العدد الخامس والثلاثون - آب

ماهيّة الإنسان في الكتاب المقدس

سنا الحاج
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

إنه الإنسان نفسه الذي بحث عنه ديوجين في وضح النهار ولم يجده.. إنه هنا يريد أن يكون موجوداً كونياً، يسعى إلى بناء حضارة إنسانية لا ينفصل عن ذاته وقيمته، متطلعاً إلى إدراك ماهيته، متمسكاً بخياره؛ كي لا يفقد القدرة على تحديد إنسانيته.

ولمّا كان هذا الإنسان قد اختار الوجود على العدم، واختار أن يحمل الأمانة من خالقه بجعله خليفة له في الأرض، حرّاً مسؤولاً، فإنه قادر على اختيار آخر وآخر... قادر على أن يرتفع فوق الطبيعة ويرتفع بكينونته البشرية إلى الكائن الأسمى وهو الإنسان.

 فبالحيوانية يلتحم الإنسان بالطبيعة، وبالعقلانية التي اختصه الله بها يرتفع فوقها ينفصل عنها ويخضعها لإرادته، فيقول الله تعالى في القرآن الكريم: " ثمّ دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى"، وهذه أعلى الدرجات الممكنة للرقيّ والكمال التي بلغها النبي محمد(ص)، والنبي إنسان قد اختاره الله ليكون رسولاً للإنسانية جمعاء، والإنسان بطبيعته يتمتع بهذه القابلية التي تخولّه بلوغ هذه المرتبة ويحققها فعلاً وعملاً.

 فالإنسان إذن أقرب إلى الله من الطبيعة وسائر الموجودات، وهذا يؤكده الكتاب المقدس بقول الرسول بولس: "ولا علوّ ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله".

 هكذا هو الإنسان أفضل وأشرف وأسمى من الطبيعة قادر على أن يعمّر هذا الكون ويجعل منه وجوداً متميزاً، فيقول الإمام علي(ع): "أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر".

 وتقول المسيحية في عقائدها: أن الإنسان شخص فريد، لا يتكرر ولا يمكن تبديله بغيره، وهو حرّ، وقادر على أن يتخذ موقفاً من تلقاء ذاته ويقرّر بنفسه ما يريد أن يكون وجوده. كما تدعوه بأن يلبي نداء الله لأن يكون الإنسان إنساناً

فالإنسان محور الوجود، ومفتتح للتاريخ منذ خلق الله آدم، وعليه ستكون طبيعة البحث: فلسفي - أخلاقي- ديني- سياسي؛ لعلمي بأن من ثوابت فلسفة الدين في هذا العصر تقديم الأجوبة على الأسئلة التي تحيط بالإنسان وحياته من كل جوانبها.

 وليس من الممكن لمن يعيش في هذا العالم أن يظل بعيداً عن المعاناة الإنسانية كما نشهدها اليوم، فنحن في زمن انقلاب المعايير والعنف، وانحدار الإنسانية، وزوال القِيَم، وفلسفة موت الإنسان وتدميره، كما لم تكن في يوم من الأيام.

 وانطلاقاً مما قدمته النزعة الإنسانية فلسفياً، حيث قدّرت أهمية الإنسان بوصفه كائناً غائياً بذاته، صانع الحضارات، قادراً على أن يغير مصيره ويرسم طريقه ببصيرة روحية وعقلانية، وتحكمه إرادة إنسانية، فالدراسة تهدف وبشكل تفصيلي إلى ما يلي:

1-   تحليل " الذات الإنسانية" من حيث هويتها وطبيعتها الفطرية، وتبيان أهمية التمسك بالقيم الإنسانية والأخلاقية التي يمكن أن يتكامل بها الإنسان، لتحقيق سعادته، وإظهار كرامته، وإلغاء الفروق والمراتب بين البشر، في مقابل اعتباره كائناً طبيعياً مادياً، يمكن استغلاله واستخدامه كأداة وسلعة.

2-   تطوير العلاقة بين الفكر الإسلامي والفكر المسيحي من خلال المشتركات في إطارها العام، وإمكانية توحيد نظرتهما للإنسان في ماهيته وحركته التي لا يمكن أن تلتقي مع الديمقراطية الليبرالية القائم على المصلحة والبقاء للأقوى، ولإظهار أن ما يربط  العالم الإسلامي بالمسيحي أكثر بكثير مما يفرّقه.

3-   تحقيق إنسانية الإنسان من خلال عوامل تكامله مؤمناً، عاقلاً , ذا أخلاق، ومعرفة وثقافة، يعمل على ترسيخ وتحقيق هذه العوامل في سلوكه خط التكامل، بما اجتمع لديه من عناصر القيم الإنسانية داخل شخصيته، وتكيّفها وتوازنها للوصول إلى غاياته وأهدافه؛ فيعرف نفسه، ويعترف بالآخر، متسامحاً، عادلاً، مساوياً نفسه بغيره، حراً، مسؤولاً، متخذاً لنفسه موقفاً في مواجهة مَن يحاول نزع إنسانيته منه.

4-   مواجهة ومقاومة التحديات والمشاريع السياسية الكبرى والخطيرة التي تهدد مستقبل الإنسان في وجوده وأمنه وكرامته وخيرات أرضه، وتطيح بقيمه وأصالته، والعمل على تغيير هذا الواقع والحد من انحدار الإنسانية.

5-   تسليط الضوء على أنّ النزعة الإنسانية كانت وما زالت، وليست كما يقول البعض بأنها خاصة بعصر النهضة الحديث دون غيرها. لذا هدفنا إلى إعادة تظهيرها والدعوة إلى تطبيقها، من خلال احترام الإنسان واعتباره مركز الكون ومحور القِيَم.

 إنّ الأحداث والتحولات التي تحصل في عالمنا المعاصر، وواقع النهايات المتلاحقة، أفقدت العالم بُعده الإنساني، وهذا بالتزامن مع التطور الذي حصل وزاد من معرفة الإنسان في التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد، إلا أن المعرفة والعلم والتطور لم تسهم في ترسيخ الطابع السلمي والإنساني؛ بل سيطرت الحداثة وما بعدها مع غياب العقلانية على الفكر المعاصر، وعلى إنسانية الإنسان وثقافته وروحيته، وعلى خيرات الشعوب المستضعفة وحقوقها؛ حتى غابت النزعة الإنسانية، وسادت فلسفة موت الإنسان، والعنصرية والأحادية والاستعمارية الجديدة، والاستعباد، والحروب.

 من هنا سنرجع إلى التعاليم المسيحية والإسلامية، لنرى إن كان الفكر الديني يستطيع مواجهة هذه المخاطر التي تتهدد في العمق وجود الإنسان وأخلاقه واعتقاده الحضاري، وعن كيفية معالجة هذا الخطر؟

 

ان ذهبنا إلى ماهية الإنسان في الدين على ضوء الكتاب المقدس والقرآن الكريم، واستعرضنا الاصحاحات والآيات القرآنية مع أبرز نقاط الاختلاف في تعريفات الإنسان حيث وردت. لوجدنا أن اهتمام المسيحية بالإنسان وبوجوده أمام ربه وضميره كان واضحاً، إذ إنها تنادي بالمحبة والأخوّة والرحمة، وتؤمن بالعالم الآخر وبخلود النفس بعد تخليصها. وهذه المسائل لا خلاف حولها بين المسيحية والإسلام.

 وتحت عنوان ارتقاء البشر إلى الأنسنة، أشرنا إلى الفرق بين الكائن البشري والإنسان، ومشكلة الذات البشرية في تكامل إنسانيتها، وفي الحدود الفاصلة بين الكائن البشري والإنسان، والأخلاق بين "كانت" و"طه عبد الرحمن"، والمعرفة والإيمان، والعقل، وتبين أن مجموع هذه القيم هي شروط في تكامل الإنسان وبها تتقوّم ماهيته.

 وكانت أشكال العلاقة بين الأخلاق والدين، أولاً: إذا كان الدين تابعاً للأخلاق كما رأينا عند "كانت". ثانياً: في استقلال الأخلاق عن الدين في المادية والعلمانية، أو في أن الدين سيء للأخلاق كما رأى نيتشه ورسل. وثالثاً: تبعية الأخلاق للدين: أي الدين هو الأخلاق كما جاء في الفكر الإسلامي واهتمام القرآن بالقانون الأخلاقي كما جعله عبد الله دراز في كتابه "دستور الأخلاق في القرآن"، ورأينا كيف عرّف طه عبد الرحمن الأخلاق فيقول: الأخلاقية هي ما به يكون الإنسان إنساناً.

 وفي الفكر المسيحي وجدنا أن الأخلاق تعتبر مقاييس وقواعد لمسيرة الإنسان في حياته، وأجرينا مقاربة بين الوصايا العشر ورسالة الحقوق للإمام زين العابدين التي حملت المعاني نفسها ولكن لكل منها ترتيب ومصادر.

 وقمنا في بحث قضايا إنسانية معاصرة، وفيه مقدمات في مشروع التوحيد الإنساني، منها: الثقافة وتعريف الإنسان المثقف ودوره في ظل النهايات، وعن الإنسان في المجتمع وتأثيره في بناء المجتمعات الإنسانية بعيداً عن العنصرية والتفاوت بين البشر، وترسيخ القيم الأخلاقية في المجتمع لتسود الوحدة الإنسانية وتطور المجتمعات نحو الأفضل، وأخيراً تحدثنا عن الإنسان في السياسة في العصر الراهن على ضوء النظرة المسيحية والإسلامية، وفي العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وحول الحرية والمساواة.

 وأخيراً في ما يتطلع إليه الإنسان من إصلاح على الصعيد الإنساني، وما حصل من خلال تجربة الإصلاح  في عالمنا المعاصر، وعن أسباب الدعوة إلى النهوض، منها أسباب تاريخية، ومنها ما يناهض الإنسانية اليوم، كالاستبداد والظلم، والنظام العالمي الجديد بما يحمله من اضطهاد للشعوب، وللعالم الثالث بالخصوص، والتطرف الواضح لدى واضعي هذا النظام كالمحافظين الجدد واليمين المسيحي المتطرف وإسرائيل. أما في سبيل مواجهة تحديات هذا النظام: رأينا بأن الفكر المسيحي لديه رؤية في مواجهة تحديات الليبرالية الاقتصادية المفرطة، والعولمة، وهذه الرؤية نقلها رئيس لجنة الحوار المسيحي الإسلامي في مجلس الكنائس العالمي د.طارق متري، حيث لخّص مواقف الكنائس بفئاتها الثلاث في موقف شبه جامع، وشكلت في حقيقة الأمر بداية صياغة خطاب معارض لسيادة الفكر الواحد والنظام الواحد.

 ومن الأسباب المناهضة للإنسانية كان انتهاك حقوق الإنسان، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكيف ينظر إليه الفكر المسيحي والفكر الإسلامي، وكيف تمّ انتهاكه في قضية تغييب الإمام الصدر الذي كان قد مهّد ونظرّ وسعى جاهداً باحثاً عن حق الإنسان، واعتبر أن الدافع الأفضل لسير الإنسان في حياته هو الدافع الذي يؤمّن نمو الإنسان من جميع جوانب وجوده، لكي يكون سيره متكاملاً.

وأخيراً في محاولات تدمير الإنسان، وكيفية مواجهتها في فلسفة المقاومة والإنسان (لبنان نموذجاً)، والمواقف المسيحية من المقاومة، وختاماً في ثقافة المقاومة التي قد تصنع تاريخاً جديداً وإنساناً جديداً.

سنا الحاج

 

كادر

 

 إنّ الأحداث والتحولات التي تحصل في عالمنا المعاصر، وواقع النهايات المتلاحقة، أفقدت العالم بُعده الإنساني، وهذا بالتزامن مع التطور الذي حصل وزاد من معرفة الإنسان في التكنولوجيا والصناعة والاقتصاد، إلا أن المعرفة والعلم والتطور لم تسهم في ترسيخ الطابع السلمي والإنساني؛ بل سيطرت الحداثة وما بعدها مع غياب العقلانية على الفكر المعاصر، وعلى إنسانية الإنسان وثقافته وروحيته، وعلى خيرات الشعوب المستضعفة وحقوقها؛ حتى غابت النزعة الإنسانية، وسادت فلسفة موت الإنسان، والعنصرية والأحادية والاستعمارية الجديدة، والاستعباد، والحروب.

 

 

 

 

 

هكذا هو الإنسان أفضل وأشرف وأسمى من الطبيعة قادر على أن يعمّر هذا الكون ويجعل منه وجوداً متميزاً، فيقول الإمام علي(ع): "أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر".

 وتقول المسيحية في عقائدها: أن الإنسان شخص فريد، لا يتكرر ولا يمكن تبديله بغيره، وهو حرّ، وقادر على أن يتخذ موقفاً من تلقاء ذاته ويقرّر بنفسه ما يريد أن يكون وجوده. كما تدعوه بأن يلبي نداء الله لأن يكون الإنسان إنساناً.