ابتسم.. هناك كاميرا خفية

العدد 6 كانون الأول 2005 : صخر الحاج حسين
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
تنتهي رواية كونستانتان جيورجيو الخارقة (الساعة الخامسة والعشرون) بعبارة keep smiling فأنت في أميركا. في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الرواية في عقد الخمسينيات، كانت الكاميرا الخفية تردد العبارة ذاتها ابتسم فأنت في الكاميرا الخفية. وشأن الهامبرغر والكوك كانت الكاميرا الخفية ولا تزال اختراعاً أميركياً بامتياز. وكان الهدف الأكثر بروزاً في ظهورها في فترة الخمسينيات هو النقد الذي وجه لثقافة الجماهير وهو السلبية المزعومة الكامنة في الحياة الفكرية الحديثة. فقد ترافقت في بداية الستينيات دعوات المشاركة في الشأن العام، هذه الدعوات التي باتت حاجة فكرية ملحة مع دعوة التلفزيون للمشاركة الجماهيرية في وسائل الإعلام، ناهيك عن أفول العصر الذهبي للدراما التلفزيونية. وقد ترافق ذلك كله مع تمهيد الطريق أمام الكاميرا الخفية التي بدأت مع برنامج غاري مور شو The Garry more Show.

لقد حاولت الكاميرا الخفية أن تجعل من نفسها المرآة الصادقة للجماهير. فقد أرادت أن تقبض على البشر وهم في حالة تلبس مع ذواتهم، وكانت تلك هي الوصفة الجديدة والناجعة لمتطلبات التلفزيون. وهنا بدأت الكاميرا الخفية منهجاً زمنياً لتقديم علاقة محلية جديدة مع الفرد، هذا في القرن الذي لم يكن يستطيع فيه البشر أن يحددوا متطلبات الإعلام بدقة كافية.. لقد أسست الكاميرا الخفية لنزعة تلصص على الآخرين أو ما يعرف بعقدة توم البصاص Peeping Tom. وساهمت في تكوين حالة ما عرف بالاستمناء البصري. وفي الوقت الذي ظهر فيه تأثير حالة القبض على البشر وهم متلبسون في أفعالهم على أنه تأثير مرح كان فحوى الرسالة المرافقة واضحاً: لا يظنن أحد بأن أفعاله وأحاديثه وردات فعله عامة كانت أم خاصة بعيدة عنا وستمر مرور الكرام.

وفي الواقع، كان على الجميع أن يدركوا بأنهم تحت السيطرة والمراقبة كما عبر عن ذلك آلن فنت مضيف برنامج CBS الذي ظل على رأس البرنامج من العام 1960 إلى العام 1967: ستدخل الكاميرا الخفية إلى الخبيء، وكلما أمسكت بك متلبساً كان ذلك أفضل. بعد ساعتين من الآن سيصل طاقم الكاميرا الخفية ربما إلى مدينتك، لذا توخ الحذر ولا تستغرب إذا ما خطا أحدهم إلى منزلك وقال لك. ابتسم فأنت في الكاميرا الخفية.

يرى بعض المراقبين أن نزعة الرقابة هذه هي استمرار للخوف القومي من الشيوعية ومن بعض النزعات الغريبة عن المجتمع الأميركي، هذا الخوف الذي تجذر في الوعي الجماعي الأميركي.

لكن هذه نصف الحقيقة فقط ولا تكاد تفسر جماهيرية عروض الكاميرا الخفية، فلنستمع إلى الأغنية المرافقة للبرنامج:

على حين غرة

ستكون

النجم الجديد

ابتسم فأنت في الكاميرا الخفية

لقد استخدمت وسائل الإعلام أساليب لإقناع المشاهد الفرد بأن القبض عليه في حالة تلبس مع ذاته هي اللحظة الأغلى في حياته النعمة الإلهية. فهي تقيم (للفرد) الضحية احتفالاً مؤقتاً، ونجومية، إذ تم انتخابه من بين ملايين البشر. هذه اللحظة التي تحفر عميقاً في ذهنه على أنه مميز، وهذا ما تشترك به الكاميرا كأداة (تقنية) باتت في متناول يده متى يشاء، وهنا يتكون لدى المرء شعور بأن الدور الذي يجب البحث عنه هو ذاته الذي تلعبه الكاميرا الخفية. وهذا ما يشكل نقطة الخطورة في الواقع، إذ يبدأ الفرد العادي في البحث له عن دور ويصبح المراقبَ مراقِباً. وهذا ما تجسده كلمات فنت:

يمكن للجميع أن يلعبوا دور الكاميرا الخفية دون أن يلمسوا الكاميرا.. في واقع الأمر ما عليك إلا أن تراقب الناس وهم يقومون بالأشياء الصغيرة.

وهذا هو فحوى الرسالة الثانية التي تقدمها الكاميرا الخفية. فعندما ابتعدت وسائل الإعلام عن لعب دور الرقيب نصّبت مكانها الفرد المشاهد. أما بالنسبة للمشاهد في البيت فإن متعة الكاميرا الخفية تكمن في الصلة المرئية الواقعة بين فعلتي التلصص والمراقبة: متعة مراقبة البشر الضحايا دون أية مجازفة تذكر، ومتعة مراقبة الناس وهم على وشك مخالفة النواميس المجتمعية.

لكن هذه المتعة تستمد أصولها أساساً من معرفة الراصد للموقف بأن الأمور لن تفلت من الزمام، وبأن المخالفات والاحتجاجات سيتم استيعابها وذلك بكشف هوية الموقف المازح في ظاهره، المهين في باطنه. وهنا يقف المشاهد الموقف الوسط، وهو أن يغفر للضحايا الذين تم ضبطهم متلبسين والذين تغير مزاجهم من حالة عداء شديد فرضت عليهم فرضاً، إلى حالة امتنان للذين أنقذوهم من هذا الوضع المحرج، أي أن الضحية شكرت مَنٍٍْ ورطها ومن أنقذها في الوقت ذاته. ويأتي العامل التعليمي الذي يسعى أساساً للكشف عن ردود أفعال البشر اتجاه التكنولوجيا. فمن الملاحظ أن معظم المواقف التي يتم تصويرها تدور إما في أكشاك الهاتف وإما في السيارة أو الحافلات الخ.. وكلما كانت الضحية متقدمة في السن كانت الاستجابة سخيفة ومضحكة. أما ردات الفعل الأكثر جاذبية، فتكون للأصغر سناً الذين يظهرون تفهماً أكبر للتكنولوجيا.

إن مقولة الكاميرا الخفية هي أن التكنولوجيا خيّرة بحد ذاتها شريطة أن نعد أنفسنا لتطوير الموقف الصحيح تجاهها وتكييف أنفسنا لشروطها (أي أن نكون ضحاياها). بات من السهل الآن أن نعرف كيف أظهرت الكاميرا الخفية قدرة التلفزيون على توريط جمهوره بالمحيط التقني وذلك عبر حشد سلسلة هائلة من المتع بعضها كان معروفاً والبعض الآخر كان مفاجئاً. كما ذهبت استخدامات هذه الإمكانية خارج حدود العرض ذاته. فلقد أخذت الكاميرا الخفية تمرر الذخيرة المحلية من الأفكار والمقولات الجاهزة، من أجل التعامل العدائي مع مناوشات الحياة اليومية الاجتماعية بالإضافة إلى التعامل مع ذخيرة النكات الدارجة. فالعديد من اللحظات الحرجة تم تفسيرها من خلال سلسلة الكاميرا الخفية.

في نهاية عقد الستينيات، بدأت المحاولات لإخراج الكاميرا الخفية من الجو العام في الوقت الذي بدأت فيه شبكات التلفزيون لإخراج للضغط الاجتماعي من أجل بث تلفزيوني مسؤول، خصوصاً فيما يتعلق باللون والجنس والطبقة. هذا التغير في البث كان استجابة غير مباشرة لنزعات الازدراء التي توجهت ضد التلفزيون والتي عبرت عنها شبيبة الثقافة المضادة. فقد وصف جيري روبن التلفزيون بأنه علكة العقل. وباتت الكاميرا الخفية إحدى وسائلة التي يدعو من خلالها إلى المشاركة قبل أن يعاد تعريف فكرة المشاركة الجماهيرية على الملأ.

هذا ما كان يحدث في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص. ولكن ماذا عن الكاميرا الخفية في بلادنا وفي فضائياتنا الميمونة. وكجميع الأشياء المستوردة من عند الآخر باتت الكاميرا الخفية نسخة مشوهة إلى حد بعيد عن الأصل. ونحن لسنا بصدد القول إن الكاميرا الخفية في الغرب كانت شيئاً رائعاً، إذا إن ما قدمنا به من شواهد ينفي ذلك، لكن رغم كل شيء تبقى الكاميرا الخفية في الغرب نتاجاً فكرياً وثقافياً للمجتمعات الغربية. فهي تعبير عن مدى تطور هذه المجتمعات في استنباط أساليب وأفكار جديدة ربما كانت على المدى البعيد مخربة لكنها بالتأكيد ممتعة على المدى القريب، فهناك الكثير من المواقف التي أعدت أصلاً لمداعبة الفرد وهي بالتأكيد ليست فظة، وبالتأكيد لا ترمي إلى مس مشاعر الفرد بشكل مباشر وهمجي كما يحدث في مجتمعاتنا التي، وللأسف الشديد، أفرزت مهرجين يكاد دورهم ينحصر في إيذاء المشاعر الفردية والعامة (المغيبة أصلاً).

وإذا كان القيمون على برامج الكاميرا الخفية في الغرب هم من الإعلاميين الناجحين والمرموقين (ولا يبرر هذا ما يقومون به) فإن من يدير برامج الكاميرا الخفية عندنا هم من الجهلة المتطفلين على ميدان الإعلام أصلاً (وهنا يبرز دور النزعة السوقية التي ترافقت مع الحداثة المشوهة في بلداننا). فإن تتهم مواطناً بريئاً بكل ما تحمله كلمة مواطن من (أحزان وهموم) بجريمة لم يرتكبها، وهو أساساً بعيد عن جذور جريمة كهذا، شيء لا يحتمله منطق خاصة أن المشاهد يستمر أحياناً لأكثر من ربع ساعة. هذه الفترة الكافية لتشويش إدراكاته لفترة قد تمتد لأسابيع وهو أصلاً لم يبق في إدراكاته من متسع لمزيد من الهموم. وإذا كانت هموم البشر ضرباً من التسلية بين أيدي جهلاء فإنها قد تتحول إلى مثبتات تاريخية يعيشها المواطن كهاجس دائم.

ولا غرو، ففي أحد البرامج التي تبث على فضائية عربية تستهل مقدمة البرنامج برنامجها بكلمة هيا بنا نشاهد ضحايا الكاميرا الخفية. هذه العبارة التي تنسجم أصلاً مع السياق الذي يتم من خلاله التعامل مع الضحايا (وهم من البشر).

لكن الأمور لن تقف عند هذا الحد بل تذهب ومباشرة إلى المس بكرامة المواطن في جوهرها، إذ يتركز الهدف الأساسي إلى إضحاك الآخرين على الضحية بأساليب أقل ما يقال فيها إنها غير إنسانية. فالتركيز يتم أساساً على الشكل الخارجي للضحية، وإبراز عيوبه الجسدية. وهنا تلعب الكاميرا من حيث هي أداة تقنية في طور التحديث الدائم دوراً لا يمكن أن تلعبه أي أداة أخرى. فالكاميرا في مهمتها هذه تقوم بدور المجهر الذي يكبر الحجوم المترافقة أساساً مع أخطاء مولودة مع الشخص لتصبح عيوباً تجب إزالتها حتى يبقى المجتمع نظيفاً طاهراً عفيفاً لا تشوبه شائبة.