العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

تحيتي الأخيرة

منصور عازار
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

 عندما يعود مَن أصبح مثلي، أمام حضرة الغياب، ويتأمّل آلامه وامتحاناته وقسوة الأحداث، يشعر بزهوّ الحياة. لم تكن حياتنا الحزبيّة نزهة فكريّة، ولا تبشيراً عقائديّاً، ولا تمتّعاً بالقوّة، ولا صبراً طويلاً، بل كانت أحياناً صراعات داخليّة، تبعث في النّفس آلاماً، وتكتب في القلب سفراً من المشاعر المتناقضة:

كيف مَن كنت معه، صرت ضدّه وصار ضدّي؟

كيف نتحوّل من عهد الرّفقة ووحدة الحياة، إلى عهد الجفوة وفكر التّنابذ؟

كيف، أنا القوميّ الاجتماعيّ، الذي اقسمت أن أمدّ يد العون إلى رفيقي، أصير ويصير مثلي حاقداً، موتوراً، يسعى إلى الإيقاع بي.

كيف ننقسم، نحن الذين كنّا طلاب وحدة الأمّة؟

من يصدقّنا، كوحدويّين، عندما يصيرحزب الوحدة أحزاب التّشتّت والتّنابذ والضّياع والكفر بالرّفقة؟

من يصدّقنا؟

إنّها لمحنة أن تعود بالذّاكرة إلى ذكرى أوّل انقسام في الحزب، إلى يوم انشقّ فيه الحزب على نفسه، ولم يلتئم، منذ الخمسينيّات، بعد حادثة اغتيال المالكي. إنّها لمحنة، على رجل مثلي، وأنا أقرع الباب الأخير، وأنا أنوء برفع التّحيّة الأخيرة، أن يتذكّر أنّ سيل الانقسامات لم يتوقّف، وأنّ في كل انقسام، أسراب تهاجر الحزب بغير رجعة، ولن يبقى، يصير مضطرّاً إلى إتقان حرفة التّفرقة والتّعصّب الأعمى.

لن أمرّ على تلك الأزمة التي عاشها القوميّون، بين فريق عبد المسيح، وبين فريق الشّرعيّة، وما كنّا نقوم به من معارك حول من حضر ومن غاب، وشرعيّة القرا، ولاشرعيّته، وتهمة الاغتيال ومحاولة التبرّؤ منها، واعتبار الحزب كان ضحية مؤامرة عبد الحميد اسراج وأعوانه.

إنّها لذكريات مرّة، أن تتحوّل كل مساءلة إلى إدانة مباشرة، إنّها لمصيبة أنّنا كلّما مررنا بمنطق سياسيّ، ارتحلنا من مواقع الوحدة الى مطارح التّشتّت.

قسمتنا أحداث دمشق الكبرى، وأخرجنا منها مطاردين مشردين، ومن بقي فيها كان معتقلاً أو أسير بيته أو خائفاً من قبضة القمع تطاله وهو بريء.

قسمتنا أحداث المالكي، فبتنا نكيل الاتهامات بالعمالة لبعضنا البعض، حتى أضحى عملنا اليومي، هو كيفيّة تدبير الرّدود على الرّدود، حتى صار الحزب حزبين: واحد برئاسة أسد الأشقر، وآخر برئاسة جورج عبد المسيح.

حزب الوحدة... انفرط عقده... واستمرّ عقده بالانفراط مراراً.

أنا الآن، حزين جداً ولكنّني مؤمن أنّ الحركات، كلّ الحركات، تتعرض للانقسامات، لعلّ الأمر يبدو لي الآن طبيعيّاً. الخلاف حتميّ إنّما إدارة الخلافات، هي المعضلة. الحزب، لم يعرف كيف يدير خلافاته العقائديّة والسّياسيّة والإداريّة والدّستوريّة.

وقع في التّشخيص. والتّشخيص، أنانيّة وفرديّة مفرطة، كان قد تنبّه إليه سعاده، ودعا إلى النّجاة من دكتاتوريّتها.

أكتفي بهذا القدر، لأنتقل في ذكرياتي متحدّثاً بواقعيّة شديدة عما آلت إليه أموري في الحزب، بعد طرد جورج عبد المسيح ورفاقه، الذين كنت معهم رفيقاً ايضاً.

كنت مصرّاً على الحلّ، بدون تقديم تنازلات. وقفت إلى جانب المؤسّسات، على لغة ذلك الوقت، وفي كلّ وقت يتعرّض فيه الحزب لخطر الانقسام، وبدأت التّحرّك في إطار منفّذيّة المتن الشمالي والأعلى، كناظر للإذاعة. أعدنا لمّ شمل القوميّين في كثير من المناطق والقرى، باستثناء بسكنتا وبيت مري وبعض القرى المتنيّة.

كانت التّجربة مرة، فأنا كنت قد عملت طويلاً مع جورج عبد المسيح وتدرّجت في الحياة الحزبيّة إلى جانبه. فكنت أشعر وأنا اقوم بواجبي كعضو ومسؤول في هيئة المنفّذيّة أن آلاما عميقة تجتاح نفسي فالأفراد، مهما علا شأنهم يظلّون معرّضين للأخطاء، فالمفاسد والأخطاء تنال من الإرادة احياناً كثيرة كما يقول سعاده.

كنّا نقوم بعمليّة البناء الجديدة عندما استشعرنا اقتراب خطر الفتنة في لبنان، قتل الصحافي نسيب المتني واجتاحت لبنان موجة من الخوف والرّعب، كما حصل يوم اغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق.

ولما كنّا مضطهدين في دمشق، ومطاردين من قِبل نظامها في لبنان، وطالت أيدي مخابراتهم رفقاءً لنا، كان ابرزهم على الاطلاق الأمين غسان جديد، رحنا نجوب القرى والمناطق لاتخاذ تدابير بهدف حماية الحزب ومناطقه.

كان لدينا بعض الأسلحة الخفيفة، خصوصاً تلك التي كانت تسمى "الكنديّة" بخمس طلقات وواحدة في البوز، وابتدأنا بشير عبيد وأنا ننقل السّلاح إلى مراكز المديريّات استعداداً للأيّام المقبلة.

وتواصلت الاجتماعات في منزل رئيس الحزب الأمين أسد الأشقر، خصوصاً لأعضاء المجلس الأعلى وأعضاء مجلس العمد وهيئات المنفّذيّات، وأكثرها حضوراً منفّذيّة المتن الشّمالي. وكان إميل رعد منفّذاً عامّاً وبشير عبيد ناظراً للتّدريب، فيما كنت أتولّى مسؤوليّة ناظر للإذاعة. وبتنا نحن الثّلاثة حركة لا تهدأ في اللّيل والنّهار، وكنّا نحضر جلسات مجلس العمد. وقد ارتاح رئيس الحزب لوجودنا لأننا كنا نجوب المناطق وندرس حالات القرى والبلدات في جبل لبنان وبيروت، وذات مرة اعترض الأمين إنعام رعد، عميد الإذاعة في مجلس العمد، على وجودنا في هذه الاجتماعات ونحن لسنا من أعضائه، فما كان من الأمين أسد الأشقر أن سأله: ومن يعيّن العمد ويقبل استقالتهم ويعفيهم ويقيلهم؟... فأجاب الأمين إنعام رعد طبعاً رئيس الحزب حسب الدّستور، فما كان من رئيس الحزب إلا أن أعلن تعييننا نحن الثّلاثة أعضاء في مجلس العمد وعاد فاستبقى بشير عبيد منفّذاً عامّاً للمتن، إذ رأى فيه الحيويّة والاندفاع والقدرة على إدارة هذا المركز الهامّ.

وهكذا أصبحت عميداً في مجلس العمد وتسلمت ناموسيّة المجلس وصرت أداوم في عملي الجديد ما لا يقلّ عن عشرين ساعة يوميّاً، ذلك إن المعارك الدّاخلية قد بدأت في عدّة مناطق من الكيان اللّبناني فاشتعلت جبهة الشّمال وجبهة عاليه والشّوف، وأصبح الجبل إجمالاً في حالة حرب داخليّة خطيرة!.. وكان كميل شمعون رئيساً للجمهوريّة، وهو يريد التّجديد ولا يعلنه، فحصلت أزمة حكم خطيرة ضاعفت الحالة العامة وبدأت الشّخصيّات السّياسيّة النّافذة تتحرّك كلّ في منطقتها، فإذا برشيد كرامي وصائب سلام وكامل الأسعد وصبري حماده وكمال جنبلاط وغيرهم يتسابقون إلى تسليح مناطقهم، وكان الحزب قد أصبح في حالة تعبئة كاملة وانتشرت المخيّمات العسكريّة في كلّ من ضهور الشّوير وديك المحدي والكورة وعكّار وشملان وفي منطقة عاليه - الشّوف وفي البقاع وغيرها من المناطق الحزبيّة المعروفة، ولا سيّما في النّبي عثمان. وكانت مهمة مخيّم ديك المحدي حراسة مركز الحزب إلى جانب مهماته الأخرى التّدريبيّة، أمّا المسؤولون فقد انتقلوا للسّكن في القرى المجاورة مثل مزرعة ياشوع وبيت الشّعار، وفي ديك المحدي بالذات أصبح لدينا قوّة عسكريّة هامّة جدّاً. وكان ضبّاط الحزب من الكيان الشّامي، الذين لجأوا إلى لبنان بعد اغتيال المالكي، قد تسلّموا مسؤوليّات هامّة في هذه المخيّمات ومنهم عبد الوهاب تركماني ومحمود نعمه وميشال نصر ومعين عرنوق وعبد الله جبيلي، وكانت عائلاتهم قد أصبحت في هذه المنطقة، وكان الأمين نبيه نعمه أخو محمود الأكبر من المسؤولين الجديّين في عمله الحزبي، ونشأت بين الجميع وحدة روحيّة قويّة جدّاً.

ودخل الحزب ميدانيّاً في امتحان جديد هو الأوّل من نوعه إذ أصبح لديه مركز تعبئة ومراكز تموين ومراكز للسّلاح وأصبح بحاجة إلى توسيع إدارته، فاحتاج إلى منازل عديدة تضم العمدات الرّئيسيّة، فلعمدة الدّفاع مواقع هامّة أبرزها منزل يخصّ مختار القرية الشّيخ نجيب الخوري، الذي تخلّى عنه للحزب، الذي جمع فيه كل دوائر عمدة الدّفاع وعلى رأسها الضّابط فضل الله أبو منصور. وبهذا تغيّرت كل مجاري حياتنا اليوميّة وأصبحنا في حالة حرب، والحزب يحتاج إلى السّلاح والذّخيرة والمال. وكان لي في بيت الشّعار منزلان فنقلت عائلتي من المنزل الذي كنت أشغله للعمل الحزبي، إلى المنزل الآخر الذي أملكه في وسط القرية فوق كنيستها، علماً أنّ زوجتي لم يمض أسبوع على وضعها ولدنا الرّابع فداء، فقامت قيامة العائلة، والديّ وزوجتي، خصوصاً والدتي التي تساءلت كيف ينقلنا هذا المجنون إلى منزله الجديد وزوجته في حالة صعبة بعد الولادة ونحن والأولاد جميعنا في حالة اضطراب وخوف؟ لم أدرك معنى هذه الكلمات ولم تؤثر بي، لأنّ الحزب كان قد أصبح كلّ وجودي، فلا مجال لحرمانه مما أملك من متاع الدّنيا، لا سيّما أنّ أعمالي العقاريّة أصبحت ناجحة وأملك الكثير من الأراضي التي بدأت أبيعها قطعة، قطعة، لتغذية العمل في عمدة الماليّة بما تمكّنت منه في تلك الأيّام.