التقرير

العدد 6 كانون الأول 2005 : يزن ديب
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
حين تتعب.. تغمض عينيك.. وتحلم.. تحاول الهروب.. تدخل في عوالم من التخيلات والآمال التي تختلف من شخص لآخر في كل شيء سوى أنها الملاذ الأخير للهروب من ضيق الواقع..

سابقاً.. كان بإمكان أحلامنا أن تمتد على شريحة من الزمن قد تصل لسنين طوال.. كان بإمكاننا أن نحلم بأشياء قد تحصل بعد عقود من الزمن.. وشيئاً فشيئاً تكفلت الوقائع بغلي وغسيل أحلامنا وتقليصها إلى مجرد اللحظة والمكان الحاليين..

واليوم لم يعد حلمنا أكثر من إكمال نشرة الأخبار ونحن على قيد الحياة.. فلم يعد أحدنا يدري أي خبر عاجل سيحمل الأرقام السرية لمضخة الحياة بداخله موقفاً إياها بجلطة ربحها على أنغام الحقيقة والديمقراطية والتقرير..

هل الحلم هو جزء من الواقع؟.. قد يكون كذلك ولكن في حالتنا أصبح الواقع جزءاً من كابوس لم نتخيل في حياتنا أننا قد نصل إليه.. فمنذ اللحظة التي ترجلنا فيها من مركبة كانت يوماً تجمعنا ابتدأت مشاكلنا..

هل تعلم.. نحن أكثر تطوراً من أعظم شركات إنتاج السيارات في العالم، فكل التقنيات الحديثة للمركبات قد أوجدناها منذ عقود طويلة.. كل منا ينتج سيارة تتوافق مع مقاسات جسده لا مع الطرقات التي سنسير عليها والأمكنة التي من المفترض أن نتقدم نحوها ـ عفواً من قال أصلاً إننا قد نسير أو نتقدم ـ ، نظام الصوت في سيارتنا محكم لا يتيح لنا سماع مَنْ يستنجد بنا.. أو مَنْ قد ندهسه.. والزجاج العازل لا يترك مجالاً لأي كان ومهما كان لأن يدخل صوتاً مهما حاول.. ولذلك ننام ونترك القيادة لمن يشاء.. ناسين أن جوهر القيادة هو في التركيز للوصول إلى المكان المقصود..

المشكلة الوحيدة هي أننا صممنا كل شيء في مركبتنا ونسينا المحرك.. ولأننا نعلم أن الزمن سبقنا.. ولأننا صرفنا ما في جيوبنا منذ زمن في تصميم سيارة من دون محرك فقد قررنا أن نستعير المحركات.. محركات لمركبات أخرى.. وطرق أخرى.. بمقاييس أخرى.. دون أن نفكر بالعواقب..

وحتى ذلك اليوم الذي نتفق فيه على محرك ما ستبقى سياراتنا تصطدم ببعضها.. وستبقى اختراعاتنا مجرد تذاكر إلى الجحيم..

اليوم تضج نشرات الأخبار بالتقرير.. الفضائيات تفيض بسياسيين استيقظوا على عجل ولم يكن لديهم الوقت الكافي كي يخفوا عيونهم المنتفخة.. فهموم كثيرة تنتظرهم وعليهم أن يتحفونا بتحليلاتهم وأحلامهم السليكونية المنفوخة!!..

نعم نحن بحاجة ماسة إلى تقرير يفصل لنا خساراتنا وانكساراتنا ويحدد ما الذي بقي منا.. تقرير يوصف واقعنا الرديء وتخاذلنا ويؤكد أننا إذا لم نترجل من مراكبنا المتصادمة سنكون مطية سهلة لعجلات قطار أميركا السريع القادم نحونا.

صدق أو لا تصدق، قد نكون بحاجة إلى تقرير ما،.. ولكنه مختلف تماماً عما نقرؤه الآن.. تقرير صغير لن تتعبنا قراءته كثيراً ولن يحتاج للكثير من التحليل والتأويل،.. تقرير يقول لنا بكل وضوح وجرأة مَنْ نحن.