العدد الخامس والثلاثون - آب

الطائفية بوصفها عقيدة سياسية لبنانية

ميشال شيحا نموذجاً
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

يمكث لبنان الآن في اللحظة الأكثر احتداماً وتعقيداً مما كان عليه في خلال الأزمنة المتعاقبة من حروبه وتسوياته. فهذا شأنه في فراغ لا يقتصر حاله اليوم على تقنيات عمل السلطة والمؤسسات، بل هو يمسُّ الدولة والوطن بأحيازهما المختلفة. لذا يبدو الكلام على التسوية هو أدنى إلى استعادة شاملة لفلسفة الكيان اللبناني بمجمله.

  والواقع أنه كلما حلّ على اللبنانيين سؤال التسوية الداخلية، استأنفوا جدلاً عظم شأنه واتسع مداه، حول صيغة الجمع في ما بينهم.. وفي كل مرة كانوا ينعطفون فيها نحو ذلك السؤال، كان ميشال شيحا يملأ مساحة بيّنة في ثقافتنا السياسية، حتى ليكاد ذلك الفيلسوف المستعاد يؤلِّف بين أطياف لبنانية خالف بعضها بعضاً، وكان لها أن تعود لتأتلف على "فضيلة التقليد".

 اللحظة اللبنانية، وإن اكتست بطبقات الغموض الكثيف، لم تخلُ من النقاش على "الشيحوية" وكلماتها وتوجيهاتها. فلقد بدا واقع الحال، كما لو أن "التسوية التاريخية" المأمولة لن تحيد عن تلك الكلمات والتوجيهات.

 

 

ماذا في فلسفة ميشال شيحا اللبنانية...

 

 

 لقد نظر شيحا للبنان، فرفعه إلى مقامين يبدوان متفارقين في شدة. أوّلهما مقام الأسطورة، حتى ليظنّ القارئ أنه بإزاء بيت مشيّد بالشعر، أو حيال مكان جيو-ميتافيزيقي، لا يشبه أمكنة الدنيا، ولا تشبهه هي في شيء.

  وثانيهما مقام الواقع، يكاد المرء يحسب الرجل سياسياً من طراز ماكيافيلي أو هوبز، أو ابن المقفّع، لكن على الطريقة اللبنانية المركنتيلية التي عوّدنا عليها سياسيو اللّعبة. منذ الاستقلال فإلى ما بعد الطائف. في كل حال ظلَّ أمامنا السؤال التالي: كيف لهذا التفارق أن يجمعه جامع، لولا أننا أمام فقيه سياسي إشكالي دخل اللعبة من غير استئذان، فأبدع لها "سيستاماً"، (نظاماً) استظلَّت به فهنَّأت، ثم لم تلبث حتى ضلّت بسببه، فكان لنا من الضلال الحصاد الأليم. إن هذا المفكر المسيحي الكلداني الذي جاءت عائلته من العراق، سيكون سكرتير اللجنة التي وضعت مسوّدة الدستور اللبناني عام 1926. وكان من أبرز المخطّطين الرئيسيين للبنية السياسية، والاقتصادية اللبنانية بعد الاستقلال. فهل كان بهذا يفارق "الميتافيزيقيا" ليدخل إلى ثنايا المكان الذي حلّ فيه ليضع بين يديه ناصية أمره؟

 غالب الظن أن لا... فلبنان بالنسبة إليه "بلد الحلم والواقع معاً. كأنما تريد فلسفته أن تقيم لمدينته الفاضلة سياجاً من عقل يحميها من مواتٍ أكيد. ولذا راح يبيّن منذ العام 1942 أن الديمقراطية هي الصيغة الوحيدة التي تلائم لبنان"، يقول: "لا بد من مجلس يكون مركز التقاء وتوحيد للطوائف في سبيل تحقيق إشراف مشترك على الحياة السياسية في الأمة. فحين يُلغى المجلس، يُنقل الجدل حتماً إلى المحراب (من حرب) أو إلى ظلّه، فتتأخّر بالتالي مسيرة التنشئة المدنيّة.. فـ "لا يناسب لبنان ركوب الرأس ولا مركب الانقلابات.. وبذلك سيكون عليه أن يتجنب الطغيان، وسيطرة البعض على البعض الآخر، وبالتالي كل أنواع الاضطرابات".

 إن "العقل التسووي" دعا شيحا اللبنانيين إليه، والاعتصام فيه من كواره الزمن، هو المنجز الفلسفي - السياسي الذي سيؤلف بينهم، ويدبّر لهم أمر اجتماعهم وتوحّدهم. وبعد هذا فهو (المنجز) الذي يصون الإلفة من الفرقة، والتوحُّد من الإنشطار والتشظّي. وهو المنجز الفلسفي - السياسي نفسه، الذي آل إلى أن يكون دستوراً في العام 1926، وميثاقاً وطنياً حُمِلَ عليه الاستقلال عام 1943. وثمة من يمضي إلى اتفاق الطائف ليقول إن هذا الاتفاق قد انتزع من "الشيحوية" عصارة الفؤاد.

 

بلد مركّب على الكثرة

 

 

 لقد رسمت "الشيحوية" ماهية بلد عجيب تركّب على الكثرة والتعدّد، بعدما صارت هذه الثنائية السياسية تقليداً، وصار التقليد سلطة معزّزة بالقانون. إنها سلطة "الكثرة المركبّة" نفسها التي افترض شيحا أنها تستطيع أن تؤمّن للبلد أمنه وثباته، فتعصمه من التذرّر والانفراط. كان ميشال شيحا مؤمناً بأن لبنان "بلد يجب أن يدفع التقليد عنه شرَّ العنف". كما أنه وعى مبكراً فرضية التناقض بين الطوائف، فأراد أن يؤسس لمنطق ينزع من الاجتماع السياسي العتيد عوامل انفجاره. إنه المنطق نفسه الذي راح يستولد من قضية مهزوزة، نتيجة مستقرة. أنجح في ذلك أم لا؟ فهذا سؤال تبدو الإجابة عنه غير مفارقة لتاريخ طويل من القضايا الخلافية بين اللبنانيين. فلا يزال إلى يومنا يوجد ما يشبه حرباً فكرية باردة بين اجتهادين متفارقين، وهما غالباً ما يبتعثان على الضجر:

الأول: أن لبنان بلد استثنائي كرّمته السماء، فعرضت عليه طوائفه، فكان بها وجوداً أصيلاً، فصارت الطوائف والمذاهب علّته الفضلى. بها يقوم ويترقى ويدوم وطناً لأهله المختلفين المتّحدين على عشق لا يزول.

والثاني: أن لبنان قد لعنه الحتميات التاريخية، فخلعت طوائفه عليه لونها المخصوص، وراحت تنزع منذ أول التقاء في ما بينها على أرض السياسة، إلى قطع الوصال فيما بينها وإقامة الحد، أو العيش آمنة داخل أحيائها المغلقة. فإن لبنان هذا على رأي أهل الاجتهاد، هذا ليس غير ظاهرة مخصوصة بالفقر، أي أنه بلد لا منعة له بإزاء الاضطراب، فهو مقيم على قلق طوائفه، إما لعلة في ذات كل واحدة منها، كما لو أن شعوراً يسكنها بأنها مغدورة من أخوتها اللاّتي يشاركنها باب الدولة العالي.. وإما بسبب من لعبة انتهاب متبادل في ما بين الأخوات المتشاركات كلّهن، أفضت إلى ثنائية الخوف والغبن.. فلقد ترتَّب على هذي الثنائية من آثار الشؤم ما لا يطيقه العقل ولا الطبع. وكان الحاصل من جرّاء هذين (العلة والسبب) أن تعرّض البلد لإنفجارات دورية مدوية.

 ومع أن كلاً من الاجتهادين المنقضيين قد هبطا الآن إلى ما تتح الحد الذي يسمى اتفاق الطائف، فهما لا يزالان على النشأة نفسها. يستنظران الوقت ربما لكي تبترد المقولة الأمنية، فلا يعود ثمة سبب يُبقي سياق المماحكات مخفياً وراء حجاب.

 

   حلقة أولى من كتاب سيصدر قريباَ

 

محمود حيدر

باحث في الفكر السياسي

رئيس تحرير مدارات غربية