العدد الخامس والثلاثون - آب

عالية ممدوح في "التشهي" توازن بين العجز الجنسي والفساد السياسي

اعداد : أسماء وهبة
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

الجنس والسياسة وجهان لعملة واحدة. غاصت فيهما الروائية العراقية عالية ممدوح في روايتها "التشهي" الصادرة عن دار الآداب عام 2007 مرتكزة على مشهدية جنسية واضحة لتصل من خلالها إلى فساد الأحزاب وتسلطها ومعاناة المنفى العراقي.

تبدأ الرواية حين يفقد بطلها قدرته الجنسية من خلال ضمور عضوه الذكري، الشيء الذي يثير القارىء ويشوقه في الوقت نفسه ويدفعه لمتابعة الرواية، ليكتشف أن الكاتبة انطلقت من نقطة حساسة هي تضاؤل الذكورة وما يستتبع ذلك من اهتزاز في الشخصية وفقدان الثقة.

ف "سرمد" منفي عراقي يعيش في بريطانيا، ويعمل مترجما، وبسبب سمنته الزائدة يفقد ذكورته. وبعد محاولات عدة لاستيعاب ما يحدث له يجد نفسه غارقا في استعادة حياته الجنسية الماضية التي كانت أشبه بفعل انتقامي يظهر فيه مهارة فشل عن ابتكارها في العمل السياسي.

كانت تجربته الأولى مع "فيونا" استاذته الأسكتلندية في المعهد البريطاني في بغداد. سيدة أربعينية تعلم معها ممارسة الجنس للمرة الأولى! أما النساء الأكثر حضورا في حياته هي "ألف" التي أحبها وبقيت في العراق ثم "كيتا" الألمانية و"أمينة" المغربية.

ولكن مع تتبع أحداث الرواية قد يتساءل القارىء: لماذا لجأت عالية ممدوح إلى مشاهد بورنوغرافية وإيروسية واضحة في حين أنها كانت قادرة على استعمال الجنس برمزيته المعتادة دون الغوص في تفاصيل العلاقة الحميمة؟!

يبدو أن عالية جعلت من الجنس ذريعة لترسم الماضي العراقي الأسود من خلال شخصيات روايتها. فنكتشف أن هناك أخا أكبر ل "سرمد" هو "مهند" الذي كان عضوا في جهاز المخابرات العراقي. وهنا يظهر لنا الواقع العراقي المحكوم بممارسات وحشية! فلقد نكل "مهند" بالشيوعيين العراقيين، وراقب شقيقه "سرمد" حتى وهو في المنفى، كما تزوج "ألف" عنوة بعد اعتقال والدها وموته تحت التعذيب ثم اختفاء شقيقها وإصابة والدتها بالشلل. واحتفظ بتسجيلات مصورة ل "سرمد" وهو يمارس الجنس مع "كيتا" و"أمينة" وحتى مع "ألف" حين زارته ذات يوم في لندن.

وهنا تسمح عالية لأبطال روايتها بأن يلعبوا دور الرواة لسيرتهم الذاتية من "كيتا" و"أمينة" و"يوسف" وصولا إلى "ألف" التي تضع نهاية الرواية عام 2003 مع سقوط بغداد تحت الإحتلال الأمريكي.

فما أرادته عالية من خلال روايتها "التشهي" تعرية المجتمع العراقي خصوصا والبشر عموما باستخدام لغة تهكمية ممزوجة بالجنس حتى تصف عجزنا اليوم أمام الحاكم المستبد والمحتل.

من ناحية أخرى عملت عالية على توظيف التصوير الجنسي للرواية من خلال المغامرات الجنسية والعاطفية لتقرنها بعالم السياسة والنضال، فيبدو الجنس ملاذا للفشل السياسي!

ولكن من اللافت أن عالية تشعرنا عند اقتراب نهاية الرواية بابتذال الجنس عند الرجال الذين يفرغونه من العاطفة ليكون ممارسة شهوانية ميكانيكية تنسيهم معاناة المنفى وذاكرة الوطن، فابتعدوا عن تجديد الذات وحب الحياة. وهنا تتخطى عالية مأساة "سرمد" الجنسية لتصل إلى مأساة العراق، لأن "سرمد" استسلم لتنكيل النظام العراقي السابق ومن بعده الإحتلال، في حين أن "ألف" مثلت ببقائها في العراق المقاومة والصمود.

وعلى الرغم من عدم ضرورة إفراد مساحات واسعة للمشاهد الجنسية في الرواية إلا أن عالية ممدوح نجحت في تعميق معنى الجنس وعلاقته بالسياسة من خلال روايتها "التشهي". وهي التي سبق أن صدر لها مجموعتان قصصيتان وخمس روايات هي "ليلى والذئب" عام 1981 و "الولع" عام 1995 و "حبات النفتالين" ثم "الغلامة" عام 2000 و "المحبوبات" عام 2003.

  

قالوا في الجسد

 

* نعيش مغامرات الجسد دون أن نتمكن من تفكرها، فبين الولادة والموت تتشكل الحياة عبر هذا الجسد الأخرس.

منى فياض

 

* يبدو الجسد يقينياً لدرجة استغراب التساؤل حوله. فيتوجب علينا أن نفك رموزه، لأن لا شيء أكثر هروباً منه!

لوغوف

 

* غالباً عد وخذني أيها الحس المحبوب

عد وخذني عندما تستيقظ ذاكرة الجسد

عندما تمر رغبة قديمة عبر الدَم

عندما يتذكر الجلد والشفتان

واليدان تحسبان أنهما تلمسان من جديد

غالباً عد وخذني ليلاً

لحظة يتذكر فيها الجلد والشفتان

كفافي

 

* من دون الجسد الذي يعطيه الإنسان وجها... هذا الإنسان لن يكون.

لوبروتون

 

* صورة الجسد الإنساني هي صورة جسدنا الخاص التي تشكلها في فكرنا.

شيلدر

 

* بالجسد وفي الجسد يحس الإنسان ويعبر ويعمل ويبتكر ويحلم ويتخيل. ومن الجسد يطل على واقع الآخرين الجسدي ويلتحم بمفردات العالم وأشيائه.

ميشال برنار

 

* كلا لا ذنب لمن قتلت عيناه ولم تقتل يده

 قد قصرنا دونك الألحاظ خوفا أن تذوبا

 كلما زدناك لحظاً زدتنا حسناً وطيبا

أبو الحسن القيرواني