العدد الخامس والثلاثون - آب

"لقد القيت السلاح" لرجينا صنيفر عن ارتكابات القوات

قادوهم إلى شاطئ البحر، قتلوهم ثم علقوا الأثقال بأرجلهم ورموهم في المياه
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

في نيسان 1986 أطلق سراح بعض مناصري إيلي حبيقة بعد أربعين يوماً مرهقة من التوقيف. بعد بضعة أشهر وفي صباح السابع والعشرين من أيلول من العام نفسه، حاول إيلي حبيقة العودة الى المنطقة بالقوة. 

خلال ساعات تمكن أتباعه من احتلال عدد من المواقع- المفاتيح في قلب الأشرفية، فتحركت مجموعات من الجيش اللبناني. عندها أمر حبيقة عناصره بالتراجع. كانت المعركة قصيرة ولكن رهيبة. قام رجال جعجع بعملية تمشيط كما هو متبع. لاحقوا المهاجمين الذين أوقف بعضهم وقتل على الفور، ثم ربطت جثثهم بسيارة وجرجرت في شوارع الأشرفية.

بعض المساجين المحررين عادوا واختفوا مجدداً، وانتظرت أخبارهم بقلب مثقل.

"لقد أثقلناهم بالوزن"، اعترف أحد الحراس الشخصيين أمام أصدقائه في مكتبي، كان يتكلم بحريةِ وبأمانِ الشخص الذي يعلم أنه لن يعاقب على أفعالة مهما يحصل، وهنأ نفسه لأنه لم يترك أثراً ولا بصمة.

ولكن ماذا قصد هذا الحارس بقوله "أثقلناهم"؟ ولماذا تكلّم عن "وزن"؟ هذه الكلمات جعلت الدم يتجمد في عروقي، صور مرعبة تدفقت في رأسي، بذلت جهدي كي لا يظهر منها شيء. ولكني شعرت بشيء يخنقني، وبدأت بتخيل المشهد، وبدأت أفهم. لقد قادوهم إلى شاطئ البحر، قتلوهم ثم علقوا الأثقال بأرجلهم ورموهم في المياه. شعرت بالغثيان، وبأن الهواء قد انقطع، فبدأت بالاختناق. وانتابتني رغبة بمغادرة المكتب، بالهروب. ولكن لا، لا يجب أن أقوم بردة فعل، يجب أن أعرف أكثر. لقد اقتلعوهم من أسرّتهم في جنح الليل لجعلهم يختفون. 

"لبنان" كان واحداً من هؤلاء، ولم يجدهم أحد أبداً، أجسادهم اهترأت تحت الماء. في ذلك الظلام كنت بحاجة الى الهواء، أردت ان أصرخ:"مجرمين" ولكني ابتلعت غضبي مجدداً، ما الفائدة منه الآن؟ تخاذل، صمت أمام الرعب. لطالما لمت نفسي على عجزي عن القيام بشيء ما.

كان علي أن أذهب، وأن أعود الى المنزل، لملمت أغراضي وتناولت حقيبتي، مشيت وألقيت السلام كما لو أننا في وضع كل شيء فيه طبيعي. إنها الحرب، الرعب يصبح تفاهة والرحمة ضعفاً.

في اليومين التاليين، بقيت مسمرة في منزلي، وفي رأسي صورة واحدة "لقد أثقلوهم بالوزن"، كنت كالمشلولة، خائرة القوى، معدومة الطاقة. بعد أيام علمت أن ميليشيويين داهموا "المصري" فجراً وأخذوه معهم. بعد وقت قليل وجِدت جثته مرمية في الطبيعة.

بالنسبة لرجال سمير جعجع هدف هذه التوقيفات كان حث رجال حبيقة على قطع أي علاقة معه. العائلات لم تشتك، وأذهلني خضوعهم، لم أفهمه أبداً. ولكن، ممن يمكنهم طلب العدالة؟ لم يكونوا جزءاً من المحيط المؤثر الذي وهب نفسه حق منح الحياة او الموت للناس.

بعد عدة أيام اعترف أحد الكادرات: "ان إبقاء هؤلاء الشباب في السجون سيكون محرجاً، والجثة لا يمكنها حمل توقيع" .

في هذه اللحظة بالذات أحسست أنني لم أعد أنتمي مطلقاً الى ذلك العالم، لم يعد بإمكاني أن أكون متواطئة مع ما يحدث. يجب أن أنهض وأتكلم.

ذهبت لرؤية أعلى سلطة كنسية مارونية، البطريرك شخصياً، أخذ لي الموعد راهب شاب اسمه الأخ مارون.

ذهبت برفقته وقدّمت نفسي لبطريرك أنطاكيا وسائر المشرق الماروني، كان عليّ اجتياز صالة كبيرة بيضاء تصطف بموازاة حيطانها مقاعد حمراء، ويخيم في جوانبها صمت خاشع. في قلب الصالة وعلى كرسي مهيب جلس البطريرك. أخذ قلبي يطرق بعنف.

"إني أسمعك"

كلماته الأولى قطعت صمت هذه الصالة الضخمة، كما لو كنت على كرسي الاعتراف. لم آت لأعترف بخطاياي همساً، ولكن لرفع الصوت عن جرائم غيري. وبصوت مرتجف تكلّمت عن الاختفاءات، وعن الأجساد التي أُثقلت بالوزن وألقيت في البحر. ولكن وجه البطريرك بقي خالياً من أي تعبير، أكملت روايتي، ولكن تكوّن لدي انطباع بأن كلماتي تغرق في هذا الديكور الجليدي. تلا ذلك صمت عميق، تسمّرت للحظات في جو أضحى ثقيلاً قبل أن أفهم أنه آن الآوان للانصراف.

تمنيت لو قال شيئاً، انتظرت إدانة لفظاعة الجريمة، أو على الأقل كلمة تشد من عزمي، ولكنه لم يقل لي شيئاً. الكلام لم يعد كافياً، لم يعد هناك من يسمع، لقد تحولوا كلهم الى صمّ، لم يعد بإمكاني الاعتماد على أحد، أمالي وأوهامي تهاوت، كل شيء كان حقيقياً في ذلك الكابوس.

بعد الاضطراب وخيبة الأمل، سكنني الغضب، لا يمكنني أن أحيا بعد بكرامة وأنا أشهد مكتوفة الأيدي اغتصاب كرامات الرجال الذين أعرفهم.

فلأجل كرامتهم، كذلك لأجل كرامتي، قررت أن أترك كل شيء، وقراري نهائي لا عودة عنه.

من كتاب رجينا صنيفر