العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

بين المصالحة والسّلام الدّاخلي...

زهير فياض
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

يكثر اليوم الحديث عن مصالحات تعقد هنا وهناك، ولقاءات تهدف الى وأد الفتنة وما إلى هنالك من مصطلحات يحفل بها القاموس اللّبناني.وتتجلّى إيجابيّة هذه المصالحات- بالطّبع - في أنّها تشيع جوّاً من الاستقرار الأمني والهدوء النّسبيّ الذي يتوق إليه المواطن الذي ملّ حالة اللاإستقرار والفتن المتنقّلة والمشاكل الأمنيّة المفتعلة في هذه المدينة أو تلك القرية ، أو تلك النّاحية من نواحي لبنان العزيزة، وهي - أي المصالحات - تشيع مناخاً داخليّاً إيجابيّاً يساعد على اختراق الحواجز الاصطناعيّة التي أقامها السّياسيّون بين أبناء الشّعب الواحد والمجتمع الواحد والوطن الواحد.

ولكن، وبالرّغم من الأهميّة المرحليّة لهذه المصالحات، غير أنّها تبقى ناقصة وشكليّة وغير مكتملة بالمعنى الحقيقيّ الذي نتوق للوصول إليه، فالمصالحة الحقيقيّة هي أن نتصالح مع أنفسنا على مساحة الوطن على قاعدة الانتماء الوطنيّ الصّحيح وعلى قاعدة تعزيز شعور المواطنة الحقّة، أي مصالحة المواطن مع ذاته قبل أي شيء.

فالوطن ليس مجموعة طوائف تتصالح حيناً وتتناحر أحياناً، وليس قبائل أو مذاهب أو طبقات تلتقي أو تتصادم، ولا هو " إقطاعات " يحكمها أمراء اذا التقوا عمّ السّلام وإذا تناحروا كانت الحرب.

الوطن هو قبل كل شيء علاقة تفاعليّة على طول الخطّ بين المواطن والمواطن، أي بين الإنسان والإنسان، وعلاقة تواصل وتفاعل وتناغم مع البيئة والأرض التي تحتضن النّاس وكل شيء حيّ...

لاشكّ أنّ النّيّة الصّادقة هي التي تدفع الخيرين لعقد هذه المصالحات لتعزيز منطق التّلاقي بدل منطق الصّدام، بيد أنّ التّأسيس الفعلي لسلم أهلي راسخ ومستدام لا يكون إلا بفصل الدّين عن الدّولة، ووصل المفهوم الحقيقيّ للدّين بجوهر العلاقات الإنسانيّة على مساحة الوطن، وكذا على مساحة العالم، هذا السّلم الأهلي لا يكون ثابتاً ومستمرّاً وقويّاً إلا متى آمنّا جميعاً بأنّ "الدّين لله والوطن للجميع"، و أنّه " لا إكراه في الدّين" ، وأنّ "ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، هذه مسلّمات لا بدّ من الارتكاز عليها لتثبيت السّلام الدّاخليّ بين أبناء المجتمع الواحد، وهو الطّريق الأقصر لبناء الدولة القويّة القادرة والعادلة والضّامنة لكلّ النّاس.