العدد الخامس والثلاثون - آب

أبعاد الحملة الاعلامية على حزب الله

خطف روح المقاومة أو نزع سلاحها؟!
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

منذ اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975 تدخلت دول عربية وأوروبية والولايات المتحدة والأمم المتحدة محاولة حل النزاع في مراحل كثيرة، وقدمت مبادرات ومشاريع حلول وعقدت مؤتمرات برعايات مختلفة من أجل إجراء مصالحات وطنية وإصلاحات سياسية ودستورية تشكل إطاراً لحل ينشده العدد الأكبر من القوى المتنازعة، وتحفظ مصالح القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة اللبنانية.

 

والشيء اللافت أنه لم تشهد في كل هذه الفترة طلبات أو مبادرات أو دعوات من أجل نزع السلاح، إنما على العكس، شهدت دعماً مالياً وتسليحاً للميليشيات المتحاربة، وكان خطاب نزع سلاح الميليشيات غائباً وغريباً عن الأدبيات السياسية في تلك المرحلة.

ولا بد لنا أن نتذكر هنا أن السلاح في هذه الفترة كان بيد ميليشيات تتبع لقوى وأحزاب سياسية، وتسعى لتحقيق أهدافها، إلا أن السلاح استخدم أيضاً بشكل واسع وفي مختلف المناطق اللبنانية لقهر المواطنين وقمع الحريات وحفظ الأمن الذاتي للمجموعات المتحاربة، وحراسة قوى التسلط التي سيطرت على مقدرات الناس وعلى بعض الدوائر الرسمية والمرافق العامة، واستخدمتها من أجل جمع "الأتاوات" للمجهود الحربي. كان لكل من الميليشيات قضاؤها وأحكامها ومزاجها، وبات المكتب المسلح في حي أو بناية هماً وغماً على السكان الذين لا حول لهم ولا قوة من أجل التخلص من هذا الشر المستطير وعواقبه.

لم نسمع في تلك الفترة أصواتاً لا عربية ولا دولية تطالب بنزع سلاح الميليشيات التي لم يعد الشعب اللبناني قادراً على احتمالها.

بقيت الأمور على حالها حتى التوصل إلى اتفاق الطائف وانتخاب رئيس للجمهورية وإعادة بناء الجيش بعد أن كان تعرض للتقسيم والشرذمة خلال فترة الحرب. تولى الجيش الحفاظ على الأمن الداخلي وانحسر السلاح منذ مطلع التسعينات، ونجح الجيش بخلق بيئة أمنية ممتازة في الداخل فاسحاً المجال للمقاومة وسلاحها لاستخدامه في مواجهة العدو "الإسرائيلي" في الجنوب. وكانت هذه المعادلة جيش - مقامة عاملاً أساسياً للاستقرار الذي شهدناه في تلك المرحلة والتي قال أحد وزراء الداخلية السابقين حينها أن المنظمات الدولية المعنية صنفت لبنان بأنه الأول في مجال الأمن.

بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق والإطاحة بنظام صدام حسين، أفصح الأميركيون عن أهدافهم وسمعنا عن الشرق الأوسط الكبير من الرئيس بوش، وعن إعادة تشكيل الشرق الأوسط من وزير الخارجية السابق كولن باول، وولادة الشرق الأوسط الجديد عن وزيرة الخارجية

كونداليسا رايس. لم تتضمن هذه المشاريع حلاً للنزاع العربي - الإسرائيلي وهو القضية المركزية الأولى في المنطقة، بل اقتصرت على ضرب فكرة المقاومة وإزالتها من أدبيات الأنظمة المسماة معتدلة، وضرب جسد المقاومة المتمثل في رموز تاريخية مثل ياسر عرفات وأحمد ياسين في فلسطين وأعمال القتل التي إستهدفت قادة حزب الله وتمكنت من اغتيال أمينه العام السيد عباس الموسوي. تركز الهدف على المقاومة وسلاح المقاومة وبدأت الجوقة الأميركية "الإسرائيلية" تردد الكلام عن أخطار سلاح المقاومة أو سلاح حزب الله وأعبائه وعن أهداف أخرى للسلاح متجاهلة الهدف الواضح والوحيد وهو مقاومة "إسرائيل". تنوعت الأهداف التي نسبتها الجوقة إلى سلاح المقاومة، فإذا بها تتحدث السيطرة على لبنان وإقامة حكم إسلامي أو خدمة المحور الإيراني السوري في المنطقة أو نشر العقيدة الشيعية أو الإلتزام بأوامر الفقيه من حزب يعتنق مبدأ ولاية الفقيه وغيرها. لم نسمع بهذه الاتهامات توجه إلى السلاح الذي كان في السبعينات والثمانينات، يرتكب الموبقات ويقوض مؤسسات الدولة ويضغط على معيشة المواطن ومصالحه. اليوم بعد أن اقتصر مهمة سلاح المقاومة على مقارعة العدو والتصدي لعدوانه، نسمع المعزوفة في بعض وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة يومياً ومرات عديدة عن مشكلة سلاح حزب الله دون أي حديث عن مشكلة الإحتلال "الإسرائيلي" ، ولا عن مشكلة التهديد "الإسرائيلي" الدائم للبنان، والتي تتطلب إستراتيجية مواجهة من دولة يفترض أن يقرر مصيرها رجال دولة.

وفجأة صارت الشرعية الدولية شعاراً ومستنداً لهذه الجوقة التي تجاهلت هذه ا لشرعية عندما كانت تعني القرارات 242 و 338 و 425 الصادرة عن مجلس الأمن والتي تتضمن إطاراً لإنسحاب "إسرائيلي" من الأراضي العربية المحتلة والقرار 194 الذي يضمن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. كان الحديث عنها يجري نادراً ومن قيل رفع العتب ولم يكن تعبير المجتمع الدولي وهو التعبير "المهذب والحضاري" قد استخدم بعد.

صدر القرار 1559 في أيلول 2004 وافتتح بذلك مرحلة جديدة هي بداية الهجوم على المقاومة التي لم يشكك أي لبناني من أي تجاوز صغير أم كبير منها، كما إنها تمتعت بإحترام وتأييد ودعم مختلف فئات الشعب. مقاومة لم تصادر منزلاً ولم تخطف مواطناً ولم تبتز أحداً لا مالياً ولا غير ذلك. مقاومة إنتصرت على "إسرائيل" عام 2000 بفضل تضحياتها وشهدائها وتكريسها للواجب الوطني بتحرير الأرض، لكنها لم تنتقم من أي متعامل مع العدو، بل سلمت كل العملاء للدولة والقضاء كي يحيلهم إلى محاكمة عادلة، وهي خطوة مثالية في الأخلاق والتعامل مع شريك الوطن، لا بل رأي فيها البعض مغالاة في هذا المجال بسبب التخلي عن الإنتقام للشهداء أو الإقتصاص من المرتكبين. وما زلنا نذكر ماذا فعلت المقاومة الفرنسية بعد التحرير من الإحتلال النازي حيث قتل من عملاء النازية من قتل فيما حلقت شعور رؤوس العملاء وأجبروا على الخروج في عرض مهين في الشوارع مع إعطاء الحرية للمواطنين للاقتصاص منهم كما يحلو لأي منهم.

سلاح المقاومة أو سلاح حزب الله أمسكت به يد هي في منتهى الترفع عن أي صغيرة أو شائبة، أصبح هدفاً لقرارات الأمم المتحدة التي سميت بالمجتمع الدولي تحبباً، بينما غاب هذا المجتمع عندما عاث سلاح الميليشيات فساداً في البلاد.

القرار 1559 لم يُنفََّذ على الفور، وبدا أنه يحتاج إلى صدمة ما من أجل تنفيذه، وجاءت هذه الصدمة من خلال الجريمة الكبرى التي هزت لبنان والمنطقة وهي اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لم تمض دقائق على حصول الجريمة حتى تعالت أصوات الاتهام لسوريا مطالبة بانسحابها (نذكر هنا أنه صدرت أنباء صحفية تفيد أن الولايات المتحدة طالبت سوريا بنزع سلاح المقاومة ورفضت هذه الاخيرة). وكثر الحديث عن الوصاية السورية والإحتلال السوري والممارسات السورية التي كانت مستمرة منذ نحو ثلاثين سنة وسط صمت دولي وصل في بعض الأحيان إلى التأييد، كما فعل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عندما ألقى خطاباً في مجلس النواب اللبناني أيّد فيه تواجد القوات السورية في لبنان لحين التوصل إلى حل شامل لأزمة الشرق الأوسط. إضافة الى أن العديد من القوى السياسية اللبنانية كانت مؤيدة وحليفة للقوات السورية والتي ما لبث معظمها أن تحول إلى معاد لها بعد انسحابها. لم تكن التجاوزات السورية والأخطاء المرتكبة بحق اللبنانيين تثير الولايات المتحدة أو فرنسا أو "إسرائيل" طيلة ثلاثين عاماً، ولكن عندما وصلت الأمور إلى سلاح المقاومة أي السلاح الذي يدافع عن لبنان في مواجهة الإعتداءات "الإسرائيلية" والإحتلال "الإسرائيلي" والتهديد "الإسرائيلي" المستمر، بات الوجود السوري مشروطاً بنزع هذا السلاح، وعندما رفضت سوريا ذلك، دفعت تحت وطأة جريمة إغتيال الشهيد رفيق الحريري والتحريض الطائفي والعنصري والإعلامي إلى سحب قواتها من لبنان. تركت المقاومة وجمهورها وحيدين لترقب الفصول الجديدة من الضغوط لأجل نزع سلاحها.

كان الحلف الرباعي الذي خاض الإنتخابات النيابية عام 2005 وأنتج الأكثرية الحاكمة من القوى المناهضة للمقاومة، محطة أمل منها البعض ان يجري نزع سلاح حزب الله طوعاً أو على الأقل كان البعض في لبنان يعطي وعوداً للإدارة الأميركية الممسكة بملف نزع سلاح المقاومة لصالح "إسرائيل" ولفرنسا بأنه في صدد حل هذه المسألة داخلياً وسلمياً. ولما طال إنتظار "إسرائيل" وأميركا دون نتيجة، وفقدت كوندا ليسا رايس صبرها (الجدير بالذكر أن رئيس الوزراء السنيورة كان شكرها على طول صبرها أثناء زيارة لها قبل حرب تموز ولم يوضح على ماذا كانت تصبر طويلاً)، شنت "إسرائيل" حرب تموز ضد لبنان كردّ فعل على أسر المقاومة لجنديين "إسرائيليين"، وتبين أن ردة الفعل هذه ما هي إلا حرب تتطلب شهوراً من التحضيرات وليست ردة فعل آنية وانها كانت مخططة من قبل في إطار نزع سلاح حزب الله بالقوة.

فشلت "إسرائيل" في تحقيق أهدافها من الحرب اي القضاء على حزب الله ونزع سلاحه، وهو الهدف الذي أعلنته صراحة قبل الحرب وخلالها وبعدها، كما جاء في تقرير لجنة فينوغراد كما أعلنت ذلك الهدف أيضاً الإدارة الأميركية على لسان العديد من مسؤوليها.

على الرغم من فشل العدوان الاسرائيلي في تموز، لم يتراجع نزع سلاح حزب الله عن أولويات "إسرائيل" وأميركا، وإزداد الإهتمام بذلك بعد هذه الحرب وما نتج عنها من فشل "إسرائيل" وانتصار المقاومة وتأثير ذلك على الجمهور العربي والمسلم وخصوصاً في الدول المسماة دول الإعتدال.

ماذا بقي أمام "إسرائيل" من أجل نزع سلاح حزب الله الذي تهجس به غير إستخدام سلاح الفتنة؟ بعد حرب تموز وأثناء مجريات الحرب وقبل وقف إطلاق النار، رأينا وسمعنا البيادق الأميركية من السياسيين اللبنانيين يطالبون بنزع سلاح حزب الله. وقد أسقطوا طلب الحقيقة في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتراجع كلامهم عن المحكمة الدولية، وهي القضية التي جرت تعبئة الرأي العام من أجل سحب القوات السورية والسيطرة على السلطة. لم يعد أقطاب تجمع 14 آذار مهتمين بالحقيقة والمحكمة، والملفت و المضحك المبكي أنه في الآونة الأخيرة تراجع إتهام سوريا بكل ما يجري في لبنان، وصار الإتهام يوجه من قبل جوقة البيادق الأميركية إلى حزب الله، حتى لو حصل إشكال في بيئة بعيدة عن حزب الله (كما حصل بإتهام حزب الله في جريمة زحلة التي وقعت بين أنصار النائب سكاف والكتائب)، ثم ما يحصل اليوم من إتهام أيضاً بأحداث طرابلس.

إذاً هناك أمر عمليات يجري الإلتزام به ويمنع على جوقة البيادق التهاون فيه وهو الإستمرار بشن الحملات السياسية والإعلامية والمذهبية والعنصرية ضد حزب الله على جميع الجبهات. وتصاعدت أصوات الفتنة تفتح ملف خلافات الصحابة وأخرى تفتح ملف التشيع وخطره، وأخرى تتحدث عن نفوذ وهيمنة إيرانية ترافقها دعوات من دول الإعتدال العربي إلى تغيير العدو من "إسرائيل" إلى إيران وإعتبارها تهديداً لأمن العرب وتناسي كل ما حصل وما يزال يحصل للشعب الفلسطيني من اضطهاد ومجازر وإحتلال وقهر وحصار. لماذا؟ لأن إيران تدعم المقاومة ضد إسرائيل وهي لو أوقفت الدعم لزال خطرها حتماً في نظر هؤلاء البيادق.

لا يبدو أن "إسرائيل" سوف تتوقف عن التحريض على حزب الله، وفي كل يوم يبحث أعضاء الجوقة على سبب يهاجمون فيه المقاومة فثمة من التقط مسألة ولاية الفقيه وصارت لازمة يومية في المقالات والأدبيات دون أن يقول للناس ما هي هذه الولاية وماذا تشمل ومتى ظهر خطرها ولماذا اليوم نتحدث عنها؟ مع أن عمرها يزيد عن الألف سنة. وبيادق أخرى باتت تعتبر لبنان ورقة إيرانية في المفاوضات حول الملف النووي، وتتغنى في تصاريحها بهذا الربط مشوهة بذلك قضية المقاومة ضد "إسرائيل" التي بدأت قبل الملف النووي بزمن وسوف تستمر مهما كانت نتائج المفاوضات حول ذلك الملف.

تفتش البيادق عن اعذار وتجترح الأفكار من أجل لصقها بالمقاومة فقط لأن "إسرائيل" تريد ذلك ومعها الولايات المتحدة. " برزت شعارات "بدنا نعيش" و "ثقافة الحياة فجأة ضد سلاح المقاومة، لم تظهر ضد "فتح الإسلام" ولا ضد الميليشيات التي قتلت المواطنين وأحرقت بيوتهم وهجرتهم من قراهم خلال الأحداث، يومها لم يجد هؤلاء حاجة إلى "ثقافة الحياة". اليوم برزت هذه الحاجة في إطار التحريض على سلاح المقاومة.

وفي هذا الإطار تنقل البيادق بين إعتبار إنتصار تموز هزيمة رغم إعتراف العدو بذلك، ثم اعتبار صفقة تبادل الأسرى خاسرة للبنان وانها كلفت 5.2 مليار دولار و 1200 قتيلاً، في حين أن "إسرائيل" والقوى الداعمة لها إعتبرتها إنتصاراً تاريخياً للمقاومة ونكسة ل"إسرائيل".

لم تتوقف الهجمة على المقاومة ومن المرتقب أنها سوف تستمر في المستقبل النظور طالما أن "إسرائيل" تريد ذلك بأي ثمن. ومن اليوم حتى تقتنع دول "الإعتدال العربي" أن وجهتها هي إستعادة حقوق العرب في فلسطين وإنقاذ الشعب الفلسطيني وإعطائه حقه في تقرير المصير والتسوية الشاملة في المنطقة التي تشمل الإنسحاب من الجولان وعودة القدس واللاجئين وبحث كل القضايا العالقة، سوف تستمر هذه الهجمة بأشكال متعددة ومتنوعة. ولا يبدو أن البيادق  في وارد التخلي عن بذل أي جهد سياسي أو إعلامي أو ثقافي أو أمني أو عسكري ضد سلاح المقاومة.

لكن السلاح قوي ومتين وراسخ عند الجميع، حتى الجمهور الذي يعارض السلاح اليوم، إذا أخذ المذهبية والطائفية جانباً وسوف يزيحها يوماً ما لأنها حالة فكرية وثقافية طارئة جاءت لتحقيق هدف سياسي، فإنه سوف يعود حتماً إلى تأييد المقاومة ضد "إسرائيل" لأنها الوحيدة التي تحقق المشروع الوطني والأمن والإستقرار والدفاع عن وحدة البلاد.