين: الأول الوعي التراكمي للفرد والوعي التفاعلي للجماعة. وبقدر ما يمكن للفرد أن يشكل انعطافاً في مسيرته مع الجماعة بقدر ما الجماعة ترسم خطها التفاعلي مع البيئة والأفراد لذا فالوعي الجمعي أقوى وأشد من الوعي الفردي ولا يمكن للوعي الفردي أن يغيّر في الوعي الجمعي إلا إذا كان صوتاً نبوياً صارخاً خارجاً عن المألوف متمتعاً بمؤهلات غير عادية.

 الوعي الجمعي وبفعل إبداعات افراده يكوّن متحداً اجتماعياً قوامه الأرض والثقافة الإبداعية مما يعني عملياً نشوء أمة. والأمة الأعظم تلك التي تكون أرضها خصبة أكثر، استراتيجية في موقعها العالمي أكثر، إنتاجها أكبر، تلاحمها أعظم، ابداعاتها أغزر. وقد تطابقت هذه الصفات مع الأمة السورية . وإذا كانت الأصوات النبوية لقادرة ان تغير في مسارات الأمة فالأمة هي الرحم الأساس الذي ينجب هؤلاء الأفراد.

 سعادة كان فرداً ولده رحم الأمة السورية يحمل طاقات هائلة اهلته ليكون صوتاً نبوياً صارخاً فيها.

 فلسفة الزعيم أنطون سعادة تتمحور حول مندرجات هذه المقدمة وعى بكل بساطة عظمة الأمة، عظمة بيئتها الجغرافية، عظمة إنجازات وعيها الجمعي الذي شكّل حضارات متمايزة متعاقبة، عظمة أبنائها لذا وضع قواعد لبناء أمة عصرية منطلقاتها النظرية الاجتماعية .

 النظرية الاجتماعية عند سعادة قائمة على ثالوث مقدس قوامه أضلع ثلاثة: الجغرافية، القيم، الأمة.

 أ - الجغرافية أساسية لأنها السبب الأول في تكوين الجسم ورسم حاجاته البيولوجية وأهمية اعتدال المناخ يلعب دوراً كبيراً في رسم التوازن العقلي والابداعي لدى الإنسان السوري وفي ذات الوقت فإن الجغرافيا تشكل سياجاً امنياً كبيراً يتيح لأهل سوريه أن ينعموا بوفر من السلام والاطمئنان وهذا يساعد على قيام حضارات وإبداعات في العلوم والفنون.

 ب - القيم، وقد تبنى سعادة ثالوث القيم اليوناني الحق والخير والجمال لكنه اعتبر أن هذه القيم تبقى نظرية إذا لم يكن معها قيمة تحمي هذه القيم لذا اعتبر القوة قيمة رابعة وجسّد هذه القيم بواقعية مميزة من خلال الزوبعة وهي رمز الإله السوري هدد أو أد أي العظيم أو حدد أو حد أو أحد أي الإله الواحد ورمز أهميته الأربع أنه يضرب في جهات الكون الاربعة والحق عند سعادة مرادف للحرية إذ إن للإنسان الحرية في أن يرى الحق من منظوره الخاص أو أن يكون لكل جماعة رؤيتها للحق أو أن يكون لكل زمان ايمانياته بالحق وكل نظرة شمولية للحق هي تعطيل لحرية النظرة للحق لذا كانت فكرة الدولة الدينية مناقضة لفكرة الدولة القومية عند سعادة.

 أما الخير فهو يعادل الواجب لأن الخير ليس في معرفته بل في صنعه والقيام به ومن يعرف واجبه ولا يقوم به هذا أسوأ من الذي لا يعرف.

 ومن ناحية أخرى، فالخير ليس قراراً أو اجتهاداً شخصياً بل هو قرار المتحد الاجتماعي حيث يصبح خير الشخص ضمن حدود الخير العام للأمة.

 أما الجمال فهو التناسق والتكامل بين المؤسسات وبين الأطر الروحية والمادية لذا قال سعادة بالمدرحية حيث لا معنى لمفاهيم روحية مجردة بالمطلق ان لم تكن متمظهرة، ولا خير في مادة مجردة من الروح لأنها حيوانية، إن الانسان هو التمظهر الروحي والواقع المادي إنه الانسان المتأنسن وهذا ما أعطى مفهوم الأمة بعداً روحياً عميقاً جعل الشعور القومي ليس مجرد هوى عابر أو مصلحة آنية إنه ترسخ في العمق الانساني لانتمائه نحو وطن قومي. هذه القيم بحاجة لحماية لذا فإن القوة ضرورية وأساسية لحماية هذه القيم وإذا كان لا حق بلا حرية فالحرية لها قواعد وأصول تحميها قوة القانون والدولة ، وإذا كان الخير هو الواجب القومي فهناك عقاب وثواب تنفذه أدوات الائتلاف الجمعي، وإذا كان الجمال تناسق في الشكل والمضمون بين المؤسسات فهناك القوة الضامنة لها ولعل الأديان فطنت إلى أهمية القوة فلا إله في أي دين إلا وهو قوي جبار ولا التزام به دون ثواب وعقاب.

 جـ - الأمة، عندما تصبح الجماعة المتحدة على أرض تاريخية لها وقد تفاعلت الجماعة مع الأرض وأنتجت حقاً وخيراً وجمالاً فإن تكوين الدولة القومية يكون قد بدأ والعلاقة التفاعلية بين طرفي المعادلة قد أرست شعوراً قومياً والارض السورية والإنسان في متحده الاجتماعي السوري أنتج أمة سورية كاملة مكتملة، هذا هو مشروع سعادة في اختصار شديد.

 ومن هذا الثالوث نستخرج منطلقات الفلسفة الاجتماعية ، أولها العلاقة الاجتماعية، ليست علاقة خوف دائم لأن الخوف يقتل الحرية والابداع وليست علاقة فوضوية لأن الافراد بمزاجيتهم لا يمكنهم تشكيل مجتمع قومي وليست علاقة هائمة بل منتظمة في المؤسسات. ومن هذا أيضاً العلاقة بين الشاب والفتاة ليست علاقة عابرة إلا إذا كانت رفقة طريق عابرة أو زمالة منتهية، ولأنها علاقة جدّية فهي يجب أن تنتظم في المؤسسات وأهمها مؤسسة العائلة لأن العائلة ركن أساس في المجتمع المتحد، وهي علاقة حرة ليس فيها تسلط طرف على آخر كي لا يقتل له حريته وشخصيته وإبداعاته، وليست مزاجية ينهيها الطرف دون إرادة الطرف الآخر، والعلاقة بينهما علاقة غصنين من جذر واحد وأرض واحدة وتعانقها يفيض ثمراً انتاجياً من الحب والالتزام والائتمان ، هما إنسانان متحدان في متحد أكبر هو المجتمع القوي الذي يعيشان فيه، وبالتالي ليسا جسدين فقط لأن العلاقة ليست مجرد شهوة عابرة، وليست علاقة طوباوية لأن الوطن ليس شعراً يقال بل انتماء متواصل وإنتاج متتابع ومشاركة في الحضارة والبعد الكوني.

 ومن الثالوث نستنتج ايضاً أن الدين هو رؤية ايمانيه للحق لكن لا يجب أن يكون شمولياً ولا يجب أن يحل محل الشعور القومي ولا الرؤية القومية لذا كانت الدولة الدينية نقيض الدولة القومية وصراع الطوائف هو أكبر فوضى في المجتمع القومي ومن هنا فلا يجوز السماح لرجال الدين أن يسيطروا على عقول الناس ولا على أذهانهم ولا على جيوبهم حتى .

 واعتبر سعادة أن الدولة الدينية عندما قامت في الإسلام كانت لتثبيت دعائم الدين وعندما ثبت الدين لم تعد هناك اية دواعٍ لقيام دولة اسلامية.

 ويرفض سعادة التفاضلية في الدين فالدين هو التسليم بأن الخالق أوجدنا وأوجد الكون وهو قابع فينا لذلك فإن القوة التي فينا هي عظيمة ولذلك ايضاً فالدين الحقيقي هو الذي يخرج من الأرض نحو السماء وليس هو الغيبيات التي يقول بها رجال دين هم أقرب إلى الشعوذة منهم إلى إعلان الإيمانيات. وأن الرؤية الإيمانية مرتبطة تماماً بالجغرافية الارض لذا فإن سعادة يعطي تفسيراً علمياً واضحاً عندما يشرح مقولته بين فروقات محمد والمسيح إذ الأول ظهر في بيئة صحراوية بدوية كان يجب أن يعلم الناس الصلاة والوضوء ويرسم لهم حيثيات أمورهم اليومية في حين أن المسيح الذي ظهر في جغرافية متقدمة مزدهرة متحضرة كان طبيعياً أن يتكلم بالقيم بالحب بالشفافية بالرحمة بالتسامح بالوجدان.

 والألوهة الكامنة في كل إنسان تعي نفسها وعندما تعي الأمة نفسها تصبح هي نفسها حرة عظيمة ولأن الألوهة فيها فهي تحوي القيم.

  يقول سعادة في المحاضرات نحن جماعة مؤمنة بحقيقتها وطبيعتها وأساسها لذا لا يمكن إلا ان تكون فيها الحق والخير والجمال والتسليم بأن الله خالقنا يمكن ان يكون بعدة طرق ومفاهيم ومنطلقات لذا يقول سعادة ونحن نقول أن كل سوري هو مسلم لرب العالمين منا من أسلم لله بالانجيل ومنا من اسلم لله بالقرآن ومنا من اسلم لله بالحكمة وفي هذا يجب أن نتقي الله ونتجنب التأويلات الدينية.

 التربية الاجتماعية من هذه المنطلقات لا تعود تربية مزاجية خاضعة لإرادة الأبوين فقط بل هناك المتحد الاجتماعي الذي يعيش ضمنه ويتفاعل معه الأبوان لذا فالضرورة القومية تستوجب تربية مدرسية ملتزمة بالوطن وبالشعور القومي والشبل الصغير الذي يعيش على أرض سورية يجب أن يتنشق هواء سورياً قومياً اجتماعياً ويأكل من أرض سورية قومية اجتماعية ليعش وليساهم في انماء بلده السوري القومي الاجتماعي ويدافع عن كل شبر من ارضه السورية القومية الاجتماعية ان حياته واستشهاده ليست من اجل اكتساب مكان في السماء أو من أجل الحصول على حوريات مهما بلغ عددهم إنه يعيش ويموت من أجل وطن يعني له كل شيء ويعادل له حياته.

 إن زرع أي شعور آخر غير الشعور القومي في نفس الانسان السوري هو جريمة في حق الوطن القومي وكل تفضيل أي قطعة أو منطقة من أرض الوطن السوري القومي الاجتماعي عن غيرها هو انحياز غير مقبول وكل ارتهان لفئة أو لطائفة على صالح الانتماء القومي هو جريمة في حق الأمن القومي. لذا فالمدارس عظيمة الأهمية ويجب أن تكون كلها مدارس قومية وكل مدرسة أجنبية في الوطن هي للأجانب في الوطن أما أبناء الوطن فحقهم على الدولة ان تكون مدارسهم على مستوى عظمة الوطن وعلى مستوى الألوهة التي يحملها أبناء هذا الوطن.

 أما الدولة القومية فهي التي تترجم الجمال والتناسق فلا تواصل بل تعاون والحقائب الوزارية هي نعال يلبسها أشخاص نذروا انفسهم للشأن العام وعندما يكون الاقتصاد موزعاً بين القوى الانتخابية كل على ما يعطي وكل بحق ما يأخذ لا تعود هناك مزاريب ولا محاسيب ولا مزارع سياسية أو طائفية وهذا يستدعي تكاملاً وتكافلاً اقتصادياً بين مناطق الوطن السوري مما يطرح السؤال الدائم: هل النهضة السورية القومية الاجتماعية أولاً أم أن الوحدة السورية القومية الاجتماعية هي الواردة لقيام النهضة؟

 نحن من القائلين أن النهضة السورية القومية الاجتماعية لا يجب ان تنتظر الوحدة بل يجب ان تبدأ من مكان ما ولبنان مؤهل كي يكون بداية النهضة لعدة أسباب أولها، ان الحرية السياسية في لبنان تسمح للوعي ان يتحرك بشكل أفضل واذا كانت العصبيات الطائفية فيه تنمو وتكبر وتزدهر فهذا يعني ان لا سبب يمنع الوعي القومي ان ينمو ويزدهر، وثانيها، ان سعادة انطلق من لبنان لنشر النهضة فلماذا لا يكون لبنان أيضاً انطلاقة هذه النهضة، وثالثها، أن وسائل الإعلام الحرة والاجتماعات الحرة تساهم كثيراً في حرية انتشار النهضة. اذاً ما الموانع من انتشار النهضة؟

 أولاً، لأن النهضويين ينطلقون إما افراداً أو من خلال الحزب السوري القومي الاجتماعي والأفراد يتعبون لوحدهم ولا يتمكنون من إعطاء مردودات كبيرة ولا يتمكنون من إشغال حيز كبير، أما الذين يعملون من خلال الحزب فإن إمكاناتهم أقوى لكن السؤال هنا هل الحزب راضٍ عن عمله في نشر النهضة السورية القومية الاجتماعية والسؤال الأهم؟ هل العمل السياسي متبدٍٍ على العمل العقائدي؟ النهضة هي فعل إيمان عقائدي قوي قبل أن يكون ممارسة سياسية فإذا الحزب اليوم يقوم على الممارسة السياسية فإن البحث عن العمل العقائدي هو المطلوب أما إذا كان الحزب يرى أن العقيدة بألف خير وأنها منتشرة بشكل جيد وأن الممارسة السياسية للحزب ممتازة فهذا يعني ان الوضع القائم للحزب السوري القومي الاجتماعي والعقيدة السورية القومية الاجتماعية هذا هو سقفها وللمؤمنين بها ان يرضوا بهذا السقف أو يرفضوه. 

 في النهاية، الانسان السوري هو هدف النهضة السورية وهو محورها، والإنسان السوري هو كل إنسان سوري وكل الإنسان - السوري وعندما نقول كل إنسان يعني لا فقير ولا غني، لا مؤمن ولا ملحد لا رجل ولا امرأة، يختلف عن أي آخر وعندما نقول كل الانسان نعني حاجاته المادية والنفسية والمعنوية والروحية فلا يمكن لانسان لا يتمكن من اشباع جوعه أو أطفاله أن يعي نهضته ولا لإنسان متطيف أن يدرك عمق وجدانه القومي. إن الانسان الواعي يحتاج الى شغل على نفسه وعلى غيره. والنهضويون في النتيجة هم طلائع نخبوية ، وسيبقى الحلم يتحقق بين الأفراد إلى أن يغيب زمن يتجاوز الحلم المحقق إلى مستوى المتحد الاجتماعي الأكبر وكما أن كل ذرة تراب من الوطن هي الوطن كذلك فإن كل فرد سوري قومي إجتماعي هو الأمة لكن يبقى الوطن يحتاج إلى كل ترابه والأمة تحتاج كل بنيها.

 لقد أتى وقت كان السوريون في كل مكان يدلون على السوريين القوميين الاجتماعيين ويقولون: هؤلاء هم المناقبيون واشتهرت لا بل التصقت كلمة مناقبية بهم، وكان منهم التاجر والصانع والأجير وحتى الرأسمالي لا يبالي بالربح الوفير أمام الصحوة المناقبية التي هي دلالة وعي قومي واضح وكبير ومشهود لقوميين خسروا أموالاً ومراكز لأنهم لم يقبلوا إلا بالشهادة للحق والقول به وكانت كلمة الزعيم لهم قولاً مأثوراً دستوراً في حياتهم وكانوا يفتخرون إن يقولوها: الحياة وقفة عز.

 إن مجموعة الطقوسيات التي أرساها الزعيم في بداية عهده بتشكيل الحزب لها مدلولات عدة منها ان التعارف بين الرفاق في المرحلة السرية له كبير الأهمية لأن الرفيق يطمئن إلى رفيقه فكانت النقرتان على الطاولة اختصاراً لكلمة حق أي حزب قومي وكانت التفانة اليد حول العنق للمس شحمة الأذن دلالة على أن الرفيق يفتدي رفيقه بالحياة التي له وكانت ضمة الكف بالكف والضغط بالابهام على موضع العرق المتصل بالرأس دلالة على التنبه الجمعي والعمل الكلي ولاحقاً صارت بعض هذه الإشارات علنياً كالنقرتين في زمور السيارة أو على الباب أو في الاحتفالات العلنية في حين غابت الأخرى بسبب غياب حالة السرية للحزب.

 ومن دلالات الطقوسيات أنها تجمع الاخوة في تعبيرات مشتركة تصل إلى معاني القداسة لأن الانسان الذي يؤمن بعقيدة الأرض والانسان السوريين هو في معبد دائم، فكل زاوية على الارض السورية هي معبد، وكل انسان سوري على أرض الأمة السورية هو مقدس لذا فالسلام طقوسي لأنه إعلان للإنسان السوري وعندما كان الزعيم يصر على تحيته برفع اليد واعلان التحية (تحيا سوريا) إنما لا يريد تأكيد زعامته بقدر ما يريد تأكيد ان سوريا تستحق الحياة وان الحياة تستحق سوريا لذا كان أبناء الرفاق هم أبناء الحياة وكانت دعوة الرفيق للرفيق عندما يرزق طفلاً : ليكن من أبناء الحياة. من هذه المنطلقات الفلسفية تصبح الحياة ذات معنى ما دام الانسان الذي عليها ينتمي لأرض معطاء وهو مستحق لها، ولحياة ملؤها العزة والفخر وهو يعمل بها ولها وإله يؤمن به لا بعيداً عنه بل معه وفيه لم ينفخ فيه ويرميه بل حمله في قلبه ثم صنع معبداً من جسده وارتاح فيه لذا فالوعي السوري هو دوماً نحو الأعظم لأنه نحو الألوهة والوعي الجمعي هو الإله الباسم لابناء يحبون بعضهم بعضاً.

 من بعض ما قلناه نتلمس خصائص الفلسفة الاجتماعية عبر سعادة فهي على صعيد الفرد ايمانه بالارض السورية ومؤسسها، إيمانه بالإنسان السوري وقدسيته، ايمانه بالوعي الجمعي الذي يقود الى ادراك المتحد الجمعي، إيمانه بقوة الفعل على تحويل هذا الوعي الجمعي إلى إعلان الأمة السورية، تحرير الأمة السورية من كل غربائها عن الكرامة والقدسية . تحرير الإنسان السوري من كل وهنه وتكاسله ورذالته، الاتجاه نحو تعزيز المناقبية، الالتفاف الجمعي من خلال الطقوسيات اللاحمة ، السير معاً للوصول إلى عظمة الألوهة فينا.

 قد تكون هذه الفلسفة الاجتماعية مشابهة لما بدا في بعض البلدان الاوروبية وخصوصاً في فلسفة نيتشه وهيجل الالمانيان لكن النازية والموسولينية مسخت الفلسفة الاجتماعية لتتحول إلى دولة كولونيتالية عنصرية فاشيه لأنها لم تكن محصنة بخلفية حضارية عميقة، في حين ان العقيدة السورية الاجتماعية محصنة بارض عاشت حضارات الاكاديين والآشوريين والبابليين والكنعانيين والفينيفيين وأعطت وعياً إلهياً متميزاً بمسيح سرقته روما وألبسته ثياباً لا علاقة له بها واستغله قسطنطين لكنه ظل حياً بظله التموزي في قلوب أبناء سوريا ، لذا فالعقيدة السورية لم تتلوث ولم تدخل لا في الكولونياليه ولا العنصرية ولهذا ولأن الآخرين وجدوا فيها انقلاباً على مستوى كوني وكياني سارعوا باغتيال سعادة. وبالفعل فهم لم يقتلوا رجلاً بل قتلوا نصف الأمة بقتله. بقي على النصف الآخر ان يلملم نفسه من أجل ان يعي أن سعادة ما زال ينبض في ابناء امته لأن حياة سوريا وحياة سعادة مترادفتين لذا فسيظل كل واعٍ للحياة ابناً للحياة يرفع اليه بالتحية صارخاً تحيا سوريا ويحيا سعادة. 

 

     الدكتور ميشال سبع 

يقول سعادة نحن جماعة مؤمنة بحقيقتها وطبيعتها واساسها لذا لا يمكن الا ان تكون فيها الحق والخير والجمال والتسليم بأن الله خالقنا يمكن ان يكون بعدة طرق ومفاهيم ومنطلقات لذا يقول سعادة ونحن نقول ان كل سوري هو مسلم لرب العالمين منا من اسلم لله بالانجيل ومنا من اسلم لله بالقرآن ومنا من اسلم لله بالحكمة وفي هذا يجب ان نتقي الله ونتجنب التأويلات الدينية.