بعد أن فقدوا الأمل في دعمهم مادياً ومعنوياً

العدد 6 كانون الأول 2005 : علي الراعي
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

أدباء وفنانون تشكيليون شباب في مهن البلاط وورشات الطرش والدهان

القاص علي صقر رجل أعمال بـ 160 ليرة!!

محسن عبد اللطيف حسن شاعر على الدرج

لعلَّ أبرز ما يميز صديقنا القاص علي صقر هو طرائفه التي اشتهر بها.. فهو صاحب التختية الثقافية سقيفة التي كان يصعد عليها بمدرجٍ ذي محور، وكان على الصاعد أن يقبض أو يتعمشق على هذا المحور ليصل إلى هذا السقيفة، التي لعبت دوراً في مساحة الثقافة في محافظة طرطوس ـ رغم مساحتها التي لا تتعدى ثمانية أمتار مربعة ـ قد يفوق بكثير مساحة الدور الذي تقوم به الهيئات الثقافية الرسمية على اتساع مساحاتها التي بقيت خواء. على هذه السقيفة كانت ثمة ورشات لكتابة القصة، وعليها أيضاً انعقدت عشرات الندوات الثقافية وغير الثقافية..!!

علي صقر هذا الذي يصر على أنه زقاقي هو من اشتغل لإنتاج أقصر قصة في العالم أخ..تفوه!! أو نعم.. لا أو لا..!! علي هو من القلة من الكتاب الشباب الجريئين الذين يعلنون عن أعمالهم، أو مهنهم التي تطعمهم خبزاً، بعد استحالة أن يقدم الأدب خبزاً، على الأقل هذا ما يحصل للكتاب الحقيقيين، وليس الموظفين في الكتابة، الذين لا هم ثقافياً لديهم اليوم.

همُّ الأدب وهمُّ الخبز

علي صقر صاحب مجموعات القصص: لعتمة كانون لون آخر ورغبات شرقية. وعدد كبير جداً من النصوص المسرحية، تميز أيضاً بتغيير الكارات فهو يغير عمله كلما كتب قصة جديدة وربما اشتغل بعشرات المهن والورش، ابتداء من الدكنجي سمان، إلى جلي البلاط ورصفها.. وأخيراً وليس آخرا العمل في تجارة العقارات .. وفي أعمال أخرى يأنف الكثيرون من العمل بها.. علي صقر الذي حقق حضوراً مهماً في ساحة القص ـ لا سيما الساخر ـ في سورية، استطاع أخيراً أن يصبح صاحب نظرية مهمة جداً وهي:

(كيف تستطيع أن تصبح رجل أعمال بـ 160 ليرة سورية)..

والحكاية هي أن إحدى شركات النقل ـ بولمانات ـ التي تعمل على خط دمشق ـ طرطوس خصصت تشغيل بولمانات لرجال الأعمال بزيادة التعرفة خمسين ليرة سورية على التعرفة الرسمية (110 ليرات سورية)، وهذه الخمسون ليرة هي التي جعلت من صديقي علي صقر رجل أعمال، على الأقل لمدة ثلاث ساعات ونصف هي مدة الرحلة بالبولمان من دمشق إلى طرطوس، ولمن يساوره الشك في رجولة الأعمال لعلي صقر، فهو لا يزال يحتفظ بالتذكرة إلى الآن ومسجلاً عليها اسمه في خانة رحلة رجال الأعمال.

الغريب واللافت حقاً، أن الكثير من الكتاب الشباب، قاصين وشعراء وروائيين، يشتغلون أكثر تحديداً في البلاط تبليطاً وجلياً، وكأن ثمة رابطاً بين رصف البلاط ورصف الكلمات، وأستطيع أن أحصي أكثر من عشرة قاصين سوريين يشتغلون في التبليط، وأزعم أن أهم مَنْ يكتب القصة الساخرة اليوم في سورية هو بلاّط، قصة ساخرة من نوع نادر، وهو لم يتبجح يوماً، أنه أهمّ كتابها، وليس كما يفعل اليوم من يعيث فساداً في تراث وتركة حسيب كيالي، ذلك الوغد المتورم الذي يدعي أنه كاتب السخرية الأول في سورية اليوم..!!

وهذا الشاعر محسن عبد اللطيف حسن صاحب المجموعات الشعرية السبع، بل هو من الكتاب الثلاثة الأكثر انتاجاً في الطباعة في محافظة طرطوس مع أحمد كامل الخطيب وعلي ديبة، هذا الشاعر إلى اليوم، وبعد كل هذه القصائد السوريالية، لا يزال ينوء، في واقع أكثر سورياليةً، بحمل حقيبته الضخمة التي تزدحم بالمعاملات، صاعداً وهابطاً على أدراج أمكنة تعقيب المعاملات العقارية والمساحة..

أدباء على الدرج

وإذا كان القاصون قد تميزوا أو أجادوا مهنة رصف البلاط، فإن الفنانين التشكيليين، قد تميزوا بمهنة الطرش والدهان، فهذا صديقنا الفنان التشكيلي ميم الذي بالكاد نراه، ولولا المعارض لكان غرق نهائياً بالألوان إبداعاً كانت أم مهنةً، هل تعرفون أن الرسام الكاريكاتيري الأكثر تميزاً في طرطوس هو أيضاً الأكثر تميزاً في تصويج السيارات فيها..؟!!

إذا كان علي صقر أو محسن عبد اللطيف حسن لديهما الجرأة لأن يعلنا عن العمل الذي يشتغلان فيه لتأمين لقمة العيش، فإن غيرهما من قصاصين وشعراء، لا يملكون هذه الشجاعة، فأمثال علي ومحسن عشرات الأدباء والفنانين التشكيليين، وهذه الأعمال قد لا تليق بهم، لكنها بالتأكيد لا تنقص ولن تنقص من مواهبهم شيئاًُ والدليل أن الكثير منهم حقق حضوراً يفوق بكثير حضور أولئك المدعين الأميين أو مَنْ يشابههم الذين يحتلون اليوم الكثير من المفاصل في حياتنا الثقافية والإعلامية، وهنا بالتأكيد يكمن العيب..!!

ما أريد أن أشير إليه أخيراً.. هو أنه عندما كنا في السابق نركب تكسي الأجرة كنا نجلس في المقعد خلف السائق، أما اليوم فقد أصبحنا نجلس إلى جواره، وذلك لأن هذا السائق الذي قد تكون الظروف هي التي دفعته لأن يشتغل سائقاً قد يفوقنا تعليماً وثقافةً ومَنْ يدري فقد يكون أديباً أو فناناً تشكيلياً معروفاً؟ ولا أعتقد أن ثمة ما يدعو لأن نذكر بمهن زكريا تامر وحنا مينة في بدايتهما، ولكن إذا كان حنا مينة وزكريا تامر لم تعق مهنتهما كحداد أو عتال تحقيق طموحهما الأدبي، لأن هناك مَنْ احتضن موهبتهما، ولأنهما جاءا على فراغ في الساحة الثقافية، فلم يجدا من ينافسهما أو ينازعهما فأصبحا رموزاً اليوم، فإن الأدباء الشباب الآن قد لا يكون باستطاعتهم الصمود أمام شظف العيش، وأمام المنافسة الكبيرة في كثرة عدد الذين يكتبون، أو يرسمون، دون أن يجدوا من يرعى مواهبهم أو يقدم لهم الدعم سواء المعنوي بالنشر، وتقديم المنابر الإعلامية لنشر نتاجهم، أو تقديم الدعم المادي وطباعة ما يكتبون بعد أن أصبحت هيئات الثقافة غيتوات لا يدخلها إلا الإخوان والأصحاب والمفصّلون على مقاسات محددة، ولا داعي أيضاً للتذكير بالأميين الذين يرتعون فساداً وأمية في ساحة الإعلام الثقافي، الأمر الذي غيّب الكثير من هؤلاء الشباب المبدعين، ناهيك عن الركض خلف لقمة الرزق التي تشرق إن هم غرّبوا، أو تغرب إن هم شرّقوا..!!؟؟