العدد الخامس والثلاثون - آب

لينا أبيض " لتحولات ":

المسرح نخبوي في كل العالم ويحتاج إلى ثقافة وجرأة ومتعة
الاحد 31 آب (أغسطس) 2008.
 

عادت المخرجة اللبنانية لينا أبيض إلى المسرح مع مسرحية "العميان" للكاتب البلجيكي موريس ميترلينك التي عرّبتها بالاشتراك مع الكاتب رشيد الضعيف. أطلت علينا كعاتها من مسرح الجامعة اللبنانية الأميركية محتضنة إلى جانب تجربتها المسرحية ممثلين شباب من الطلاب والهواة في عرض استدرج المشاهد لمحاولة كشف المستور وما خلف الأستار والتعايش مع القلق وانتظار المجهول:

 

كيف تلخصين مسرحية "العميان"؟

المسرحية تحكي عن 6 رجال و6 نساء وطفل صغير جالسين طوال العرض على خشبة المسرح بدون أن يتحركوا. وهنا مطلوب من المشاهد مطلوب أن ينصت لما يقال على الخشبة وهذا صعب جداً في ظل غياب أي حركة يقوم بها الممثلون الذين يجسدون انتظار المجهول! فهم الذين يعيشون في مأوى للعميان قرر الدليل اصطحابهم إلى نزهة في البحر. وعندما وصلوا إلى الغابة قال لهم الدليل أنه سيذهب لشراء خبز وماء للطفل. وهنا تبدأ المسرحية عندما تركهم في انتظاره دون أن يعود! وكانت الطريقة الوحيدة للتواصل بيهم هي الكلام! إنها مسرحية فلسفية وعبثية صعبة على المتفرج كمشهدية، لأن معناها قد يبدو غامضاً أو عبثياً أو وجودياً أو قد تكون إسقاطاً سياسياً على وضعنا الإجتماعي. فلقد كتب ميترلينك نصاً عبثياً فلسفياً جسّد فيه الخوف من الحياة والآخر لذلك حاولت قدر الإمكان الحفاظ على هذه الروح.

 

من هو الأعمى الذي تحدثت عنه في المسرحية؟

من الملابس والنص يبدو أن العميان هم مجموعة من المسيحيين بسبب حديثهم الدائم عن الكنيسة كما أن الدليل هو راهب، ولكني في المسرحية غيرت هذا حتى لا يسألني المشاهد اللبناني عن من أتحدث! فلا أريد الحديث عن المسيحيين في لبنان، بل أردت أن يكون للمشاهد حرية تخيل من هو الدليل ومن هم العميان ومن هو الطفل الصغير. فغموض المسرحية يسمح لأي شخص أن يفهمها من منطقه هو. وهناك من يرى أن الدليل الذي مات هو رفيق الحريري أو سمير قصير أو جوزيف سماحة أو جبران تويني وهذا شيء مهم .

 

هل تقصدت ذلك حتى تتخلصي من الحرج اللبناني سواء كان على مستوى النقاد أو الجمهور؟

الوضوح هو عنوان عملي في المسرح كما فعلت في مسرحية "القبضايات" التي تحدثت عن خنازير تأكل مزروعات إحدى القرى وحاول أهلها التخلص منها دون جدوى فقرروا الإستعانة ب "قبضايات" للتخلص من الخنازير ولكنهم ما لبثوا أن سيطروا على المنطقة فقرر أهل القرية الإستعانة ب "قبضايات" آخرين للتخلص منهم، ولكن بدلا من ذلك اتفق فريق "القبضايات" ووجهوا السلاح إلى صدور المواطنين.

 

هل قمت بعصرنة مسرحية "العميان" كما فعلت في مسرحية "المهرج"؟

بالنسبة لمسرحية "المهرج" لا تحتاج إلى تحديث لأنها قد تعرض كما هي بعد 20 سنة وقبل 40 سنة. أما بالنسبة ل "العميان" فهي خارجة عن الزمن حتى أن الممثلين تحدثوا بلهجة بيضاء ليس لها طابع مناطقي مما جعل الناس تتفاعل معها، خصوصاً عندما يكتشف العميان في منتصف المسرحية أن الدليل جثة بينهم أي أنهم أضاعوا الخلاص ولن يعودوا إلى المأوى. وتنتهي المسرحية بارتفاع صوت الطفل بالبكاء لأنه الوحيد بين العميان الذي يرى الغريب القادم نحوهم!.

 

أليس بكاء الطفل أمل جديد؟

بالطبع، ويضع مسؤولية على عاتق الجيل الصاعد .

 

هل الجيل الصاعد في لبنان لديه بصر أم بصيرة؟

هذا هو الامتحان الذي نمر به يومياً بأن نعرف إجابة هذا السؤال!

 

وكأنك من خلال مسرحيتَي "المهرج" و "العميان" تقرأين الواقع السياسي اللبناني؟!

أنا أعيش قلقاً على المستقبل، وهو موقف سياسي واجتماعي وإنساني. ولا أريد أن يخيب أملي في أن يعود لبنان واقفاً على قدميه بشموخ. فمنذ أن قدمت مسرحيات "منمنمات جزائرية" و"سجن النساء" و"اليكترا" و"رائحة الصابون" أعيش قلقاً مستمراً على البلاد العربية التي لا نستطيع أن نفصل واقعها عن لبنان.

 

أين تلتقي مسرحية "العميان" بمسرحية "المهرج"؟

يلتيقيان عند حالتي القلق والقهر في واقعنا العربي. فمسرحية "المهرج" تتحدث عن القلق على الأمة العربية التي تعيش منذ عام 1948 الهزائم حتى فقدت الأمل وضاع المهجرون وتقلصت الأراضي العربية بفعل الإحتلال ومع الوقت قد تتحول القضية الفلسطينية إلى موضة، وهذه كارثة كبيرة، خصوصا بعد مطالبة "إسرائيل" بشطب كلمة النكبة من القاموس. أما "العميان" فتحدثت عن قلق الإنسان الحياتي، وكيف يعيش، وما هو الموت.

 

كان غريباً في مسرحية "المهرج" أن يمتزج الدمع مع الضحك. فأما هي دلالة ذلك؟

هذه براعة الكاتب الكبير محمد الماغوط، الذي أراد من ذلك بيان حالة اليأس العربية والتصديق على المثل القائل "شر البلية ما يضحك"!

 

ترايجيديا الصمت والإنتظار: هل أصبحت موضة في المسرح اللبناني؟

ليست موضة، ولكنها نتيجة طبيعية لما يحدث في لبنان.

 

الإنتظار في مسرحية "العميان" هل تشبه "انتظارغودو"

ل "بيكيت"؟

إن "ماترلينك" هو أبو المسرح العبثي وتلاه "بيكيت" ولكن الأخير يأخذ العبثية إلى مرحلة أعلى بفعل تطور المسرح والكتابة في القرن العشرين، في حين أن "ماترلينك" كانت كتابته المسرحية تعتمد على الرمزية.

 

هل جمعت العميان بين رمزية "ماترلينك" وجرأة "بيكيت"؟

هذا صحيح. فالصورة والرمزية المسيحية واضحة في المسرحية عند" ماترلينغ" ممزوجة بجرأة "بيكيت"، وبالتالي يعتبر تقديم هكذا عمل في لبنان في هذا التوقيت مغامرة، لأننا نفتقد إلى جمهور يستطيع حضور مسرحية ويتعمق فيها ويستمتع بها. لذلك فكرت في البداية بعرض المسرحية على 20 شخصاً فقط وليس للجمهور.

تعملين في المسرح الأكاديمي: فهل تخافين من المسرح الجماهيري؟

لا أبدا. فلقد قدمت أعمالاً في مسارح مونو وبيروت. ولكن الجامعة تطلب مني في كل عام تقديم مسرحية  يستغرق تحضيرها وقتا طويلا.

 

أين المسرح الطليعي اليوم؟

المسرح الطليعي اليوم موجود في الجامعات والذي يتسم بالجرأة ولا تعنيه الماديات. وأيضا لدينا الإمكانيات التقنية والمتخصصين وتلاميذ الجامعة المسجلين في قسم التمثيل. كما يحق لنا الإستعانة بممثلين هواة من الخارج.

 

ماذا يمكن أن يضخ من جديد في المسرح اللبناني؟

هناك أشياء جميلة تضخ في المسرح اللبناني مثل أعمال "ربيع مروة" و"لينا صانع"، كما عاد "جواد الأسدي" إلى لبنان الذي يتعاطى مع النص الأدبي والممثل بفنية رائعة. وأيضا يختبر "حنان الحاج علي" و"روجيه عساف" أشياء جديدة في مسرح الشمس، وأعادت "نضال الأشقر" افتتاح مسرح المدينة. وبالمناسبة ينتبه الجمهور لهذه الحركة ويقدرها.

 

هل المسرح نخبوي؟

إن المسرح نخبوي في كل بلاد العالم، لأن الذهاب إلى المسرح يحتاج إلى ثقافة وجرأة وإستمتاع بالعمل الفني. فمن السهل الذهاب إلى السينما ولكن من الصعب الذهاب إلى المسرح.

 

أسماء وهبة